حب أبدي الجزء الثاني

كشفُ المستورِ وقلبُ الموازين

بقلم سارة العمري

تسللتْ نسماتُ الفجرِ الباردةِ إلى غرفةِ ليلى، لكنها لم تُنعشْ روحها المُثقلة. كانتْ عيناها حمراوينِ منَ البكاءِ، وقلبها يخفقُ بخوفٍ وقلقٍ متزايدين. لقدْ قضتْ ليلتها وهيَ تُفكرُ في حديثها معَ والدتها، وفي حوارها المتوقعِ معَ والدها. لقدْ رفضتْ فكرةَ زواجها منَ المهندسِ أحمد، ولكنَّ هذهِ الفكرةَ بدتْ وكأنها تتحولُ إلى جبلٍ شامخٍ لا يمكنُ اقتلاعه.

في تلكَ الأثناء، كانَ يوسفُ قدْ اتخذَ قراره. لم يعدْ بإمكانهِ أنْ يقفَ مكتوفَ الأيدي. لقدْ علمَ بالحقيقةِ المرةِ منْ خلالِ أوراقِ والدِ ليلى، وأنَّ هذا الزواجَ ليسَ مجردَ اختيارٍ عائليٍّ، بلْ هوَ وعدٌ قطعَهُ والدُ ليلى على نفسهِ، وعدٌ أثقلَ كاهلَ ابنتهِ.

بعدَ تناولِ وجبةِ الفطورِ بصمتٍ مُطبقٍ، وبعدَ أنْ ودعَ الجميعَ بنظراتٍ مُتسارعة، انطلقَ يوسفُ نحو منزلِ ليلى. كانَ قلبهُ ينبضُ بعنفٍ، وكأنَّه يُعلنُ بدايةَ معركةٍ لم يكنْ يتوقعها. طرقَ البابَ، وبعدَ لحظاتٍ قصيرةٍ، فُتحَ لهُ. كانتْ ليلى واقفةً في المدخلِ، تبدو شاحبةً ومتعبةً.

"يوسف! ماذا تفعلُ هنا؟" قالتْ ليلى بصوتٍ مُتعجبٍ، حاولَتْ أنْ تُخفيَ فيهِ بعضَ الارتباك.

"يجبُ أنْ أتحدثَ معكِ يا ليلى، أمرٌ جللٌ." قالَ يوسفُ، وعيناهُ تخترقانِ عينيها كأنَّهما تبحثانِ عنْ إجابات.

دخلَ يوسفُ المنزلَ، ورأتْهُ والدةُ ليلى، فابتسمتْ ابتسامةً خفيفةً، ثمَّ انصرفتْ، مُدركةً أنَّ هناكَ حديثًا خاصًا بينَ ابنِ عمها وابنتها.

جلستْ ليلى ويوسفُ في إحدى الغرفِ الهادئة، كانَ الصمتُ يُخيمُ على المكانِ، ثمَّ كسرَهُ يوسفُ بصوتٍ هادئٍ ولكنهُ حاسم:

"ليلى، أعلمُ كلَّ شيء. أعلمُ عنْ ديونِ والدكِ، وعنْ وعدِهِ للمهندسِ أحمد."

تجمدتْ ليلى في مكانها، واتسعتْ عيناها بدهشةٍ ممزوجةٍ بالخوف. "كيفَ... كيفَ عرفتَ؟"

"لقدْ وجدتُ الأوراق. والدُكِ ائتمنَ صديقًا لهُ، وهذا الصديقُ ائتمنني. لقدْ أرادَ أنْ يُحافظَ على سرِّه، ولكنَّ الأسرارَ التي تتعلقُ بمستقبلِكِ لا يمكنُ أنْ تبقى دفينةً."

بدأتْ دموعُ ليلى تتساقطُ على خديها. "كنتُ أعرفُ أنَّ هناكَ شيئًا، ولكنني لم أتخيلْ أبدًا أنَّ الأمرَ بهذهِ الخطورة."

"وهلْ كنتِ تعلمينَ أنَّ المهندسَ أحمدَ كانَ يُقدمُ لوالدكِ المساعدةَ مقابلَ هذا الوعد؟" سألَ يوسفُ، يحاولُ أنْ يفهمَ مدى علمها.

"لا، لم أكنْ أعلمُ بهذا. كنتُ أظنُّ أنَّه يتفضلُ علينا دونَ مقابل. كنتُ أظنُّ أنَّه يُحبُّ أبي."

"الحبُّ يا ليلى... قدْ يتخذُ أشكالًا مختلفةً، وقدْ يكونُ أحيانًا ثمنُهُ باهظًا. والمهندسُ أحمدَ يبدو أنَّهُ يُريدُ استيفاءَ ثمنِ مساعداتهِ."

"ولكنَّ والديَّ مُصرانِ على هذا الزواج. أبي لا يرى إلَّا مصلحتنا، وأمي... أمي لا تريدُ أنْ تُخالفَ رأيَ أبي."

"وهذا هوَ الأمرُ الذي يجبُ أنْ نُغيّره، يا ليلى. لا يمكنُ أنْ يُبنى مستقبلُكِ على وعدٍ قدْ تُدفعُ ثمنُهُ حياتُكِ."

"ولكنْ كيفَ؟ كيفَ لنا أنْ نواجهَهم؟ أنا لا أملكُ القوةَ الكافيةَ لمواجهتِهم، خاصةً أبي."

"نحنُ سنواجهُهم معًا. لقدْ رأيتُ في عينيكِ شيئًا، شيئًا لم يكنْ مجردَ إعجابٍ أو احترام. لقدْ رأيتُ في عينيكِ ما يشبهُ ما أشعرُ بهِ أنا."

نظرتْ ليلى إلى يوسفَ، وكلماتُه اخترقتْ حاجزَ خوفها، وأشعلتْ شعلةً منَ الأملِ في قلبها. لم تكنْ تتجرأُ على الاعترافِ بمشاعرها، لكنَّ اعترافَ يوسفَ كانَ كالنورِ الذي يُبشرُ بانتهاءِ الظلام.

"يوسف..." قالتْ ليلى بصوتٍ مُرتعشٍ، "أنا... أنا لا أعرفُ ما أقول."

"لا تقولي شيئًا الآن، يا ليلى. فقطْ استمعي إليَّ. والدُكِ كانَ رجلًا طيبًا، ولكنَّهُ وقعَ في ورطة. والمهندسُ أحمدَ استغلَّ هذهِ الورطة. ولكنَّ هذا لا يعني أنَّنا يجبُ أنْ نُسلمَ أمرَنا. يجبُ أنْ نُقاتلَ من أجلِ سعادتنا، ومن أجلِ مستقبلِنا."

"ولكنْ كيفَ؟" كررتْ ليلى سؤالها، واليأسُ لا يزالُ يُلقي بظلالهِ عليها.

"سنُساعدُ العائلةَ. سأُساعدُ العائلةَ. سأُسددُ ديونَ والدِكِ، ولنْ يكونَ هناكَ أيُّ سببٍ لزواجِكِ منْ المهندسِ أحمد. سنُقدمُ لهمُ البديلَ، البديلَ الذي لا يُكلفُكِ سعادتكِ."

كانَ عرضُ يوسفَ كأنهُ معجزةٌ. كانَ مستعدًا لتحمُّلِ عبءِ هذهِ الديونِ، وفقطْ ليُنقذَ ليلى منْ هذا الزواجِ الذي لا تريده.

"ولكنْ... ولكنْ هذهِ الديونُ كبيرةٌ، يا يوسف. لا يمكنُكِ أنْ تتحمَّلَ كلَّ هذا بمفردك."

"لا تقلقي، يا ليلى. لديَّ مدخراتٌ، وسأبيعُ بعضَ الممتلكاتِ. الأهمُّ هوَ أنْ نُخرجَكِ منْ هذا المأزق. الأهمُّ هوَ أنْ نُثبتَ لوالديكِ أنَّ السعادةَ لا تُشترى بالأموالِ، وأنَّ الحبَّ هوَ الأساسُ."

"ولكنْ... ما موقفُكِ أنتِ؟ هلْ أنتَ مستعدةٌ لمواجهةِ والديَّ؟"

"إذا كنتِ أنتِ مستعدةً، فأنا مستعدٌ. إذا كنتِ ترغبينَ في أنْ نكونَ معًا، فسنُقاتلُ معًا. ولكنْ، علينا أنْ نكونَ صادقينَ تمامًا معَهم. يجبُ أنْ نعترفَ بمشاعرنا، وأنْ نُقدمَ لهمُ الحلَّ."

جلستْ ليلى صامتةً، وعيناها تتبعانِ وجهَ يوسفَ. لقدْ رأى فيهِ صدقًا، ورأى فيهِ شجاعةً، ورأى فيهِ حبًا يفوقُ كلَّ اعتبار. لأولِ مرةٍ منذُ فترةٍ طويلة، شعرتْ بالراحةِ، بالسكينة.

"يوسف،" قالتْ ليلى بصوتٍ هادئٍ، لكنهُ كانَ مليئًا بالعزم، "أنا مستعدةٌ. أنا مستعدةٌ لمواجهةِ كلِّ شيءٍ معك. أحبُّكُ يا يوسف."

كانتْ هذهِ الكلماتُ هيَ المفتاحَ الذي فتحَ بابَ الأملِ بينهما. نظرتْ عينا يوسفَ إلى عيني ليلى، ورأى فيهما وعدًا ببدايةٍ جديدة، ببدايةِ حياةٍ تُبنى على الصدقِ والحبِّ، وليسَ على الأسرارِ والديون.

"وأنا أحبُّكِ يا ليلى،" قالَ يوسفُ، وشعورٌ بالسعادةِ يغمرُ كيانه. "والآن، لنُخبرُهم بالحقيقة."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%