الحب الحلال
رياح الشك تهب على قلعة اليقين
بقلم مريم الحسن
وصل أحمد إلى منزل العم سعيد، وكان يرتدي ثياباً تعكس أناقته المعهودة، لكن عينيه حملتا قلقاً لم تعهده ليلى فيه إلا في الأوقات العصيبة. شعر أحمد فور دخوله بأن شيئاً ليس على ما يرام، فالصمت الذي خيّم على المكان كان ثقيلاً، لا يكسره إلا همسات الكلام المتفرقة.
عانق العم سعيد بحرارة، ثم التفت إلى ليلى. احتضنها برفق، وشعر ببعض التوتر ينساب من جسدها. "ما بكِ يا حبيبتي؟ أرى في عينيكِ شيئاً يقلقني."
ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة، وقالت: "لا شيء يا أحمد. مجرد بعض الأفكار التي تدور في رأسي."
نظر إليها أحمد بعمق، كان يعرفها جيداً، ويعرف متى تخفي شيئاً. "لستِ الوحيدة التي تشعر بالقلق، يا ليلى. العم سعيد اتصل بي، وقال إن هناك أمراً مهماً علينا التحدث فيه."
تبادل أحمد والعم سعيد نظرات ذات مغزى. جلس الجميع في غرفة المعيشة، حيث كانت الشمس تلقي خيوطها الذهبية على السجاد الفاخر. بدأ العم سعيد بالحديث، بصوته الرصين الذي اعتاد أحمد أن يطمئن إليه.
"يا بني، الموضوع الذي نود مناقشته معك يتعلق بأمر قديم، أمر لم تكن ليلى تعلم بكل تفاصيله، وقد عادت هذه التفاصيل لتطفو على السطح."
رفع أحمد حاجبه باستغراب، ونظر إلى ليلى التي كانت تبدو شاحبة. "ما الأمر يا عمي؟ هل حدث شيء؟"
"لقد زار ليلى شاب يدعى جود، وهو شخص تثق به ليلى." قال العم سعيد، ثم تابع: "وقد حمل إليها خبراً مفاجئاً. خبر عن زواج سابق لليلى. زواج لم يكن كاملاً، ولم تكن ليلى مدركة لجميع تبعاته."
كان الخبر بمثابة صدمة لأحمد. شعر بالبرودة تسري في عروقه. كيف يمكن أن يكون لليلى زواج سابق لم تعرفه؟ وكيف لم تخبره هي؟
"زواج سابق؟" كرر أحمد بصوت خفيض، لم يستطع إخفاء دهشته. "هل هذا صحيح يا ليلى؟"
نظرت ليلى إلى أحمد، وعيناها تعبران عن مزيج من الأسف والقلق. "نعم يا أحمد. الأمر صحيح. هو زواج تم قبل معرفتي بك، ولكن... لم يكن زواجاً بالمعنى الكامل. كانت صفقة، كما اعتقدت. وللأسف، الشخص الذي تزوجته، فارس، اعتقد الجميع أنه مات. ولكنه الآن، بحسب ما قاله جود، قد عاد."
كان أحمد يحاول استيعاب الكلمات. فارس. زواج. عودة. كل كلمة كانت تطرح ألف سؤال في ذهنه. "كيف؟ كيف يمكن أن يكون قد عاد؟ وهل هذا العقد ما زال له أي أثر؟"
"هذا ما لا نعرفه بالضبط." قال العم سعيد. "جود لم يذكر تفاصيل كثيرة، ولكنه أشار إلى أن فارس عاد ببنية... لم تكن واضحة تماماً، ولكنها تبدو خطيرة. يبدو أنه يريد شيئاً، وربما يكون الأمر متعلقاً بالشركة، أو بشيء آخر. والأهم، أن هذا العقد، حتى لو لم يكتمل، قد يكون له تأثير."
شعر أحمد بغضب خفي يشتعل في صدره. غضب على الموقف، وعلى هذا الشخص الذي ظهر فجأة ليحاول تعكير صفو حياته. لكنه حاول أن يسيطر على نفسه، وأدرك أن الغضب لن يفيد.
"ولماذا لم تخبريني بذلك من قبل يا ليلى؟" سأل أحمد، وكانت نبرة صوته تحمل ألماً خفيفاً.
"لم أكن أعلم يا أحمد. لم يخطر ببالي أبداً أن الأمر قد يعود ليظهر بهذا الشكل. عندما علمت، كنت في حالة صدمة، ولم أعرف كيف أبدأ الحديث. كنت أخشى أن تظن سوءاً." قالت ليلى، والدموع تتجمع في عينيها.
"لم أفكر في سوء يا ليلى. ولكنني شعرت ببعض... الخيبة. أن هناك جزءاً من ماضيكِ لم تشاركيني إياه." قال أحمد، وقد اعتلت وجهه علامات الحيرة. "ولكنني الآن، وبعد أن علمت، عليّ أن أفهم. ماذا تريد ليلى؟ وماذا يريد هذا الرجل؟"
"جود قال إن فارس لم يكن مجرد رجل أعمال عادي. قال إن لديه نوايا سيئة، وأنه ربما يكون قد أعد خطة." تابع العم سعيد. "وقال إن عودة فارس ليست صدفة، وأنها تحمل وراءها أمراً مدبراً."
"مدبراً؟" تكرر أحمد، وعيناه تركزان على ليلى. "ما الذي يمكن أن يريده منا؟"
"أعتقد أن الأمر يتعلق بالشركة، أو ربما بالمال. أبي حاول مساعدتهم في وقت من الأوقات، وربما يكون هناك شيء يتعلق بتلك الشراكة." قالت ليلى، وعقلها يحاول الربط بين الخيوط المتناثرة. "ولكن جود قال إن الأمر أعمق من ذلك. وكأن فارس كان لديه ضغينة شخصية."
"ضغينة؟" تساءل أحمد. "ضد من؟ ضدكِ؟ ضد أبيكِ؟"
"لا أعرف. ولكن جود قال إن فارس لم يمت، وأنه يعود بعد كل هذه السنوات ليأخذ ما يعتقد أنه له. ولم يذكر شيئاً محدداً، ولكنه ترك لدي شعوراً بأن الأمر ليس بسيطاً."
جلس أحمد للحظة، يجمع أفكاره. كان الأمر برمته يبدو كقصة خيالية، ولكن تعابير وجه ليلى والعم سعيد كانت تؤكد حقيقته. "إذاً، خلاصة القول: هناك رجل اعتقدنا أنه مات، ولكنه حي، ولديه زواج سابق من ليلى، وربما لديه نوايا سيئة تجاهنا. وأننا يجب أن نكون مستعدين لأي شيء."
"هذا هو الوضع الحالي يا بني." قال العم سعيد. "وعلينا أن نتحرك بحذر. أولاً، يجب أن نتأكد من مصدر معلومات جود. هل لديه وثائق؟ هل يمكن أن نتواصل مع جود مرة أخرى؟"
"سأحاول التواصل معه." قال أحمد. "ولكن حتى ذلك الحين، لا يمكننا أن نجلس مكتوفي الأيدي. يجب أن نكون على أهبة الاستعداد."
"الأهم الآن هو أن نكون متحابين ومتكاتفين." قال العم سعيد، ناظراً إلى أحمد وليلى. "هذا النوع من الأزمات يمكن أن يقوي الروابط، إذا تعاملنا معه بالصدق والحكمة."
شعرت ليلى ببعض الراحة بكلمات العم سعيد. صحيح أن الخبر كان مفزعاً، ولكن وجود أحمد بجانبها، واحتضانه لها، كان يمنحها القوة. ولكن رياح الشك كانت قد بدأت تهب على قلعة اليقين التي بنوها معاً، وكانت تبدو قادرة على زعزعة أسسها.