حب أبدي الجزء الثاني
المواجهةُ العائليةُ وصعوبةُ الاعتراف
بقلم سارة العمري
كانَ القرارُ قدْ اتُّخذ، والكلماتُ قدْ قيلت. اجتمعَ يوسفُ وليلى في منزلِ العائلةِ، وقلوبُهما تخفقُ بترقبٍ شديد. كانتْ والدةُ ليلى تُدركُ حجمَ المشكلةِ، وكانتْ تُحاولُ جاهدةً أنْ تُمهدَ الطريقَ لابنتها وزوجها، لكنَّها كانتْ تعلمُ أنَّ والدَ ليلى، برأيهِ المتجذرِ في التقاليدِ، لنْ يتقبلَ الأمرَ بسهولة.
دخلَ يوسفُ وليلى إلى غرفةِ الجلوسِ، حيثُ كانَ والدُ ليلى يجلسُ، يبدو في وقارٍ وهيبة، وتجلسُ والدةُ ليلى بجانبهِ، وعيناها تتنقلُ بينَ يوسفَ وليلى بتوتر.
"تفضلوا يا أبنائي، اجلسوا." قالَ والدُ ليلى بصوتٍ عميقٍ، ينمُّ عنْ هدوءٍ ظاهريٍّ يُخفي وراءهُ عاصفةً منَ المشاعر.
جلسَ يوسفُ بجانبِ ليلى، ومسكَ بيدها بخفة، وكأنَّه يُبثُّ فيها القوةَ والشجاعة. "عمي," بدأَ يوسفُ بصوتٍ قويٍّ وثابت، "لقدْ جئنا اليومَ لنتحدثَ معكَ في أمرٍ هامٍّ يخصُّ مستقبلَ ابنتكِ، ومستقبلي."
نظرَ والدُ ليلى إليهِ بجدية، وقالَ: "أنا أستمعُ."
"ليلى،" تابعَ يوسفُ، وهوَ ينظرُ إلى ليلى، "أنتِ تعلمينَ أنَّني أحببتُكِ دائمًا. لم يكنْ حبّي مجردَ حبٍّ بينَ أبناءِ العمّ، بلْ كانَ حبًّا أعمقَ، حبًّا يحملُ في طياته الرغبةَ في أنْ تكوني شريكةَ حياتي."
اتسعتْ عينا والدِ ليلى، ونظرَ إلى ابنتهِ بصدمةٍ واضحة. أما والدةُ ليلى، فقدْ خفضتْ رأسها، وكأنَّها تُحاولُ أنْ تتجنبَ النظرَ إليهما.
"وليلي،" واصلَ يوسفُ، وعيناهُ لا تفارقانِ وجهَ ليلى، "هلْ أنتِ مستعدةٌ لأنْ تُشاركي مشاعركِ؟"
أومأتْ ليلى برأسها، وأخذتْ نفسًا عميقًا. "أبي، أمي،" قالتْ بصوتٍ قويٍّ، رغمَ ارتعاشِ صوتها الداخلي، "لقدْ كانَ المهندسُ أحمدَ رجلاً صالحًا، ولكنَّ قلبي لم يرتضِ بهِ. وقلبي اختارَ... اختارَ يوسف."
تجمَّدَ والدُ ليلى في مكانه. لقدْ كانَ يتوقعُ أنْ تتحدثَ ليلى عنْ عدمِ رغبتها في الزواجِ منْ أحمد، ولكنهُ لم يتوقعْ أبدًا أنْ يصلَ الأمرُ إلى هذهِ الدرجة، وأنْ يكونَ يوسفُ هوَ الفائزَ بقلبِ ابنته.
"ماذا تقولينَ يا ليلى؟" قالَ والدُ ليلى بصوتٍ غاضبٍ، حاولَ أنْ يُسيطرَ عليه. "هلْ تتحدثينَ عنْ حبٍّ؟ هلْ نسيتِ واجباتِكِ تجاهَ العائلةِ؟"
"لا يا أبي، لم أنسَ شيئًا. ولكنَّ سعادتي... سعادتي لا يمكنُ أنْ تُبنى على ضغطٍ أو على وعدٍ قطعَهُ أبي في ظروفٍ صعبة. أنا أحبُّ يوسف، ويوسفُ يحبُّني، ونحنُ مستعدونَ لبناءِ مستقبلٍ معًا."
"وماذا عنْ وعدِ أبيكِ للمهندسِ أحمد؟" سألَ والدُ ليلى بسخريةٍ، وعيناهُ تُطلقانِ شررًا. "هلْ نسيتِ أنَّ والدَكِ قدْ وعدَ المهندسَ أحمدَ بزواجِكِ؟"
في هذهِ اللحظة، تقدمَ يوسفُ بخطوةٍ إلى الأمام. "عمي،" قالَ بصوتٍ هادئٍ ولكنْهُ كانَ يحملُ ثقلَ الحقائق، "أنا أعلمُ عنْ ديونِ المرحومِ والدِ ليلى. وأعلمُ أنَّ المهندسَ أحمدَ قدْ ساعدهُ في سدادِ جزءٍ منها، مقابلَ وعدٍ بزواجِ ليلى."
انكفأَ والدُ ليلى إلى الوراءِ، وبدتْ على وجههِ علاماتُ الذهولِ والصدمة. لقدْ كانَ يعتقدُ أنَّ هذا السرَّ لنْ ينكشفَ أبدًا.
"كيفَ... كيفَ عرفتَ هذا؟" سألَ والدُ ليلى بصوتٍ مُرتعشٍ.
"والدُكِ ائتمنَ صديقًا لهُ، وهذا الصديقُ ائتمنني. لقدْ أردتُ أنْ أُخبرَكم بهذا الأمرَ بنفسي، قبلَ أنْ تتحولَ الأمورُ إلى ما هوَ أسوأ."
"ولكنَّ المهندسَ أحمدَ... كانَ يُريدُ أنْ يُساعدَنا. كانَ يُريدُ أنْ يُنقذَنا منَ الديون."
"نعم، لقدْ ساعدَ، ولكنَّهُ لم يكنْ خيرًا تمامًا. لقدْ استغلَّ ظروفَ المرحومِ والدِكِ، ووضعَكما في موقفٍ لا تُحسدانِ عليه. ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ ليلى يجبُ أنْ تُضحيَ بسعادتها."
"وماذا تقترحُ أنتَ؟" سألَ والدُ ليلى، وقدْ بدأَ الهدوءُ يعودُ إلى نبرةِ صوته، وكأنَّهُ بدأَ يتقبلُ فكرةَ أنَّ الأمورَ ليستْ كما تبدو.
"أنا سأُسددُ ديونَ والدِ ليلى، عمي. سأُسددُ كلَّ ما عليهِ للمهندسِ أحمد، ولنْ يكونَ هناكَ أيُّ سببٍ يمنعُ زواجَ ليلى ويوسف. سأُساعدُ العائلةَ، ولكنْ على أساسٍ منَ الحبِّ والصدقِ، وليسَ على أساسِ الوعودِ المبنيةِ على الظروفِ الصعبة."
وقفَ والدُ ليلى، وسارَ نحو النافذةِ، ونظرَ إلى الحديقةِ الهادئة. كانتْ عيناهُ تحملانِ الكثيرَ منَ الأسى والحزنِ على الماضي، ولكنَّهُ كانَ يُدركُ أنَّ المستقبلَ لهُ قوانينُهُ الخاصة.
"يا يوسف،" قالَ والدُ ليلى بعدَ صمتٍ طويلٍ، "لقدْ كنتَ دائمًا ابنًا بارًّا. ولكنَّ هذا الأمرَ صعبٌ جدًا."
"أعلمُ يا عمي،