حب أبدي الجزء الثاني
خيوط الماضي المتشابكة
بقلم سارة العمري
لم يكن الصباح بالنسبة لنور مجرد بداية ليومٍ جديد، بل كان انبعاثًا لروحٍ جديدة، ولإصرارٍ لم تعهده في نفسها من قبل. بعد ليلٍ طويلٍ قضته في التأمل والقلق، وبعد أن استقرت في قلبها عزيمةٌ حديدية، كانت نور قد استيقظت قبل طلوع الشمس، لتجد نفسها قد اتخذت قراراتٍ مصيرية. كان أول هذه القرارات هو الاتصال بالمدعو أحمد، الرجل الذي وصفه والدها في رسالته بأنه المفتاح لفهم ما حدث.
ترددت نور للحظات وهي تنظر إلى الرقم الذي كتبته السيدة فاطمة في دفتر ملاحظات صغير. كان مجرد رقم، لكنه كان يحمل وراءه تاريخًا طويلًا من الظلم والضياع. أخذت نفسًا عميقًا، وأغلقت عينيها، متذكرةً كلمات والدها الأخيرة، متذكرةً الوجه الحزين الذي رأته في مرآة قلبها. ثم ضغطت على زر الاتصال.
صوتٌ رجوليٌ هادئٌ أجاب على الطرف الآخر: "تفضل؟"
"هل... هل تتحدث مع السيد أحمد؟" سألت نور، وصوتها يرتجف قليلاً.
"أنا هو، تفضلي."
"اسمي نور. نور آل الشيخ."
ساد صمتٌ طويلٌ على الطرف الآخر. كان صمتًا مشبعًا بالدهشة، وربما بالحذر. ثم قال أحمد بصوتٍ أكثر جدية: "آل الشيخ؟ أي آل الشيخ؟"
"عائلة الشيخ عبد الرحمن. والدي."
"أوه." كان هذا الـ "أوه" عميقًا، وكأنه ينبئ بعالمٍ كامل من المعاني. "لقد سمعت أنكِ... فقدتِ والدكِ. أقدم لكِ خالص التعازي."
"شكرًا لك. أنا... أنا أتصل بك بخصوص أمرٍ يتعلق بوالدي، وبخصوص عائلتكم."
"عائلتي؟" سأل أحمد، وبدا الارتباك واضحًا في صوته. "ما الذي تعرفينه عن عائلتي؟"
"لقد وجدت رسالةً من والدي، ومستنداتٌ أخرى. يبدو أن هناك... سوء تفاهم كبير، وحقٌ ضائع."
"سوء تفاهم؟ حق ضائع؟" تكرر أحمد الكلمات، بصوتٍ يعكس مزيجًا من الأمل والقلق. "منذ سنواتٍ طويلة، ونحن لم نسمع أي شيء. اعتقدنا أن كل شيء قد ضاع."
"لم يضيع كل شيء،" قالت نور، وبدأت تشعر بقوةٍ تتزايد بداخلها. "لقد ترك والدي لي أدلة، وأوصاني بإصلاح ما حدث."
"هذا... هذا كلامٌ عظيم، يا نور. أرجو أن تتحدثي بتفصيل. أين أنتِ الآن؟"
"في قصري. في قصر آل الشيخ."
"آه. حسنًا. هل يمكنني أن آتي لرؤيتكِ؟ الحديث عبر الهاتف ليس كافيًا لمثل هذه المسائل."
"بالتأكيد. متى يناسبك؟"
"سأكون لديكِ في أقرب وقت ممكن. لا تبعدي عن المكان، وسأرسل لكِ عنواني البريدي لنتواصل بشكلٍ رسمي إذا لزم الأمر. أرجو أن تحتفظي بكل ما وجدته."
"بالتأكيد."
انتهى الاتصال، تاركًا نور في حالةٍ من الترقب. كانت تعلم أن هذه هي الخطوة الأولى في طريقٍ قد يكون صعبًا، ولكنه طريقٌ شريف.
*
بعد ساعتين، وصل أحمد إلى قصر آل الشيخ. كان رجلًا في أواخر الأربعينيات، يبدو عليه الوقار والصدق. كانت عيناه تشعّان بذكاءٍ حاد، وحملت ملامحه أثرًا لبعض التعب، وكأن سنوات البحث عن الحقيقة قد أثقلت كاهله.
استقبلته نور في بهو القصر الفخم. كان البهو يشهد على ثروة آل الشيخ، لكن نور كانت ترى الآن ما وراء هذه الثروة، ما وراء كل بريقٍ وزخرفة.
"أهلًا بك يا سيد أحمد،" قالت نور، ويدها تمتد نحوه.
"أهلًا بكِ يا ابنة الشيخ عبد الرحمن. أشكركِ على حسن استقبالكِ."
"تفضل بالجلوس."
جلسا في إحدى الغرف الجانبية، حيث قدمت نور له القهوة والشاي. ثم بدأت في شرح كل شيء. عرضت عليه الرسالة، والمستندات. كان أحمد يقرأ بتركيزٍ شديد، وكل كلمة تقرأها نور كانت تعمّق نظراته، وتعكس شعورًا متزايدًا بالحسرة والدهشة.
"والدي... لم يكن يعلم بكل هذا،" قال أحمد بصوتٍ خفيض بعد أن انتهى من قراءة الرسالة. "لقد كان دائمًا يتحدث عن والده، وعن كيف أن السيد صالح قد أضاع كل شيء. لقد عاش حياته وهو يشعر بالمرارة، وكيف أن والده قد ضحّى بكل شيء لإنقاذه."
"هذه قصةٌ مختلفة تمامًا،" قالت نور. "والدي كتب في رسالته أن والده هو من استولى على أموال شقيقه، صالح. وأن عائلة صالح قد هاجرت، وظنوا أن صالح قد تبذّر أمواله."
"يا إلهي." بدا على أحمد الصدمة. "هذا يعني أن كل ما تعلمناه عن عائلتنا، كل القصص التي رويت لنا، كانت كذبًا. كذبًا كبيرًا."
"يبدو كذلك. والدي كان يعاني من هذا الأمر. لقد كتب أنه أراد تصحيح الأمر، ولكنه لم يجد السبيل. ولهذا ترك لي هذه المستندات، وأوصاني بإعادة الحق إلى أهله."
"نحن... نحن عائلة كبيرة. والدي، السيد سالم، كان الأخ الأصغر للسيد صالح. عندما هاجر السيد صالح، لم يذهب وحده. كان معه والدهما، ثم انتقلوا. ثم عاد والدي بمفرده، ليعيش هنا. لكنه لم يستطع إيجاد السيد صالح مرة أخرى. كانت الاتصالات قد انقطعت تمامًا."
"هل ما زال هناك أفراد من عائلة صالح على قيد الحياة؟" سألت نور.
"نعم، بالطبع. لقد كان للسيد صالح ابن، اسمه يوسف. لزوجته الأولى. توفي يوسف منذ سنوات، لكن لديه أبناء. أحفاد السيد صالح. أعيش معهم في نفس البلدة، ونحن على تواصل دائم. إنهم يعرفون القصة، لكن ليس كل التفاصيل. إنهم يعرفون أن هناك حقًا ضائعًا، لكنهم لا يعلمون أين وكيف."
"هذا رائع! إذًا، يمكننا أن نتواصل معهم. يمكننا أن نقدم لهم ما لديهم. هذا ما أراده والدي."
"ولكن... كيف ستشرحين هذا لعائلتكِ؟" سأل أحمد، وبدا القلق في عينيه. "إن كشف هذه الحقيقة قد يسبب مشاكل كبيرة. عائلة آل الشيخ معروفة بثروتها ونفوذها. إذا انكشف أن هذه الثروة مبنية على ظلم، فقد يؤثر ذلك على سمعتكم، وربما على سمعة الأجيال القادمة."
"أعلم،" قالت نور، وتنهدت. "لكن والدي كان يؤمن بالحق. وكان يريد إصلاح خطئه. أنا لن أتخلى عن ذلك. لن أسمح لوالدي أن يموت وهو يحمل هذا العبء. وسأفعل ما هو صحيح. ما هو حلال."
"أنا أقدر شجاعتكِ يا نور. أنا أقدر قراركِ. لقد أمضيت حياتي وأنا أحلم بيومٍ كهذا. يومٌ نعود فيه إلى الحق."
"وماذا عن عمي، السيد منصور؟ هل لديه علمٌ بأي شيء؟"
"السيد منصور؟" تردد أحمد. "والدكِ لم يذكر اسمه. لكنني أذكر أن السيد منصور كان قريبًا من والده. قد يكون لديه بعض المعلومات."
"سأحدثه. سأحاول أن أفهم. لكنني لن أسمح لأي شخصٍ بأن يمنعني من فعل الصواب."
*
في هذه الأثناء، كان السيد منصور يتلقى تقريرًا آخر. كان التقرير مشفرًا، ويحمل تفاصيل دقيقة عن لقاء نور مع أحمد. كان منصور جالسًا في مكتبه، يقرأ المعلومات بصمتٍ قاتم.
"إذًا، لقد حدث ما كنت أخشاه،" تمتم منصور لنفسه. "لقد عثرت على الرسالة. وتواصلت مع أحمد."
كان يعرف أحمد جيدًا. كان يعرف أنه رجلٌ نزيه، ولن يتنازل عن البحث عن الحقيقة. وكان يعرف أن نور، ابنة أخيه، تحمل قلبًا طيبًا، وإيمانًا قويًا بالعدل.
"يجب أن أتخلص من أحمد. يجب أن أخيف نور. يجب أن أحتفظ بالأسرار مدفونة."
نظر منصور إلى صورة والده، صورة الشيخ عبد الرحمن، الذي كان رجلًا صارمًا، لكنه كان يحمل أسرارًا ثقيلة. لقد كانت وصية والده واضحة: "احمِ اسم العائلة، بأي ثمن."
"بأي ثمن،" كرر منصور. "هذا ما سأفعله. سأحمي اسم العائلة. ولن أسمح لأحدٍ بأن يدمر ما بناه جدي."
كان يشعر بأن الوقت يداهمه. كان عليه أن يتحرك بسرعة. كان عليه أن يضع خطة محكمة. خطة تضمن بقاء الحقيقة سرًا، وتضمن بقاء نور في الظل.
*
عادت نور إلى غرفتها، قلبها مليئًا بمشاعر متضاربة. شعرت بالارتياح لأنها بدأت الخطوات الأولى نحو تصحيح خطأ تاريخي. لكنها شعرت أيضًا بالقلق من المستقبل، من رد فعل عائلتها، ومن المعارضة التي قد تواجهها.
نظرت إلى خاتم الخطبة الذي في إصبعها. خاتمٌ كان يمثل وعدًا بحياةٍ جديدة، بحبٍ حلال، ببناء أسرةٍ صالحة. لكنها الآن، كانت تشعر بأن هذه الحياة الجديدة يجب أن تبدأ بتطهير الماضي، بتصحيح أخطائه.
"فارس،" همست باسمه. "أتمنى لو كنت تعرف كل هذا. أتمنى لو كنت هنا لتساعدني. لكنني سأفعل هذا بنفسي. سأفعل ما هو صحيح."
كانت تعلم أن هذه المهمة لن تكون سهلة. كانت ستتطلب شجاعة، وقوة، وإيمانًا لا يتزعزع. لكنها كانت مستعدة. كانت مستعدة لخوض معركة الحق، معركة الأمانة، معركة الحب الحلال، التي تبدأ بتصحيح أخطاء الماضي. لقد نسجت خيوط الماضي المتشابكة، والآن، كان عليها أن تبدأ في فكها، خيطًا بخيط، حتى تصل إلى الحقيقة الكاملة.