حب أبدي الجزء الثاني

ريح الشمال ولقاء تحت الشجر

بقلم سارة العمري

لم يأتِ الغد كما توقعته "ليلى" تمامًا. لم يكن مجرد يوم عادي، بل كان يومًا فاصلًا، بدايةً لشعورٍ جديد، لتعقيداتٍ لم تكن تتصورها. الريح الشمالية، التي حملت معها برودة الشتاء المبكرة، بدأت تلوح في الأفق، محذرةً من تغير قادم.

بعد ليلةٍ لم تنم فيها "ليلى" طويلًا، كانت تجلس مع جدتها، الحاجة "فاطمة"، في فناء المنزل. الشمس كانت في كبد السماء، تبعث دفئًا معتدلًا، لكن الريح كانت تعبث بخصلات شعر "ليلى" المتساقطة من تحت حجابها، بينما كانت الحاجة "فاطمة" تحيك بالصوف، وعيناها العميقتان تراقبان كل حركة.

"لقد رأيته، يا جدتي"، قالت "ليلى" أخيرًا، بعد صمتٍ طويل. "لقد عاد أحمد".

توقفت الحاجة "فاطمة" عن الحياكة، ورفعت رأسها. لم تكن نظرتها مفاجئة، بل كانت نظرة معرفةٍ عميقة، وكأنها كانت تتوقع هذه الكلمات. "رأيته؟" سألت بصوت هادئ، فيه نبرةٌ لا تخلو من الحكمة. "وماذا قال لكِ؟ وماذا قلتِ له؟"

"قال إنه سيزورنا اليوم"، أجابت "ليلى"، وهي تشعر بأن قلبها يخفق مرة أخرى، ولكن هذه المرة بدافعٍ ممزوجٍ بالحماس والقلق. "كنت أنتظره، جدتي. أنتظره منذ سنوات".

نظرت إليها الحاجة "فاطمة" مطولًا، ثم وضعت ما في يدها جانبًا. "يا ابنتي، الأقدار تأتي بمساراتٍ مختلفة. بعضها يأتي كنسيم عليل، وبعضها كعاصفة هوجاء. وأحيانًا، تأتي كرجُلٍ عابر، يترك أثرًا في الروح، ولا يعود إلا ليُكمل ما بدأ".

"ولكن، ما الذي بدأ؟" سألت "ليلى" بلهفة. "لا أعرف شيئًا عنه، وهو لا يعرف شيئًا عني، سوى تلك اللحظة".

"هذا هو لغز الحياة يا عزيزتي"، قالت الحاجة "فاطمة". "أحيانًا، اللحظة الأولى هي كل شيء. هي الشرارة التي تشعل حريقًا، أو هي البذرة التي تنمو لتصبح شجرة. أنتِ رأيتِ فيه ما لم يره الآخرون، وشعر قلبكِ بما لم تشعر به عقول الآخرين".

"وهل... هل هذا صحيح؟" سألت "ليلى"، وعيناها تلمعان بالأمل. "هل يمكن أن يكون هناك شيء بيني وبينه؟"

"الزواج مكتوبٌ لعباده"، قالت الحاجة "فاطمة". "ولكن الطريق إليه قد يكون مليئًا بالمنعطفات. أحمد رجلٌ طيب، عرفته. ولكنه رجلٌ يعيش في عالمٍ مختلف عن عالمنا. لديه مسؤوليات، وتجارب، وأحلامٌ ربما لا تتناسب مع حياة قريةٍ بسيطة".

"ولكنه وعد بالزيارة!" قالت "ليلى"، بحماسٍ طفولي. "وهذا يعني أنه مهتم".

"الاهتمام شيء، والالتزام شيء آخر"، قالت الحاجة "فاطمة"، وهي تقف. "علينا أن نكون مستعدين لكل الاحتمالات. اذهبي الآن، أعدي لنا بعض التمر والماء. ولتكن لكِ الكلمات الراقية، والابتسامة الهادئة. ليُعجب بكِ، لا لجمالكِ فحسب، بل لعقلكِ وقلبكِ".

ذهبت "ليلى" مسرعة، وعقلها يعج بالكلمات. جدتها، العرافة الحكيمة، لم تكن مجرد امرأة عجوز، بل كانت مستشارة، ومرشدة، ونورًا يضيء لها دروب الحياة.

في وقت الظهيرة، وصلت قافلة "أحمد" إلى القرية. لم تكن القافلة كبيرة كالأولى، بل كانت أصغر، تحمل بضائع قليلة. كان "أحمد" فيها، يرتدي ملابس أجمل، ولكن وجهه لا يزال يحمل آثار التعب.

استقبلته الحاجة "فاطمة" و"ليلى" عند باب المنزل. كان "أحمد" يبدو مرتبكًا قليلاً، ولكنه كان يحمل في عينيه ابتسامة احترام وتقدير.

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، قال "أحمد"، وهو يضع يده على صدره.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، أجابت الحاجة "فاطمة"، ثم دعته للدخول. "تفضل يا بني، البيت بيتك".

دخل "أحمد"، واضعًا بصره على كل تفاصيل المنزل البسيط، ولكنه الأنيق. رأى الأثاث القديم، والسجاد المصنوع يدويًا، والمشغولات اليدوية التي تزين الجدران. ولكن الأهم من ذلك، رأى "ليلى" تجلس بهدوء، ترتدي أجمل ثيابها، وعلى وجهها ابتسامة هادئة.

قدمت "ليلى" له كوبًا من الماء، ثم صحنًا مليئًا بالتمر الفاخر. كان "أحمد" يتناول التمر، وهو يتحدث مع الحاجة "فاطمة". كانا يتحدثان عن التجارة، وعن أحوال القرية، وعن السفر. كانت "ليلى" تستمع بصمت، مستمتعةً بحديثهما، وبحضور "أحمد".

"لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة رأيت فيها القرية"، قال "أحمد". "لقد تغيرت بعض الأشياء، ولكن روحها ما زالت كما هي".

"الروح لا تتغير، يا بني"، قالت الحاجة "فاطمة". "ولكن الناس هم من يتغيرون، وبما يتغيرون، تتغير الأقدار".

نظر "أحمد" إلى "ليلى"، وشعر بكلمات جدتها تلامسه. "لقد تغيرتِ كثيرًا، يا ليلى"، قال، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة. "عندما رأيتكِ الليلة الماضية، لم أستطع التعرف عليكِ في البداية. كنتِ... مختلفة".

"الوقت يغير الأشياء، يا أحمد"، أجابت "ليلى" بصوتٍ هادئ. "ولكن بعض الأشياء تبقى في القلب، مهما مر الزمن".

ارتعش قلب "أحمد" قليلاً عند سماع هذه الكلمات. هل كانت تعني ما يفكر فيه؟ هل كانت تشير إلى نفس المشاعر التي بدأت تنمو في قلبه؟

"لقد كنتُ أتساءل كثيرًا عنكِ"، قال "أحمد" بصدق. "كيف عرفتِ اسمي؟ وما الذي جعلكِ تتذكريني؟"

"لقد كانت نظرةٌ واحدة، وصوتٌ واحد"، قالت "ليلى" ببساطة. "ولكنها كانت نظرةٌ تركت أثرًا في روحي. كانت تلك اللحظة، هي بداية قصةٍ كنتُ أؤمن بأنها لم تنتهِ بعد".

صمت "أحمد" لبرهة، يتأمل كلماتها. لم يكن يعرف ما الذي يقوله. لم يكن مستعدًا لهذه المشاعر، لهذه الصراحة. كانت "ليلى" تفتح له أبوابًا لم يكن يدرك أنها موجودة.

"أنا... لا أعرف ما الذي أقوله"، اعترف "أحمد"، وهو يشعر بأن كلماته تعثر عليه. "ولكنني سعيدٌ بلقائكِ مرة أخرى، يا ليلى. وسعيدٌ بلقاء جدتكِ الكريمة".

"ونحن أسعد يا أحمد"، قالت الحاجة "فاطمة" بابتسامة. "الزمن كفيلٌ بأن يكشف لنا الكثير".

بعد فترة، قام "أحمد" ليودعهما. "سأكون هنا غدًا"، قال، وهو ينظر إلى "ليلى" بعينين مليئتين بالتقدير. "إذا سمح وقتكِ، و وقت جدتكِ، هل لي أن أمشي معكِ قليلاً؟ ربما إلى الشجر العتيق الذي سمعتُ عنه؟"

شعرت "ليلى" بأن قلبها يرتعش مرة أخرى. "نعم"، أجابت فورًا، وقد ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها. "بكل سرور".

كانت تلك دعوة. دعوةٌ لمشوارٍ تحت ظلال الشجر، حيث يمكن للقلوب أن تتحدث، وللأرواح أن تتآلف. كانت بدايةً لعلاقةٍ جديدة، علاقةٍ نسجت خيوطها من لقاءٍ قديم، ومن شوقٍ أبدي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%