حب أبدي الجزء الثاني

فتنة الشاشات وصدى الذكريات

بقلم سارة العمري

تسللت خيوط الشمس الأولى عبر نوافذ غرفة سارة، لكنها لم تلامس جفونها بعد. كانت عيناها مفتوحتين، تحدقان في سقف الغرفة الداكن، وقلبها يخفق بإيقاع مضطرب، كطائر حبيس بجناحين مكسورين. لم يغادرها طيف فراس منذ تلك الليلة المشؤومة. كان وجوده، أو بالأحرى غيابه، يلقي بظلاله الثقيلة على كل زاوية من زوايا حياتها.

لم تكن مجرد فتنة عابرة، بل كانت شرارة أشعلت لهيبًا في روح كانت تظنها قد خمدت. كلمات فراس، نظراته، ضحكته التي كانت تتردد في ذاكرتها كصدى لحن قديم، كل ذلك كان يعود ليطاردها في يقظتها ومنامها. كانت تحاول جاهدة أن تتجاوز الأمر، أن تستعيد رباطة جأشها، وأن تعود إلى حياتها الهادئة المتزنة التي كانت تحرص عليها دوماً. ولكن، كيف يمكن لقلبٍ ارتعد شوقًا، ولروحٍ استيقظت من سباتٍ عميق، أن تعود إلى ما كانت عليه؟

كانت جلستها الصباحية المعتادة في شرفة منزل والديها، تحت ظلال شجرة الليمون العتيقة، قد فقدت رونقها. لم تعد تستمتع بنسيم الصباح العليل، ولا بعبق الزهور المتفتحة. كان عقلها مشغولًا، يهيم في أرجاء ذاكرتها، يبحث عن إجابات، عن مبررات، عن مخرج.

"صباح الخير يا ابنتي."

صوت والدتها الهادئ قطع أفكارها. التفتت إليها بابتسامة باهتة، وهي ترى صينية إفطار شهية تحمل بين يدي والدتها.

"صباح النور يا أمي."

جلست والدتها بجانبها، ووضعت الصينية على الطاولة الصغيرة. "تبدين شاحبة يا سارة. هل أنتِ بخير؟"

"أنا بخير يا أمي، لا تقلقي. ربما لم أنم جيدًا." أجابت سارة، وهي تحاول أن تبدو طبيعية.

"لكن نومكِ كان مضطربًا منذ أيام. أشعر بكِ بعيدة، شاردة. هل هناك شيء يزعجكِ؟" سألت والدتها بحنان، وهي تضع يدها على جبين سارة.

لم تستطع سارة أن تخفي الأمر أكثر. كانت والدتها خير صديقة لها، ومستودع أسرارها. "لا شيء محدد يا أمي، مجرد تفكير."

"تفكير في ماذا؟" ألحّت والدتها، وهي تعرف ابنتها جيدًا.

تنهدت سارة بعمق، ومررت يدها في شعرها. "فرا.. أقصد، أمير." ترددت في نطق اسم فراس، ذلك الاسم الذي أصبح محظورًا، ولكنه في الوقت نفسه، أصبح محور تفكيرها. "لقد عدتُ لأرى بعض المنشورات القديمة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتذكرت بعض الأيام... وبعض الأشخاص."

أدركت والدتها فورًا ما كانت سارة تتحدث عنه. كان فراس، الشاب الذي أحبته سارة حبًا عذريًا في شبابها، قبل أن تفرق بينهما الظروف. كان لقاؤهما الأخير غير متوقع، وفي ظروف لم تكن سارة مستعدة لها.

"تذكرين تلك الأيام... أعرف. كانت أيامًا جميلة، مليئة بالبراءة والشوق." قالت والدتها بهدوء. "ولكن، مضى الزمن يا سارة. لكل مرحلة في الحياة جمالها، ولكل ابتلاء حكمة."

"ولكن... هل يمكن أن تعود الأشياء كما كانت؟" سألت سارة بصوت خافت، وهي تنظر إلى الأفق البعيد.

"لا شيء يعود تمامًا كما كان، يا ابنتي. الأيام تمضي، ونحن نتغير. ولكن، قد تتجدد الأشياء بطرق أجمل، وبمسارات لم نكن نتوقعها." أجابت والدتها، وهي تربت على يد سارة. "أنتِ الآن على أعتاب مرحلة جديدة. لقد رزقكِ الله بزوج صالح، رجل يخاف الله فيكِ، ويريد لكِ الخير. ابني حياتكِ معه، وابحثي عن السعادة في الحلال، بعيدًا عن وساوس الشيطان وفتن الدنيا."

كانت كلمات والدتها كبلسم لجراحها، ولكنها لم تكن كافية لتمحو الصورة التي استقرت في ذهنها. صورة فراس، وهو يقف أمامها، يتحدث عن ذكريات مشتركة، وعن آمال ضائعة. كانت تلك الكلمات، وذلك اللقاء، قد أشعلا في داخلها شيئًا، شيئًا لم تكن تتوقع أن تعود إليه.

في صباح اليوم التالي، وبعد تأدية صلاة الفجر، جلست سارة أمام جهاز الحاسوب. كانت تخطط لتصفح بعض المواقع التعليمية، ولكنها وجدت نفسها تتجه نحو وسائل التواصل الاجتماعي. بدأت تتصفح حسابها القديم، ثم انتقلت إلى صفحات بعض المعارف القدامى. وبشكل غير مقصود، وجدت نفسها تبحث عن حساب فراس.

كان الحساب قديمًا، قليل النشاط. ولكن، صورة شخصية له، وهو يبتسم ابتسامته المعهودة، أعادت كل شيء. نظرت سارة إلى تعليقات الأصدقاء، إلى الصور القديمة. شعرت بقلبها ينقبض. كان ذلك عالمًا آخر، عالمًا كان جزءًا منها، ولكنه الآن أصبح بعيدًا، بعيدًا جدًا.

لم تكن تعرف لماذا تفعل ذلك. هل كانت تبحث عن دليل على أن الزمن لم يغيره؟ أم أنها كانت تبحث عن مبرر لمشاعرها المتضاربة؟ كانت تعلم أن ما تفعله هو خطأ، وأنها تتجه نحو طريق قد يؤدي بها إلى الشقاء. ولكن، كانت هناك قوة خفية تسحبها، قوة أكبر منها، قوة فتنة الشاشات التي أصبحت لا غنى عنها في عالمنا المعاصر.

في أحد أيام الأسبوع، تلقت سارة مكالمة من والدتها. "أميرة، حبيبتي، هل تسمعينني؟"

"نعم يا أمي، أسمعكِ. ما الأمر؟"

"ابنت خالكِ، ريم، تزوجت. ذهبتُ مع خالكِ لزيارتها. وكان هناك... فراس."

تجمدت سارة في مكانها. كان اسمها "فراس" في هذا السياق، أشبه بطلقة غادرة تصيب قلبها. "فراس؟"

"نعم، فراس. لقد رأيته، وكان بصحة جيدة. يبدو أنه قد عاد إلى البلاد منذ فترة." قالت والدتها، وكأنها لم تلاحظ أي اضطراب في صوت ابنتها. "لقد سأل عنكِ. قال إنه سمع أنكِ تزوجتِ."

"وماذا قلتِ له؟" سألت سارة، بصوت بالكاد مسموع.

"قلتُ له إنكِ سعيدة، وأن الله وفقكِ. دعيه يذهب في طريقه يا سارة. هذه ذكريات، ولا يجب أن نبقى أسيرين لها."

أغلقت سارة الهاتف، وشعرت بأنها تقف على حافة الهاوية. فراس، الذي عاد، والذي سأل عنها، والذي ربما كان يفكر فيها أيضًا. هل كان ذلك محض صدفة؟ أم أن هناك شيئًا أكبر من ذلك؟

في تلك الليلة، لم تنم سارة. كانت عيناها شاخصتين نحو السماء، تتأمل النجوم. كانت تتساءل عن المصير، عن الأقدار، وعن تلك الخيوط الخفية التي تربط بين البشر. كانت تشعر بالضياع، وبالشوق، وبالرغبة في أن تعرف ما يحدث في حياة فراس. هل كان متزوجًا؟ هل كان سعيدًا؟

كانت هذه الأسئلة، وهذه المشاعر، كالنار التي تتأجج في داخلها. كانت تعرف أن هذه المشاعر غير سوية، وأنها لا تتناسب مع حياتها الحالية. ولكن، كان من الصعب عليها أن تتخلص منها. كانت فتنة الشاشات، وصدى الذكريات، قد استولت على عقلها وقلبها، وبدأت تلقي بظلالها القاتمة على مستقبلها.

في تلك اللحظة، أدركت سارة أنها في مواجهة صراع داخلي شديد. صراع بين ما يجب أن يكون، وما تشعر به. صراع بين العقل والقلب، وبين الحاضر والماضي. وكان عليها أن تجد مخرجًا، قبل أن تغرق في بحر من الندم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%