حب أبدي الجزء الثاني
أسرار الماضي ومرايا الحاضر
بقلم سارة العمري
في جو الرياض الهادئ، ومع اقتراب موعد الزفاف، كانت الأمور تسير بخطوات ثابتة، ولكن خلف هذا الهدوء الظاهري، كانت هناك عواصف تتجمع. هند، التي كانت تحاول أن تمنح علاقتها بأحمد فرصة، كانت تجد نفسها في صراع دائم مع ذكريات يوسف. كان يوسف يمثل لها كل ما لم تجده في أحمد: الشغف، والجنون، والأحلام المشتركة التي لم تتحقق.
في أحد الأيام، وبينما كانت هند تتصفح ألبومات الصور القديمة مع والدتها، توقفت يدها عند صورة قديمة ليوسف. كان يوسف في الصورة يبتسم، وعيناه تشعان بالحب. انقبض قلب هند، وشعرت بأنها على وشك البكاء. "هذه صورة من؟" سألت والدتها، لاحظت اضطراب هند. "هذه... هذه صورة لصديق قديم." قالت هند بصوت مرتجف. "صديق قديم؟ لم أركِ تتحدثين عن أصدقاء رجال قبل أحمد." "لم يكن صديقاً عاديًا يا أمي. لقد... لقد أحببته." تسارعت نبضات قلب هند، وهي ترى علامات الدهشة على وجه والدتها. كانت هذه أول مرة تتحدث فيها عن حبها ليوسف. "أحببته؟ وما الذي حدث؟" "ظروف. وتقاليد. لم يكن لنا أن نكون معاً. كان علينا أن نفترق." "ولماذا لم تخبريني؟" سألت الأم بصوت فيه حزن. "كنت صغيرة. ولم أرد أن أسبب لكم القلق. وبعد ذلك، جاء أحمد، وبدأت الأمور تأخذ مجرى آخر." "وهل ما زلتِ تفكرين فيه؟" نظرت هند إلى والدتها، ورأت في عينيها الحب والتفهم. "أحياناً. ولكنني أحاول أن أنسى. أحمد رجل طيب، وأنا أحترمه." "الاحترام ليس حباً يا ابنتي. هل أنتِ مستعدة حقاً لهذه الزيجة؟" "أنا أحاول يا أمي. أحاول أن أجعله حباً." "إذا كان الأمر كذلك، فعليكِ أن تتجاوزي الماضي. الماضي لا يبني مستقبلًا. بل قد يدمر ما هو قائم." "أعلم."
في هذه الأثناء، كانت ليلى، شقيقة أحمد، تبحث عن أسباب ابتعادها عن العائلة. اكتشفت أن والدها كان يعاني من مرض نادر، وأن سفره المتكرر للعلاج كان سبباً في قلة تواصله معها. كانت تشعر بالذنب، وتحاول أن تصلح علاقتها به. في يوم من الأيام، ذهبت ليلى إلى مكتب والدها، ووجدته يتصفح صوراً قديمة لها. "أبي،" قالت ليلى بصوت هادئ. التفت والدها، ورأى ابنه ليلى. عيناه لمعتا، ولكن وجهه بقي جامداً. "ماذا تفعلين هنا؟" سأل. "أتيت لأراك. رأيتك تتصفح الصور." "كنت أتذكر أياماً مضت." "أنا آسفة يا أبي. آسفة لأنني ابتعدت." "لقد خيبتِ أملي يا ليلى." قال بصوت فيه حزن عميق. "لم أكن أتوقع منكِ أن تختاري هذا الطريق." "كنت أبحث عن ذاتي. أردت أن أثبت لوالديّ أنني قادرة على تحقيق أحلامي. لكنني أدركت أن سعادتي الحقيقية تكمن في القرب منكم." "الحياة ليست مجرد أحلام وأوهام. إنها مسؤولية." "أعلم الآن. وأريد أن أكون مسؤولة. أريد أن أعود إلى حضن العائلة. وأنا أتعلم. أتعلم الكثير من هند، خطيبة أحمد." "هند؟" "نعم. هي فتاة رائعة. فيها هدوء، ورزانة، وعمق. إنها تمثل كل ما تتمناه في زوجة لابنك." ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه الوالد. "إذاً، أحمد اختار جيداً." "بل اختار الأفضل. وهي سعيدة به."
في ذات الوقت، كانت هند تشعر بضيق شديد. لم تستطع أن تنظر في عيني أحمد دون أن ترى صورة يوسف. كان هذا الصراع الداخلي يؤثر على تصرفاتها. في أحد لقاءاتها بأحمد، كان يتحدث عن خططه المستقبلية، وعن رغبته في السفر إلى الخارج لإكمال دراسات عليا. "أرى مستقبلاً واسعاً لنا يا هند. نريد أن نبني عائلة قوية، وأن نعيش في بيت هادئ ومستقر." نظرت هند إلى أحمد، ورأت فيه كل ما يتمناه أي رجل لزوجته: الأمان، الاستقرار، الحب المبني على العقل. لكن قلبها كان لا يزال يصرخ بألم. "هل تعتقد أننا سنكون سعداء حقاً يا أحمد؟" سألت بصوت خافت. "لماذا لا نكون؟ لدينا كل المقومات. الاحترام، التفاهم، الرغبة في بناء حياة مشتركة." "ولكن... ماذا لو كانت هناك أشياء لا نعرفها عن بعضنا البعض؟" "هند، نحن في مرحلة التعارف. وهناك متسع للتعرف أكثر. لا تقلقي. سنكون بخير." "أتمنى ذلك."
في هذه الأثناء، كان يوسف، الذي اختفى من حياة هند لسنوات، يعيش حياة مختلفة. كان يعمل في مجال الإعلام، وكان قد تزوج، ولكنه كان يشعر بأن حياته تفتقر إلى شيء ما. في أحد الأيام، أثناء تصفحه لبعض الأخبار القديمة، رأى صورة لهند. كانت صورة من حفل خطوبتها. شعر بارتباك شديد. لم يكن يتوقع أن يراها مرة أخرى.
بدأ يوسف يبحث عن هند على وسائل التواصل الاجتماعي. وجد حسابها، ورأى صورها. كانت أجمل من أي وقت مضى. رأى صورها مع أحمد، ورأى سعادتهما الظاهرية. شعر بغصة في قلبه. لم يتوقع أن تكون خطوبتها بهذا القرب. "يجب أن أتواصل معها،" قال لنفسه. "يجب أن أعرف ما يحدث." وبدأ يوسف يرسل لها رسائل. رسائل بسيطة في البداية، يسألها عن أحوالها. لكن هند، التي كانت تحاول جاهدة أن تنسى الماضي، شعرت بالصدمة عندما رأت اسمه.
"من هذا؟" سألت نفسها. "كيف وجدني؟" "هذا يوسف." قالت لنفسها. "لا يجب أن أجيب." ولكن فضولها، وشوقها القديم، دفعها لفتح الرسائل. قرأت كلماته، ورأت في عينيها دمعة. "يوسف... هل أنت حقاً؟" "نعم يا هند. أنا. لقد تذكرتكِ." "كيف وجدتني؟" "البحث عنكِ لم يكن صعباً." "ولماذا تبحث عني الآن؟" "لأنني... لأنني لم أنساكِ."
في هذه اللحظة، شعرت هند بأنها في أزمة. هل يجب أن تخبر أحمد؟ أم أن تخفي الأمر؟ هل يجب أن تعود إلى الماضي؟ أم أن تتمسك بالحاضر؟ كانت تعلم أن أي خطأ في هذا الموقف قد يدمر حياتها، ويحطم قلوب الآخرين. كانت تشعر بأنها تتخبط في بحر من المشاعر المتضاربة.
====