حب أبدي الجزء الثاني

وهج الشوق في ليلة مقمرة

بقلم سارة العمري

كانت السماء في تلك الليلة كاللؤلؤ المنثور، تتلألأ بآلاف النجوم وكأنها تغزل خيوطًا ذهبية فوق سواد الليل العميق. القمر، بدرًا مكتملًا، يسكب فضته على رمال الصحراء الصامتة، راسماً ظلالًا شبحية للأشجار العتيقة وأطلال القصر المهجور. في هذا المشهد الساحر، وسط هذه العزلة المهيبة، كانت "ليلى" تقف. وقفت عند حافة الطريق الترابي الذي يؤدي إلى قريتها الصغيرة، قلبها يخفق كطائر حبيس، وعيناها تترقب أملًا، أو ربما خوفًا.

كانت ترتدي عباءة سوداء واسعة، تغطي شعرها الداكن الذي تسرّب منه خصلتان متمردتان تلعبان مع نسمة الهواء الباردة. وجهها، الذي غالبًا ما كان يعلوه الهدوء والرزانة، بدا اليوم مشوبًا بالحيرة والترقب. كانت ترقب الأفق، حيث يتقاطع سواد الليل مع وميض ضوء بعيد. ذلك الوميض، الذي اعتادت أن يكون علامة وصول قافلة تجارية، أو عودة صياد متأخر، بدا اليوم مختلفًا. بدا وكأنه وعد، أو ربما نذير.

في يدها، كانت تضغط على مسبحة قديمة، خرزاتها السوداء تنزلق بين أصابعها المتشابكة. كل تسبيحة كانت تحمل معها دعاءً، ورجاءً، وسؤالًا يحاصر عقلها. هل كان سيأتي؟ هل سيكون لقاؤهما في هذه الليلة، حيث كل شيء يبدو وكأنه يحدث تحت عين السماء؟

تذكرت كلمات جدتها، العرافة التي كانت تُعرف بحكمتها وقدرتها على قراءة الأقدار. "حين يشتعل الشوق في عينيك، وتضيء الروح بذكرى غائبة، فاعلمي أن القدر قد نسج خيوطه، وأن اللقاء بات وشيكًا." كانت تلك الكلمات تدور في رأسها كصدى بعيد، تارة تبعث فيها الأمل، وتارة أخرى تثير في قلبها قلقًا دفينًا.

كانت "ليلى" فتاة قوية، عرفت معنى الصعاب منذ نعومة أظفارها. يتيمة الأبوين، ترعرعت في كنف جدتها في هذه القرية الهادئة التي بالكاد تتسع لخريطة العالم. تعلمت منها الصبر، والعزيمة، وقوة التحمل. لكن في الآونة الأخيرة، شعرت بأن قلبها لم يعد يتحمل الصبر وحدة. هناك شيء ما كان ينمو بداخلها، شعور غريب، متجذر في أعماق روحها، لا تستطيع تفسيره.

كانت القافلة قد تركت أثرًا في حياتها، لم يكن مجرد قافلة عادية. كان فيها رجل. رجلٌ رأته مرة واحدة، وبقيت صورته محفورة في ذاكرتها كوشم أبدي. كان ذلك قبل سنوات، حين زارت القرية قافلة كبيرة للتجارة. كان هو ضمن تلك القافلة، شابٌ غريب، ذو عينين سوداوين عميقتين كليل الصحراء، وابتسامة فيها دفء الشمس. تحدث معها بكلمات قليلة، كلمات رقيقة، ولكنها تركت في نفسها أثرًا لا يُمحى. لم تعرف اسمه حينها، ولم تعرف شيئًا عنه، سوى أنه كان متجهًا إلى المجهول، يحمل معه أحلامه وتجارته.

وبعد رحيله، بقيت "ليلى" تتذكر تلك اللحظات. بدأت تبحث عن تفاصيل تلك القافلة، عن ملامح الرجل الذي سرق بصرها وقلبها. كانت تلك هي بدايات وهج الشوق الذي تغلغل في أعماقها، فأصبح رفيق وحدتها، ولغز حياتها.

الضوء البعيد بدأ يقترب، يكبر تدريجيًا، يأخذ شكلًا أكثر وضوحًا. لم تعد مجرد نقطة ضوء، بل أصبحت أضواء متعددة، تتحرك، تقترب. بدأت أصوات بعيدة تصل إلى سمعها، أصوات خيول، وصهيل، وبعض الكلام المتداخل. إنها القافلة.

تسارعت أنفاسها. شعرت برجفة خفيفة تسري في جسدها. أمسكت بمسبحتها بقوة أكبر. هل هو بينهم؟ هل ستراه مرة أخرى؟

انعطف ركن بعيد، وظهرت القافلة بوضوح. خيولٌ أصيلة، وجِمالٌ ثقيلة، ورجالٌ يرتدون ملابس السفر. بدت القافلة ككائن أسطوري يخرج من بطن الظلام. بدأوا يتوقفون على بعد خطوات منها، يستعدون لإنزال أمتعتهم.

بدأت "ليلى" تتقدم ببطء، بخطوات مترددة. عيناها تبحثان بين الوجوه المتعبة. هناك وجهٌ يبدو مألوفًا، ولكنه بعيد، مخفي خلف غبار الطريق.

فجأة، استدار أحد الرجال، وكأنه شعر بوجودها. كانت المسافة لا تزال كبيرة، ولكن في ضوء القمر، بدت ملامحه واضحة. تلك العينان السوداوان، التي طالما بحثت عنهما، قد وجدتهما. ولتلك اللحظة، توقف الزمن.

شعر "أحمد" بتلك النظرة. نظرةٌ غريبة، ثابتة، تحمل شيئًا من الألفة، وشيئًا من الارتباك. استدار تلقائيًا، وفجأة، رأى فتاة تقف في الظلام، تحت ضوء القمر، وكأنها خرجت من حلم. لم يستطع تمييز ملامحها بوضوح في البداية، لكن شيئًا في وقفتها، في هالتها، أثار فضوله.

استمرت "ليلى" في الاقتراب، وقلبها يدق بعنف. كان يقف هناك، أمامها، أطول وأقوى مما كانت تتخيله، لكنه هو. نفس الرجل الذي لم تنساه.

عندما اقتربت بما يكفي، رفع "أحمد" رأسه، وحاول أن يرى وجهها بشكل أفضل. وفي تلك اللحظة، تسرب ضوء القمر إلى وجه "ليلى"، كاشفًا عن ملامحها الجميلة، وعينيها اللامعتين المليئتين بالشوق والدهشة.

اتسعت عينا "أحمد" قليلًا. لم يكن يتوقع ذلك. لم يكن يتوقع أن يلتقي بها مرة أخرى، بهذا الشكل، في هذا المكان. كانت هناك حيرة في عينيه، ممزوجة بشيء من الاستغراب.

"هل... هل أنتِ؟" سأل بصوت خافت، وكأنه لا يكاد يصدق ما يراه.

لم تستطع "ليلى" الإجابة. ابتسمت ابتسامة خجولة، ممزوجة بدموع تلألأت في عينيها. كان لقاؤهما قد بدأ، في ليلة مقمرة، في قلب الصحراء الصامتة، حاملاً معه بداية فصل جديد من قصة حب أبدي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%