الفصل 6 / 25

الحب الحلال

ضَبابُ الرغبةِ العابرة

بقلم مريم الحسن

تغلغلَ ضوءُ الصباحِ الباهتُ منْ بينِ ستائرِ الغرفةِ، يرسمُ خطوطاً فضيةً على وجهِ يوسفَ النائمِ. لمْ يكنْ نومهُ عميقاً، بلْ كانَ مضطرباً، مشوباً بأحلامٍ متقطعةٍ، تتداخلُ فيها صورُ عبيرَ بنقائها، وصورُ ندى بجرأتها، وصوتُ والدتِهِ بحكمتها. استيقظَ وهوَ يشعرُ بثقلٍ يكبِّلُ روحهُ، كأنَّهُ يحملُ حملاً أثقلَ منْ قدرتهِ على التحملِ.

في صباحِ ذلكَ اليومِ، قررَ أنْ يتجنبَ الحديثَ معَ والدتِهِ عنْ موضوعِ الزواجِ. ذهبَ إلى عملِهِ في المكتبةِ، حيثُ الهدوءُ هوَ المسيطرُ، وحيثُ رائحةُ الورقِ القديمِ تطغى على أيِّ رائحةٍ أخرى. كانَ يجدُ في الكتبِ ملاذاً، وهروباً منْ صراعاتِهِ الداخليةِ. بدأَ بترتيبِ قسمِ الأدبِ العربيِّ، وتلمسَ أغلفةَ الكتبِ، وكأنَّهُ يبحثُ عنْ إجاباتٍ بينَ السطورِ.

لكنَّ أفكارَهُ لمْ تكنْ تتوقفُ عنِ الدورانِ حولَ ندى. كانتْ مكالماتُهما قليلةً، لكنَّ تأثيرَها كانَ عميقاً. لمْ تكنْ ندى تعرفُ شيئاً عنْ صراعهِ. كانتْ تتحدثُ إليهِ بعفويةٍ، وكأنَّها لا ترى في علاقتهِما إلا صداقةً بريئةً، أو ربما شيئاً أكثرَ قليلاً، لكنهُ لمْ يكنْ يجرؤْ على تأكيدِ ذلكَ.

"هلْ تذكرُ لقاءنا في مقهى الأندلسِ؟" سألتْهُ ندى في إحدى مكالماتِهما. "كيفَ أنسى؟" أجابَ يوسفُ، وصوتُهُ كانَ يحملُ نبرةً شعرَ بنفسهِ بأنها كانتْ صادقةً. "كنتُ أشعرُ بالمللِ الشديدِ، وكأنَّ العالمَ يدورُ ببطءٍ شديدٍ. أنتَ جئتَ كفراشةٍ تضيءُ لي الظلامَ." ضحكَ يوسفُ، لكنَّ ضحكتَهُ لمْ تكنْ خاليةً منْ القلقِ. "فراشةٌ؟ هلْ أنا كذلك؟" "نعم، فراشةٌ تحملُ أجنحةً تحملُ قصصاً لمْ تُروَ بعدُ. ألا تعتقدُ أنَّ لدينا الكثيرَ لنكتشفهُ معاً؟"

كانَ هذا السؤالُ يمثلُ القشةَ التي قصمتْ ظهرَ بعيرِ يوسفَ. شعرَ بأنَّ ندى تدفعهُ نحو المجهولِ، نحو منطقةٍ كانَ يعرفُ أنها ستكونُ عاقبتها وخيمةً. لمْ تكنْ ندى تعرفُ شيئاً عنْ عائلتهِ، عنْ مجتمعهِ، عنْ مفهومِهِ للحبِّ والحلالِ. كانتْ تتحدثُ بلغةٍ مختلفةٍ، لغةٍ تتجاوزُ الحدودَ والأعرافَ.

في إحدى الأمسياتِ، وبعدَ مكالمةٍ طويلةٍ معَ ندى، قررَ يوسفُ أنْ يتجهَ إلى منزلِ عبيرَ. كانَ يحتاجُ إلى رؤيتها، إلى استعادةِ الشعورِ بالأمانِ والسكينةِ الذي كانتْ تمنحُهُ إياه. ذهبَ يحملُ معه هديةً بسيطةً، علبةَ حلوياتٍ فاخرةٍ، اختارها بعنايةٍ.

استقبلتهُ عبيرُ بابتسامةٍ دافئةٍ، وأضاءَ وجهُها حينَ رأتْ هديتَهُ. "يا يوسف، ما هذا؟ لمْ تكنْ بحاجةٍ لإحضارِ شيءٍ." "لمْ أستطعْ مقاومةَ رغبتي في رؤيتكِ." أجابَ يوسفُ، وقدْ شعرَ بارتياحٍ ملحوظٍ. جلسا في الصالةِ، يحتسيانِ الشايَ، ويتبادلانِ الأحاديثَ. تحدثا عنْ يومِهما، عنْ أحلامِهما، وعنْ خططِهما المستقبليةِ. كانتْ عبيرُ تتحدثُ عنْ رغبتها في إنشاءِ دارٍ لرعايةِ الأيتامِ، وعنْ شغفِها بالعملِ التطوعيِّ. كانَ حديثُها نقيّاً، يعكسُ قلباً صافياً، ورغبةً صادقةً في فعلِ الخيرِ.

"ما رأيكَ يا يوسف؟ هلْ تعتقدُ أنَّ هذا حلمٌ بعيدُ المنالِ؟" سألتْ عبيرُ، وهيَ تنظرُ إليهِ بعينينِ لامعتينِ. نظرَ إليها يوسفُ، وشعرَ ببعضٍ منَ الخجلِ. "لا، ليسَ بعيدَ المنالِ أبداً. أنتِ تملكينَ العزيمةَ والإصرارَ، وأنا متأكدٌ أنَّكِ ستنجحينَ." "أتمنى ذلكَ. وأتمنى أنْ تكونَ أنتَ بجانبي في كلِّ خطوةٍ." قالتْ عبيرُ، ونبرةُ صوتِها كانتْ تحملُ وعداً، ووعداً بالاشتراكِ في رحلةِ الحياةِ.

شعرَ يوسفُ بأنَّ دفءَ مشاعرِ عبيرَ يتسللُ إلى روحهِ، يخففُ منْ وطأةِ صراعاتِهِ. لكنَّ ظلالَ ندى لمْ تتلاشَ تماماً. في لحظةٍ صمتٍ، وبينما كانتْ عبيرُ تبتسمُ لهُ، راودتهُ فكرةٌ غامضةٌ: ماذا لوْ كانتْ ندى هيَ حقاً الشرارةُ التي يحتاجها ليكتشفَ معنى الحياةِ؟ وماذا لوْ كانتْ عبيرُ مجردَ محطةٍ في طريقٍ أطولَ؟

"عبـيرَ، هلْ أنتِ سعيدةٌ؟" سألَ يوسفُ فجأةً، بسؤالٍ بدا غريباً حتى بالنسبةِ لهُ. نظرتْ إليهِ عبيرُ باستغرابٍ. "بالطبعِ يا يوسف. لماذا تسألُ؟" "فقطْ... أتساءلُ." أجابَ، وشعرَ وكأنَّهُ يقتلُ لحظةً جميلةً ببراءةٍ. "أنا سعيدةٌ بوجودكَ في حياتي، وسعيدةٌ بالأحلامِ التي نحلمُ بها معاً. أليسَ هذا كافياً؟" سألتْ، وعيناها تحملانِ براءةً وصدقاً.

تنهدَ يوسفُ. كانَ يعرفُ أنَّه يجرُّ عبيرَ إلى دوامةِ مشاعرِهِ المضطربةِ. كانَ يشعرُ بالذنبِ، وبضعفٍ أخلاقيٍّ. كانَ يعلمُ أنَّ ما يشعرُ بهِ تجاهَ ندى هوَ مجردُ إعجابٍ لحظيٍّ، ربما حبِّ إثارةٍ، لكنَّهُ كانَ خائفاً منْ أنْ يتحولَ هذا الإعجابُ إلى شيءٍ أكبرَ، شيءٍ قدْ يدمرُ كلَّ شيءٍ.

"نعم، بالطبعَ كافٍ." قالَ، محاولاً أنْ يستعيدَ هدوءَهُ. "بلْ أكثرَ منْ كافٍ." لكنَّهُ لمْ يكنْ يشعرُ بذلكَ. كانَ قلبهُ ينقسمُ، وعقلهُ يتصارعُ. كانَ يعرفُ أنَّهُ على وشكِ اتخاذِ قرارٍ مصيريٍّ، قرارٍ قدْ يحددُ مسارَ حياتهِ بأكملها. وكانَ الخوفُ منْ ارتكابِ خطأٍ فادحٍ، خطأٍ قدْ يندمُ عليهِ طوالَ عمرهِ، ينهشُ في روحهِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%