حب أبدي الجزء الثاني
دوامة الشكوك وعبء الماضي
بقلم سارة العمري
تجرع أحمد فنجان القهوة الصباحي ببطء، محاولاً أن يتجاهل ثقل الأفكار التي تعصف بذهنه. كان يجلس في مكتبه، حيث تتكدس الأوراق والملفات، شاهداً صامتاً على لياليه الطويلة وساعات عمله المضنية. لكنه، على الرغم من إنجازاته المهنية، شعر بفراغٍ يتسع بداخله، فراغٍ لم تملأه النجاحات المادية.
كان زواجه من سارة، على الرغم من احترامه العميق لها، يكتنفه نوع من الغموض. لم يشعر يومًا بأن سارة قد منحته قلبها بالكامل. كانت امرأة مثالية في كل شيء: ملتزمة، مثقفة، جميلة، وتعرف كيف تدير منزلها. ولكن، كان هناك حاجز غير مرئي يفصل بينهما، حاجزٌ شعر أحمد أنه لم يستطع اختراقه أبدًا.
منذ فترة، بدأ يلاحظ تغيرًا غريبًا في سارة. كانت غالبًا ما تكون شاردة الذهن، تبدو عليها علامات الحزن أو القلق، وتفضل قضاء وقت طويل في غرفتها، منهمكة في جهاز الحاسوب أو الهاتف. حاول أن يتحدث معها، لكن إجاباتها كانت دائمًا مقتضبة، تكتفي بالقول إنها متعبة أو لديها بعض الأعمال.
"هل كل شيء على ما يرام يا سارة؟" سأل أحمد في إحدى الأمسيات، بينما كانت سارة تتناول العشاء بصمت.
رفعت سارة عينيها، وابتسمت ببرود. "نعم يا أحمد. كل شيء على ما يرام. لماذا تسأل؟"
"أرى أنكِ متعبة مؤخرًا، وغالبًا ما تكونين منعزلة. أخشى أن يكون هناك ما يزعجكِ." قال أحمد بصدق.
"لا تقلق عليّ. ربما أحتاج فقط لبعض الوقت لنفسي." أجابت سارة، وهي تعود إلى طبقها.
كان أحمد يعلم أن هذا ليس كل شيء. كان يشعر بأن هناك شيئًا تخفيه سارة عنه. لم يكن حسدًا أو شكًا بقدر ما كان قلقًا على علاقتهم. كان يحب سارة، وكان يريد لها أن تكون سعيدة، وسعيدة معه.
في أحد الأيام، بينما كان أحمد يبحث عن بعض الأوراق في درج مكتب سارة، لمح هاتفه المحمول ملقى على المكتب. أثناء محاولته إعادة ترتيب بعض الأغراض، ارتجف الهاتف، وظهر إشعارٌ على الشاشة. لم يكن ينوي التطفل، ولكن الاسم الذي ظهر على الشاشة كان غريبًا، لم يسمع به من قبل. وفوق كل ذلك، كانت الرسالة تحمل اسمًا: "فراس".
تجمد أحمد في مكانه. اسم "فراس". من يكون هذا الرجل؟ وما علاقته بزوجته؟ لم يستطع أن يتجاهل الأمر. شعر بنبض قلبه يتسارع. أخذ الهاتف، وفتحه. لم يكن يفكر في كسر خصوصيتها، ولكن الفضول، والقلق، دفعاه إلى ذلك.
تصفح الرسائل. كانت تبدأ بترويع، ثم تتطور إلى تبادل لأخبار قديمة، وذكريات مشتركة. كان "فراس" يذكر سارة بأيام الجامعة، بصداقتهما القديمة. وكان يظهر من الرسائل أن سارة كانت تتجاوب معه، بل وتشاركه بعض التفاصيل عن حياتها، وإن كانت عامة.
شعر أحمد ببرودة تسري في أوصاله. كانت هناك كلمات تحمل نبرة عاطفية، حنينٌ واضح، وربما... شيء أعمق. كانت سارة تتحدث عن "الأيام الجميلة"، وعن "صداقة لا تُنسى". ولكن، كان هناك ما يوحي بأن هذه "الصداقة" لم تكن مجرد صداقة عادية.
أعاد أحمد الهاتف إلى مكانه، وهو يشعر وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته. لم يكن يتخيل يومًا أن زوجته، سارة، قد تكون لديها علاقة أخرى، أو أن مشاعرها قد تكون مشتتة. كان يشعر بالصدمة، والغضب، والألم.
في الأيام التالية، بدأ أحمد يراقب سارة بنظرة مختلفة. كان يبحث عن أي علامة، أي إشارة، تدل على ما رأى. كان يلاحظ اهتمامها المتزايد بالهاتف، وشرودها الدائم. كان يشعر بأنها لم تعد ملكه بالكامل، وأن هناك جزءًا منها يسكن في عالم آخر، عالم يشاركه مع هذا "فراس".
كان أحمد رجلًا يحترم المرأة، ويؤمن بالوفاء. لم يكن من النوع الذي يعاقب على أي شك. ولكنه، في هذه الحالة، لم يستطع أن يتجاهل ما رأى. كان يشعر بأن هناك شيئًا فاسدًا في علاقتهما، شيئًا يحتاج إلى إصلاح، أو ربما... إلى نهاية.
في إحدى الليالي، بينما كان أحمد وسارة جالسين في غرفة المعيشة، وجد أحمد الجرأة للتحدث. "سارة، هل تحدثنا؟"
نظرت سارة إليه. "عن ماذا؟"
"عن... هذا الرجل، فراس." قال أحمد، وحاول أن يجعل صوته ثابتًا.
اهتزت سارة قليلاً، ولكنها استجمعت رباطة جأشها. "من هو فراس؟"
"لا أعرف من هو فراس. ولكن، هاتفكِ يقول إنه شخص مهم بالنسبة لكِ." قال أحمد، ونظر إليها مباشرة.
توقفت سارة للحظة، ثم قالت بصوت بالكاد مسموع: "إنه... زميل دراسة قديم. لا شيء أكثر من ذلك."
"زميل دراسة قديم؟ تبادلان الرسائل بهذا الشكل؟" سأل أحمد، وشعر بأن الغضب يتزايد بداخله.
"لقد عدتُ لأرى بعض الأشياء القديمة. لم يكن يقصد شيئًا." قالت سارة، وهي تتجنب نظراته.
"لم يكن يقصد شيئًا؟ أم لم يكن لديكِ أنتِ ما تقصدينه؟" قال أحمد، وشعر بأن كلماته تخرج أقسى مما كان ينوي.
"أحمد، أرجوك. لا تجعل الأمر أكبر مما هو عليه. أنا زوجتك. وأنا أحبك." قالت سارة، وعيناها امتلأتا بالدموع.
كانت كلماتها هذه، وعلى الرغم من أنها كانت ما يريد سماعه، إلا أنها لم تشفِ غليله. كان يشعر بأن كلماتها لا تخلو من تزييف، وأن وراءها شيئًا دفينًا.
"هل تحبينني يا سارة؟" سأل أحمد، بصدق.
نظرت سارة إليه، وحاولت أن تقول شيئًا، ولكن الكلمات لم تخرج. كان صمتها هو أبلغ إجابة.
كانت هذه بداية النهاية. كان أحمد يشعر بأن دوامة الشكوك قد ابتلعته، وأن عبء الماضي، سواء كان ماضي سارة أو ماضيه هو، قد أصبح ثقيلاً جدًا على علاقتهما. لم يعد متأكدًا مما إذا كان يستطيع الاستمرار في هذه الحياة، حياة لا يشعر فيها بالثقة، ولا بالأمان.
في تلك الليلة، لم ينم أحمد. كان يفكر في كل شيء. في سارة، وفي فراس، وفي علاقتهما. كان يتساءل هل هناك أي أمل في إصلاح ما حدث، أم أن الأمر قد وصل إلى نقطة اللاعودة؟ كانت الظلمة تحيط به، والشكوك تعبث بقلبه، وكان يشعر بأنه يسير في طريق وعر، لا يدري إلى أين سيقوده.