حب أبدي الجزء الثاني
ظل الشك في الأروقة
بقلم سارة العمري
بعد لقائها بالسيد أحمد، شعرت نور بحملٍ ثقيلٍ يقع على كتفيها، ولكن حملًا مشوبًا بالأمل. لم تعد مجرد وريثة لثروة، بل أصبحت حاملةً لإرثٍ معقد، إرثٌ يقتضي منها مسؤوليةً أخلاقيةً لا يمكن تجاوزها. كانت تشعر بأن والدها، الذي لم تكن تفهمه تمامًا في حياته، قد ترك لها وصيةً أعمق من أي وصيةٍ أخرى. وصيةٌ تتجاوز الماديات، لتصل إلى أعمق معاني العدل والإصلاح.
حاولت نور أن ترتب أفكارها. كانت تعلم أن الخطوة التالية هي مواجهة عمها، السيد منصور. الرجل الذي بدا دائمًا هادئًا، لكنه كان يحمل في عينيه بريقًا من الغموض. هل كان على علمٍ بما فعل والده؟ هل كان جزءًا من مؤامرةٍ صامتة؟ كانت هذه الأسئلة تدور في رأسها كالنيران.
"لا يمكنني إخفاء هذا عنه،" قالت نور للسيدة فاطمة، التي كانت ترافقها في هذه الرحلة. "يجب أن أواجهه. يجب أن أعرف ما إذا كان لديه أي معلومات."
"كنت أتمنى لو لم تضطري لخوض هذه المعركة يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة بحزن. "لكنني أرى في عينيكِ القوة والإصرار. فليكن الله معكِ."
توجّهت نور نحو مكتب عمها، الذي كان يشغل جزءًا واسعًا من القصر. كان المكتب يعكس شخصيته، فهو مزيجٌ من الفخامة الكلاسيكية والتصميم الحديث، مليء بالكتب والمخطوطات، وبعض القطع الأثرية القيمة. عندما دخلت، وجدت السيد منصور جالسًا خلف مكتبه، يراجع بعض الأوراق.
"مساء الخير يا عمي،" قالت نور بصوتٍ هادئ.
رفع منصور رأسه، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ بالكاد تصل إلى عينيه. "مساء النور يا ابنتي. تفضلي بالجلوس."
جلست نور قبالته، وأخذت نفسًا عميقًا. "عمي، أردت أن أتحدث معك في أمرٍ مهم جدًا. يتعلق بوالدي، وبإرثنا."
"إرثنا؟" رفع منصور حاجبه، وبدا عليه بعض الفضول. "ماذا عن إرثنا؟"
"لقد وجدت بعض المستندات، ورسالةٌ من والدي. يظهر فيها أن هناك... ظلًا يلقي بظلاله على ثروة آل الشيخ. ثروةٌ لم تكن كلها ملكًا لنا."
تجمد منصور للحظة. كانت عيناه تتحركان بسرعة، وكأنه يحاول استيعاب ما تقوله نور، أو ربما يحاول تقييم مدى ما تعرفه. "ظلًا؟ ماذا تقصدين بـ 'ظلًا'؟"
"أقصد أن والدي اعترف في رسالته بأن والده، جدي، قد استولى على أموال شقيقه، السيد صالح. وأن عائلته قد عانت بسبب ذلك."
بدت ملامح منصور وقد تجمدت. لم تكن لديه أي رد فعلٍ فوري، سوى نظرةٍ حادةٍ اخترقت نور. "هذا... هذا مستحيل. والدي لم يكن ليقوم بمثل هذا الشيء. لقد كان رجلًا عادلًا."
"هذا ما كتبه والدي، يا عمي. هذه رسالته. لدي المستندات."
أشار منصور بيده، وكأنه يطلب منها رؤية الأوراق. بدأت نور في عرض الرسالة والمستندات. كان منصور يقرأ ببطء، وتتزايد علامات الدهشة والاستنكار على وجهه. لكن نور شعرت بأن هذا الاستنكار يبدو مصطنعًا بعض الشيء.
"هذه... هذه مستنداتٌ قديمة، يا نور. كيف يمكنكِ أن تتأكدي من صحتها؟ وكيف يمكنكِ أن تصدقي أن والدي، الذي كان يسعى دائمًا للخير، قد فعل ذلك؟"
"جدي لم يكن الرجل الذي تظن أنه كان، يا عمي. والدي لم يقل كل شيء، لكنه اعترف بجزءٍ من الحقيقة. وقد تحدثت مع رجلٍ من عائلة السيد صالح، اسمه أحمد. وهو يؤكد أن عائلتهم قد عانت الكثير."
"عائلة صالح؟" تكرر منصور الاسم، وبدا وكأن شيئًا ما قد اهتز بداخله. "هل تقابلتِ مع شخصٍ من عائلة صالح؟"
"نعم. وقد أكد لي أن هناك حقًا ضائعًا. وأنهم يبحثون عن شيءٍ طوال حياتهم."
"هذا... هذا خطرٌ كبير يا نور. إذا انتشر هذا الكلام، فقد يؤثر على سمعة العائلة. قد يضر بنا جميعًا."
"سمعة العائلة أهم من الحق، يا عمي؟" سألت نور، وصوتها يرتفع قليلاً. "ألم يتعلم والدي، وتعلمنا، أن الحق يجب أن ينتصر؟"
"الحق له وجوهٌ كثيرة يا ابنتي. وأحيانًا، الحفاظ على وحدة العائلة، وسلامتها، أهم من نبش الماضي."
"لكن والدي لم يرَ الأمر كذلك. لقد أراد إصلاح خطأ الماضي. وهو أوصاني بذلك. هل ستمنعني من تحقيق وصية والدي؟"
تنهد منصور بعمق. كان واضحًا أنه في موقفٍ صعب. "لم أقل أنني سأمنعكِ. ولكنني أحذركِ. هناك أناسٌ في هذه العائلة، وأناسٌ خارجها، لا يريدون لهذه القصة أن تظهر. قد يكون الأمر أخطر مما تتخيلين."
"من هم هؤلاء الناس؟" سألت نور بفضول.
"فقط... ابتعدي عن هذا الموضوع يا ابنتي. هو أمرٌ معقد، يتعلق بأسرارٍ قديمة. ربما كان والدي يقول ذلك في لحظة ضعف، أو في خضم حزنه."
"لم يكن حزنًا، يا عمي. لقد كان اعترافًا. اعترافًا بمسؤولية."
"وماذا عن فارس؟ هل تعرفه؟" سأل منصور فجأة، مما أدهش نور.
"فارس؟ ما دخله بالموضوع؟"
"علاقتكِ به بدأت تتوطد. إن زواجكما أمرٌ مهم. هل تعتقدين أن هذه المشكلة، وهذه الأسرار، لن تؤثر على حياتكما المستقبلية؟"
"زواجي من فارس هو حبٌ حلال، يا عمي. وهو يقوم على الصدق والوضوح. وإذا كان هناك شيءٌ يجب إخفاؤه، فهو ليس حلالًا."
"أنتِ صغيرة جدًا على فهم تعقيدات الحياة يا نور. أحيانًا، يجب أن نتنازل عن بعض الأمور من أجل المصلحة الأكبر."
"المصلحة الأكبر هي رضى الله، يا عمي. وليس إخفاء الظلم."
*
في مكانٍ آخر، كان السيد منصور يتلقى مكالمة. كانت مكالمةً من "الوسيط".
"هل استطعتَ إقناعها؟" سأل الوسيط بصوتٍ غامض.
"إنها عنيدة،" قال منصور وهو يعود إلى مكتبه. "إنها تملك المستندات، وهي مصممة على كشف الحقيقة. لقد واجهتني بالأمر."
"هذا مزعج. هل تعتقد أنها ستقول كل شيء لفارس؟"
"ربما. إنها متعلقة به جدًا. وهذا ما يقلقني. إذا عرف فارس، فسوف يدعمها. وهذا سيعني نهاية كل شيء."
"يجب أن نتصرف بسرعة،" قال الوسيط. "يجب أن نمنعها من الوصول إلى أي مكان. يجب أن نؤكد لها أن هذه الأسرار يجب أن تبقى مدفونة. وإذا لم تستجب، فعلينا أن نجد طريقة لمنعها بالقوة."
"بالقوة؟" تردد منصور. "لا أريد أن يحدث أي أذى. لكنني لا أعرف ما إذا كانت هناك خيارات أخرى."
"الخيارات محدودة، يا منصور. إما أن تدفن الحقيقة، أو أن تدفنك الحقيقة. أنت تعرف ما يجب عليك فعله."
كان منصور يعلم. كان يعلم أن خططه تتجه نحو المجهول. كان يعلم أن الحقيقة التي يحاول إخفاءها تمتد بجذورها عميقًا في تاريخ عائلته، وأن فكها قد يؤدي إلى انهيار كل شيء.
*
عادت نور إلى جناحها، وهي تشعر بأنها في مواجهةٍ حقيقية. كان منصور يحاول تثبيط عزيمتها، وكان هذا يعني شيئًا واحدًا: أن هناك حقًا مخفيًا، وأن هناك من يخاف من انكشافه.
نظرت إلى صورة والدها. "سامحني يا أبي،" همست. "لكنني لن أتخلى عن هذا. سأكشف الحقيقة، مهما كان الثمن."
شعرت بأنها قد دخلت في معركةٍ لا تعرف أبعادها الحقيقية. لقد بدأت تدرك أن هذه القضية ليست مجرد إعادة حق، بل هي معركةٌ لحماية مبادئها، وللحفاظ على نور الإيمان في قلبها. كانت تعلم أن هناك ظلالًا بدأت تتحرك في أروقة القصر، ظلالٌ تخشى ضوء الحقيقة. لكنها كانت مستعدة لمواجهتها. كانت مستعدة للمضي قدمًا، مهما كان الثمن.
*
في هذه الأثناء، كان فارس يشعر بشيءٍ غريب. كانت نور غائبة عن الاتصال به منذ الصباح. لم يكن هذا من عادتها. بدأ يقلق. حاول الاتصال بها عدة مرات، لكن هاتفها كان مغلقًا.
"هل حدث شيء؟" سأل نفسه. "هل هي بخير؟"
كانت نيته أن يفاجئها بزيارةٍ في المساء، لكن هذه الزيارة أصبحت الآن ضرورة. كان قلبه ينبض بقلقٍ متزايد. لم يكن يعلم أن نور كانت تخوض معركةً صامتة، معركةً قد تربطه بها أكثر مما كان يتصور، معركةً قد تجعله جزءًا من أسرارٍ لم يكن يتوقعها يومًا.