الفصل 4 / 25

الحب الحلال

خيوط الماضي المتشابكة

بقلم مريم الحسن

في قاعةٍ واسعةٍ مليئةٍ بالأرفف العالية التي تحتضن بين طياتها أسرار التاريخ، كان يوسف وليلى يعملان جنباً إلى جنب. رائحة الورق القديم والكتب المجلدة تعبق بالمكان، ممزوجةً بضوءٍ خافتٍ ينبعث من المصابيح المعلقة. كانت دار الوثائق والمخطوطات المصرية أشبه بملاذٍ سريٍ، حيث يلتقي الباحثون بعوالمٍ منسية.

كان يوسف، بخبرته الواسعة، يتنقل بين الخرائط القديمة، يبحث عن موقع منزل عائلة زينب. كانت ليلى تجلس بجانبه، تتابع بعينيها الفضول، وتساعده في البحث عن أي تفاصيل قد تفيد.

"هذه الخريطة، تبدو أنها من أواخر القرن التاسع عشر،" قال يوسف، وهو يفرد خريطةً كبيرةً على طاولةٍ خشبيةٍ ضخمة. "لاحظي، هنا حي الروضة، وهذه هي الشوارع الأصلية قبل التغييرات الكبيرة." كانت الخريطة مرسومةً بخطٍ يدويٍ دقيق، ومليئةً بالعلامات التي تدل على المباني والشوارع. كان يوسف يشير إلى منطقةٍ معينة، مقارناً إياها بالمكان الذي زاراه بالأمس.

"الموقع الذي وجدنا فيه الحجر، يتطابق مع هذه الزاوية هنا،" قال يوسف، وهو يضع علامةً بقلمٍ رصاص. "ولكن، هذا المكان يبدو أنه كان يتوسط حديقةً واسعةً، ولم يكن مجرد منزلٍ عادي." "حديقة؟" تساءلت ليلى. "مذكرات زينب لم تذكر شيئاً عن حديقةٍ كبيرة. بل وصفت المنزل." "ربما كانت الحديقة جزءاً من ملكيةٍ أكبر، أو أن زينب لم ترَ أهميةً في ذكر تفاصيلها." أجاب يوسف. "لكن الواضح هنا، أن هناك بناءً مميزاً كان موجوداً في هذه المنطقة. وانظري، بجوار موقع الحديقة، هناك رسمٌ صغيرٌ يمثل بئراً."

ارتعش قلب ليلى. "البئر! هذا يؤكد كل شيء!" "ولكن أين القلادة؟" سأل يوسف. "لقد وجدنا الحجر، وعرفنا الموقع التقريبي، ولكن لا دليل ماديّاً على وجود القلادة." بدأت ليلى تشعر بالإحباط. لقد قطعت شوطاً طويلاً، ولكن النهاية بدت بعيدة المنال.

"ربما ضاعت القلادة مع مرور الزمن؟" قالت ليلى بصوتٍ خافت. "لا أظن ذلك." قال يوسف بهدوء. "زينب لم تكن مجرد امرأةٍ تخاف على مقتنياتها. كانت ذكيةً وحذرةً. لو أرادت أن تخبئها، لخبأتها بطريقةٍ لا يستطيع أحدٌ العثور عليها بسهولة." "ولكن كيف؟" "أنا أفكر بشيءٍ آخر." قال يوسف، وهو يعود إلى قراءة مذكرات زينب. "لقد ذكرتِ أن القلادة تحمل سراً عائلياً. هذا يعني أنها قد تكون مرتبطةً بمعلوماتٍ أخرى، ربما وثائق، أو رموزٍ أخرى. هل تتذكرين أي شيءٍ آخر قالته جدتكِ عن هذا السر؟"

تنهدت ليلى. "جدتي كانت تقول دائماً إن القلادة لها علاقةٌ بـ 'أمانة الأجداد'. وأنها يجب أن تبقى في أيدي صالحة. ولكن تفاصيل هذا الأمانة كانت غامضة." "أمانة الأجداد..." ردد يوسف. "هل يمكن أن تكون هذه الأمانة شيئاً مادياً؟ شيئاً له قيمةٌ كبيرة؟" "ربما. لم تكن عائلتنا ثريةً جداً، ولكننا كنا دائماً نحتفظ ببعض المقتنيات التي لها قيمةٌ معنوية." قالت ليلى.

وبينما كانا يفكران، انتبه يوسف إلى رسمٍ صغيرٍ آخر على الخريطة، بجانب البئر. كان يمثل شكلاً غريباً، أشبه بغرفةٍ صغيرةٍ أو مخزنٍ. "ما هذا؟" سأل يوسف. "لا أعرف. لم أره في الخرائط الأخرى." أجابت ليلى.

عاد يوسف إلى قراءة مذكرات زينب، يبحث عن أي إشارةٍ لهذا المكان. "وجدتها!" قال يوسف فجأة، وعيناه تبرق. "في صفحةٍ أخرى، زينب تكتب: 'لقد وضعتُ الأمانة في مكانٍ سريٍّ، عند البئر، في مكانٍ لا يمكن للعين أن تدركه بسهولة، ولكنه قريبٌ من الحجر الذي يحمل النجمة. إنه مخزنٌ صغيرٌ، لا يراه إلا من يعرف مكانه.'"

"مخزنٌ صغيرٌ!" تكرر ليلى. "ولكن أين هذا المخزن؟" "الخريطة تبين أنه كان بالقرب من البئر، ولكنه قد يكون مختفياً تحت الأرض، أو مبنياً بشكلٍ لا يجعله ظاهراً." قال يوسف.

عاد يوسف إلى مذكرات زينب، يبحث عن أي تفاصيل إضافية. كانت زينب قد وصفته بأنه "المكان الذي يتسلل إليه ضوء الشمس عند الظهيرة في فصل الصيف، ولكنه يبقى بارداً في الشتاء."

"ضياء الشمس عند الظهيرة... والبرودة في الشتاء..." فكر يوسف بصوتٍ عالٍ. "هذا يوحي بمكانٍ مغلقٍ، ربما غير مكشوفٍ للشمس مباشرةً، ولكنه يحتفظ بالحرارة أو البرودة." "هل يمكن أن يكون مدفوناً؟" سألت ليلى. "من المحتمل. ولكنه غالباً ما كان يُبنى بطريقةٍ تحميه من عوامل الطبيعة. ربما يكون مبنياً بالحجارة، ومدفوناً بطريقةٍ ذكية." قال يوسف.

شعر يوسف بأن خيط الحقيقة بدأ يتضح. كانت القلادة ليست مجرد حليّ، بل ربما كانت مفتاحاً، أو دليلاً على مخزنٍ يحتوي على "أمانة الأجداد". "علينا أن نعود إلى الموقع." قال يوسف. "علينا أن نبحث عن أي أثرٍ لهذا المخزن."

بعد ساعاتٍ قليلة، كان يوسف وليلى يقفان مرةً أخرى في نفس البقعة من الأرض بالقرب من الأهرامات. كان الجو قد بدأ يبرد مع غروب الشمس. بدأ يوسف في فحص الأرض بعنايةٍ فائقة، مستخدماً بعض الأدوات البسيطة التي أحضرها معه.

"إذا كان المخزن موجوداً، فغالباً ما كان مدفوناً بعمقٍ ليس بالكبير، حتى تتمكن زينب من الوصول إليه." قال يوسف. "ولعل هناك علاماتٍ خفيةٍ تدل على مدخله." بدأ يوسف يحفر في بضع أماكن، بناءً على ما استنتجه من الخريطة ومن وصف زينب. كانت ليلى تشاركه العمل، وقد أزالت عنها بعضاً من إرهاق البحث.

"يا يوسف، انظر إلى هذا!" قالت ليلى فجأة، وهي تشير إلى قطعةٍ من الحجر، كانت تختلف عن الحجارة المحيطة بها. كانت قطعةً مستطيلةً، تحمل نقشاً دقيقاً، ولكن النقش لم يكن واضحاً تماماً. "هذا قد يكون مدخلاً!" قال يوسف بحماس. "ولكنه مغطى بالتراب."

بدآ في حفر المنطقة المحيطة بالقطعة الحجرية. بعد فترةٍ من العمل، بدأت تظهر معالم بناءٍ حجريٍ. كانت هناك جدرانٌ قديمةٌ، تشكل حجرةً صغيرةً، مدفونةً تحت الأرض.

"لقد وجدناها!" هتفت ليلى بسعادة. "المخزن السري!" فتح يوسف وإلى جانبه ليلى، باب المخزن الحجري. كان المكان صغيراً، مظلماً، تفوح منه رائحة التراب والرطوبة. في وسط المخزن، كان هناك صندوقٌ خشبيٌ صغيرٌ، يبدو أقدم من بقية الأثاث.

"هذا هو!" قال يوسف، وهو يشير إلى الصندوق. "هذه هي أمانة الأجداد." بدأت ليلى تشعر بأن قلبها يخفق بسرعةٍ جنونية. هل ستجد القلادة هنا؟ أم شيئاً آخر؟ فتحت ليلى الصندوق بحذر. لم تجد القلادة. بدلاً من

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%