الفصل 2 / 25

الحب الحلال

همسات من ماضٍ عريق

بقلم مريم الحسن

عادَت ليلى إلى شقّتها الصغيرة الهادئة، حيث تفوح رائحة الياسمين من الشرفة المطلة على شوارع القاهرة النابضة. كانت قدماها تحملان أثر التراب والقدم، وقلبها يضجّ بمزيج من الإثارة والتفاؤل. لم يكن مجرد لقاء عابر في سوق الأجداد، بل كان كشفاً لبابٍ كان موصداً أمامها، بابٌ يقود إلى عالمٍ مجهولٍ من تاريخ عائلتها.

بمجرد أن ألقت مفتاح الشقة في قفله، اندفعت نحو الغرفة التي تحتفظ فيها بذكريات جدتها. كانت الغرفة أشبه بمتحفٍ مصغّرٍ، مليئة بصناديق خشبية قديمة، ورفوفٍ تعلوها كتبٌ بالية، وصورٌ مؤطرةٌ تحمل وجوهاً غابرة. بدأت ليلى تفتح الصناديق بلهفة، تقلب الأوراق، تتفحص الرسائل التي كاد الزمن أن يمحوها، وتقبّل صور الأجداد الذين لم تعرفهم قط.

كانت جدتها، الحاجة فاطمة، قد خلّفت وراءها كنزاً من الذكريات، لم تبخل قط في روايته على حفيدتها، إلا أن بعض التفاصيل كانت تضيع في زحام الحياة، أو ربما، كانت تُترك عمداً طي الكتمان. لابد أن هذه القلادة، "جوهرة الأجداد"، كانت تحمل أهمية لا تُقاس.

وجدت ليلى صندوقاً أسود اللون، مزخرفاً بنقوشٍ نحاسيةٍ باهتة. كان هذا الصندوق، حسب ذاكرتها، هو المفضل لدى جدتها، كانت تضعه دائماً بالقرب منها، وكأنه حصنٌ يحمي أثمن أسرارها. فتحت ليلى الصندوق بحذر، ومن بين طبقاتٍ من المخمل القديم، استلت حفنةً من الرسائل القديمة، ودفترٍ صغيرٍ بخطٍ غريب.

الرسائل كانت معظمها بين جدتها وجدتها، تتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية، عن الأفراح والأحزان، وعن الشوق إلى الأحفاد. لكن إحداها، كانت مختلفة. كانت مؤرخة قبل سبعين عاماً، وتحمل توقيع "زينب". كانت مكتوبةً بخطٍ أنيقٍ ورصين، تصف خوفها وقلقها من أن تضيع قطعةٌ ثمينةٌ من العائلة.

"يا حبيبتي فاطمة، أبعث إليكِ بهذا الخطاب، وقلبي يعتصره الألم. لقد أمرتُ بتخبئة القلادة في مكانٍ آمن، بعيداً عن أعين الطامعين، وعن صخب الأيام. لقد تحملتُ عبئها طويلاً، ورأيتُ في عينيكِ الأمانة والقوة، لذا أودّ أن تكوني أنتِ الوصية عليها. إنها ليست مجرد حليّ، بل هي رمزٌ لوحدة عائلتنا، ومفتاحٌ لأسرارٍ لم تُكشف بعد. لا تكشفي عنها إلا لمن تثقين بهم، وللزمن المناسب."

شعرت ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدها. "رمزٌ لوحدة العائلة"، "مفتاحٌ لأسرارٍ لم تُكشف بعد"... كم كانت جدتها محقةً في بحثها. أمسكت بالرسالة، وكأنها تمسك بيد جدتها.

وبجانب الرسالة، وجدت الدفتر الصغير. كان يحمل عنواناً مكتوباً بالذهب على غلافه: "مذكرات زينب". فتحت ليلى الدفتر، لتبدأ رحلتها مع ذكريات امرأةٍ عاشت قبل عقود، امرأةٍ كانت تحلم بمستقبلٍ مشرقٍ لعائلتها.

بدأت زينب في مذكراتها بوصف حياتها في حي الروضة، في منزلٍ كبيرٍ تعلوه النوافذ الخشبية، وتتزين جدرانه بالنقوش الإسلامية. وصفت جمال القاهرة في زمانها، وصوت الأذان الذي كان يملأ الأجواء، وصخب الأسواق التي كانت تنبض بالحياة. لكنها سرعان ما انتقلت إلى وصف القلادة، "جوهرة الأجداد".

"لقد ورثتُ هذه القلادة عن أمي، وأمها قبلها، جيلاً بعد جيل. إنها من الفضة الخالصة، مزينةٌ بهلالٍ فضيٍ كبير، وعلى طرفيه نجمتان صغيرتان، كما لو كانتا تنظران إلى الهلال بحبٍ واحترام. لم تكن القلادة مجرد زينة، بل كانت تحمل نقشاً سرياً على ظهرها، نقشٌ لم يفهمه أحدٌ غيري. نقشٌ يدلّ على مكانٍ محددٍ، مكانٍ اختبأت فيه عائلتنا الكثير من أمورها الهامة."

قرأت ليلى بشغفٍ وهي تدوّن الملاحظات. "مكانٍ محددٍ"... هل يعني هذا أن القلادة تخفي دليلاً على مكانٍ ما؟

واصلت زينب في مذكراتها وصف الصراع الذي عاشته عائلتها. كانت هناك خلافاتٌ على الميراث، وطمعٌ في ثرواتهم. كانت القلادة، برمزيتها وما تحمله، محلّ حسدٍ ورغبةٍ لدى البعض. لهذا، قررت زينب أن تحميها، وأن تجعلها سراً لا يباح إلا لمن يستحق.

"لقد خبّأت القلادة في مكانٍ بعيدٍ عن الأنظار، ولكن لا أريد أن أقول لكِ أين هو يا ابنتي، لكي لا تقع في أيدي الغرباء. لكنني أودّ أن أعطيكِ دليلاً، دليلاً على هذا المكان. لقد وضعتُ حجراً صغيراً، نقش عليه نفس شكل النجمة التي على القلادة، في مكانٍ قريبٍ من مدخل بيتنا القديم، عند شجرة السدرة العتيقة. إذا وجدتِ هذا الحجر، فاعلمي أن الطريق إلى القلادة قد فُتح لكِ."

لم تستطع ليلى تمالك نفسها. هبت واقفة، وشعرت بأنها على وشك اكتشاف سرٍّ عظيم. شجرة السدرة العتيقة... حجراً منقوشاً بنجمة. هذا هو الدليل الذي بحثت عنه!

تذكرت ليلى أن جدتها، الحاجة فاطمة، كانت دائماً ما تتحدث عن شجرة السدرة العتيقة التي كانت أمام منزلهم القديم، قبل أن يتم هدمه وتتحول المنطقة إلى بناءٍ جديد. كانت تقول إن الشجرة كانت شاهداً على أحلامهم وطموحاتهم.

"هذا مدهش!" همست ليلى لنفسها. "يوسف سيحب هذا!" في تلك اللحظة، رنّ هاتفها. كانت رسالة نصية من يوسف: "مساء الخير يا ليلى. أرجو أن يكون بحثكِ قد أسفر عن شيء. متحمسٌ لسماع المستجدات."

ابتسمت ليلى، وشعرت بأن هذه الرسالة جاءت في وقتها تماماً. "مساء النور يا يوسف. لديّ أخبارٌ رائعة. أعتقد أنني وجدتُ دليلاً هاماً. أرجو أن نلتقي غداً صباحاً." ردت ليلى.

أغلقت ليلى هاتفها، وبدأت ترتب الأوراق التي وجدتها. كانت مذكرات زينب، ورسالة جدتها، وبعض الصور القديمة التي تظهر عائلتها في أبهى صورها. نظرت إلى إحدى الصور، صورة لامرأةٍ جميلةٍ ذات عينين عميقتين، ترتدي قلادةً تشبه الوصف. كانت بلا شك هي زينب.

كانت زينب، جدة جدتها، قد تركت لها ميراثاً لا يُقدر بثمن، ميراثٌ ليس من المال، بل من التاريخ والقصص. لقد فتحت لها الطريق، ودلتها على وجهتها.

في تلك الليلة، لم تنم ليلى كثيراً. كانت أحلامها مليئة بالهلال والنجمتين، وبشجرة السدرة العتيقة. شعرت بأنها على وشك الغوص في بحرٍ من الماضي، بحرٍ قد يكشف لها عن هويتها الحقيقية، وعن أسرارٍ ظلت مدفونةً لسنواتٍ طويلة. وبينما كانت تستسلم للنوم، تيقنت أن هذا البحث لم يعد مجرد بحثٍ عن قلادة، بل عن جزءٍ مفقودٍ من روحها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%