حب أبدي الجزء الثاني
صدى الأيام وهمسات الأقدار
بقلم سارة العمري
استمرت "ليلى" في التحديق في "أحمد"، وقلبها لا يزال يخفق بشدة، لكن خوفها بدأ يفسح المجال لشعور غريب بالراحة. لقد جاء. لقد رأته. بعد كل تلك السنوات من الانتظار، ومن التساؤل، ومن نسج الخيال، كان يقف أمامها، حقيقيًا، وواقعيًا.
"أحمد"، نعم، هو "أحمد". تذكرت اسمه من أحد التجار الذين رافقوا القافلة في ذلك اليوم الذي رأته فيه لأول مرة. كان اسمه يتداوله الناس، يصفونه بالتاجر الصادق، الشاب الطموح، الذي بدأ من لا شيء ووصل إلى ما وصل إليه بجهده وعزيمته.
"نعم، أنا أحمد"، أجاب بصوت أعمق مما تخيلت، فيه بحةٌ تحمل عبق السفر والمغامرات. مد يده ببطء، مترددًا، وكأنه غير متأكد من رد فعلها. "ولكن... كيف عرفتِ اسمي؟"
كانت يده ممدودة، قوية، وعليها آثار العمل. لم تتردد "ليلى" في وضع يدها في يده. كانت لمسةٌ دافئة، تحمل حرارة الروح. شعرت بتلك الشرارة القديمة تعود لتشتعل في قلبها.
"تذكرتك"، قالت بصوت خافت، بالكاد يسمع. "تذكرتك منذ سنوات، حين مررت بقافلتك. قلت اسمك لأحد التجار".
نظر إليها "أحمد" بتمعن، محاولًا استعادة تلك اللحظة. كان يتذكر مرور القوافل، لكن وجه فتاة واحدة لم يكن عالقًا في ذاكرته. ربما كان ذلك بسبب صغر سنها آنذاك، أو لأنها لم تكن تبدو مميزة بشكل لافت. لكن الآن، في ضوء القمر، بدت "ليلى" وكأنها نجمة ساطعة في سماء الصحراء.
"هل... هل كنتِ في القرية حينها؟" سأل، عينيه لا تزالان تحملان سؤالًا لا ينتهي.
"نعم، أنا من هنا"، أجابت، مشيرة بيدها نحو الظلام حيث تكمن قريتها. "أعيش هنا مع جدتي".
ابتسم "أحمد" ابتسامة خفيفة، ابتسامة أعادت إلى ذهن "ليلى" دفء الشمس الذي رأته فيه سابقًا. "لقد مرت سنوات طويلة. لم أكن أتوقع أن ألتقي بكِ مرة أخرى".
"ولا أنا"، قالت "ليلى"، تشعر بأن الكلمات تخرج منها بسهولة الآن، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة طوال عمرها. "لكنني لم أنسك أبدًا".
كانت هناك لحظة صمت، صمتٌ عميق، لم تكسره سوى حفيف الرياح وزئير بعض الحشرات الليلية. صمتٌ محمّل بالذكريات، وبالأسئلة، وبالتساؤلات عن المستقبل.
"هل لي أن أسأل... ما الذي تفعلينه هنا وحدكِ في هذا الوقت المتأخر من الليل؟" سأل "أحمد"، ونبرة صوته تحمل قلقًا حقيقيًا.
"كنت أنتظر"، أجابت "ليلى" ببساطة. "كنت أنتظر وصول القافلة. كان لدي شعور... شعور بأنك ستكون بينهم".
نظر إليها "أحمد" بعينين تتزايد فيهما الحيرة. كان هذا غريبًا، غريبًا جدًا. كيف يمكن لفتاة أن تنتظر قافلة بأكملها، لرجل لم تقابله سوى مرة واحدة، وتكون متأكدة من وجوده؟
"ولماذا كنتِ تنتظرينني؟" سأل، محاولًا أن تكون كلماته رقيقة، دون أن تبدو فضولية بشكل مبالغ فيه.
شعرت "ليلى" بأن خدودها توردت. كانت تعرف أن إجابتها قد تبدو غريبة، بل وربما مستهجنة. لكنها لم تستطع الكذب.
"لأنني... لأنني كنت أؤمن بأن القدر يجمع بين الأرواح التي تشتاق لبعضها البعض"، قالت، وعيناها ثابتتان في عينيه.
لم يستطع "أحمد" سوى أن يحدق بها، مبهورًا. لم يلتقِ بفتاة تتحدث بهذه الكلمات، بهذه الصراحة، بهذه العفوية. كانت هناك براءة في حديثها، وقوة في إيمانها، جعلته يشعر بشيء لم يشعر به من قبل.
"أقدار... أرواح..." تمتم "أحمد"، وهو يهز رأسه ببطء. "كلمات جميلة، ولكنها غريبة على عالمي".
"ربما لم يأتِ وقتها بعد"، قالت "ليلى"، ابتسامة أمل خفيفة ترتسم على شفتيها.
أشار "أحمد" بيده نحو القافلة. "عليّ الآن أن أستقر مع رجالي. الطعام، والمأوى، والغد يحمل الكثير من العمل. ولكن... أود أن أتعرف عليكِ أكثر. هل تسمحين لي بزيارتكِ في وقت لاحق؟"
شعرت "ليلى" بأن قلبها قفز من مكانه. هذه دعوة. هذه بداية. "نعم"، أجابت فورًا، ثم أضافت بخجل، "أجدادي سيكونون سعداء جدًا بلقائك".
"جدتكِ؟" سأل "أحمد"، وقد بدأت تتضح له بعض الأمور. "هل هي العرافة الحكيمة التي يتحدث عنها الجميع؟"
"نعم"، ابتسمت "ليلى". "إنها جدتي، فاطمة".
"لقد سمعت عنها الكثير"، قال "أحمد"، وبدت على وجهه علامات الاحترام. "تُعرف بحكمتها وقدرتها على معرفة الأمور".
"إنها كذلك"، قالت "ليلى". "ربما تستطيع أن تفهم سبب انتظاري لك".
ابتسم "أحمد" مرة أخرى. "ربما. سأكون مسرورًا بلقائها. هل تسمحين لي أن آتي غدًا في وقت الظهيرة؟"
"بالتأكيد"، أجابت "ليلى". "سنكون بانتظارك".
ودع "أحمد" "ليلى" بنظرة تحمل وعدًا، ثم استدار ليقود رجاله إلى مكان استقرارهم. بينما كانت "ليلى" تقف مكانها، تراقبه وهو يبتعد، تشعر بأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. لقد تغير كل شيء في هذه الليلة. الأيام التي كانت تبدو مملة وروتينية، أصبحت فجأة مليئة بالترقب والآمال.
مشيت بخطوات سريعة نحو قريتها، قلبها يعج بالقصص التي تود أن ترويها لجدتها. قصص عن رجلٍ لم تنسه، وعن لقاءٍ أعاد إشعال شرارة في روحها. كانت تعلم أن جدتها، بفطنتها، ستدرك ما يحدث.
وفي داخلها، كانت تتساءل. هل كانت هذه مجرد صدفة؟ أم أن الأقدار قد بدأت بالفعل تلعب دورها؟ كانت تعلم أن "أحمد" رجلٌ بعيد، له عالمه الخاص، عالم التجارة والسفر. أما هي، فكانت فتاة القرية البسيطة، التي تعيش حياة هادئة. هل يمكن لحبٍ كهذا، بدأ بلمحةٍ خاطفة، أن ينمو ويترعرع بينهما؟
كانت السماء لا تزال مزدانة بالنجوم، والقمر لا يزال يسكب فضته. لكن بالنسبة لـ "ليلى"، بدت السماء أكثر سحرًا، والقمر أكثر إشراقًا. كان وهج الشوق الذي أشعلته ذكرى "أحمد"، قد تحول الآن إلى نور أمل، نورٍ يضيء دروب المستقبل.