زواج بالقدر الجزء الثالث
عتبات الألفية ورقصات القدر
بقلم سارة العمري
كانت الأيام الأخيرة قبل الزفاف تتسارع كخيل جامحة، تحمل معها مزيجًا من الترقب، والقلق، والبهجة. في قصر الهاشمي، كانت الأجواء مشحونة بالاستعدادات النهائية. الأقمشة الفاخرة، الزهور المعطرة، وصوت الموسيقى الهادئة التي تنبعث من بعيد، كلها تخلق جوًا من الاحتفال.
كان رائد، رغم سعادته الغامرة بخطوة زواجه بفاطمة، يشعر بثقل يثقل كاهله. لم يكن قلقًا بشأن فاطمة، بل كان قلقًا بشأن ما قد يحمله المستقبل، وبشأن تلك الظلال التي بدأت تلوح في الأفق. تذكر حديثه مع السيدة نادية، تلك الزيارة المفاجئة التي تركت في نفسه انطباعًا غريبًا. كانت نادية امرأة غامضة، وكلماتها تحمل معانٍ مبطنة.
"هل أنتِ متأكدة من أن كل شيء على ما يرام يا أمي؟" سأل رائد والدته، وهو يتناول فنجان القهوة.
نظرت إليه السيدة ليلى، وعيناها تعكسان قلقًا مبطنًا. "كل شيء على ما يرام يا بني. فقط بعض التفاصيل الأخيرة."
"ولكنك تبدين قلقة." قال رائد، ولاحظت عيناها.
ابتسمت السيدة ليلى ابتسامة باهتة. "القلق طبيعي قبل أي حدث كبير. ولكني سعيدة جدًا من أجلك. فاطمة فتاة رائعة."
"نعم، هي كذلك. وأنا أحبها كثيرًا." قال رائد، وشعر بالدفء يغمر قلبه.
ولكن، لم تكن السيدة ليلى وحدها من تشعر بالقلق. في منزل فاطمة، كانت والدتها تتحدث معها بنبرة حانية.
"يا ابنتي، تذكري دائمًا أن الزواج مسؤولية، وليس مجرد احتفال. حاولي أن تتجنبي المشاكل مع أهل زوجك، وأن تتحلي بالصبر والحكمة. رائد رجل طيب، ولكنه قد يحمل معه أعباء عائلية. كوني مستعدة لمساندته."
"أعلم يا أمي. وأنا مستعدة لذلك. ولكنني أشعر بأن هناك شيئًا يزعج رائد."
"ما هو؟" سألت الأم، وشعرت ببعض القلق.
"لا أعرف. يبدو أنه يفكر في أمر ما. يتجنب الحديث عنه."
"ربما هو مجرد ضغط الاستعدادات. لا تقلقي يا فاطمة. عندما تتزوجان، وتستقر الأمور، سيتحسن كل شيء."
في تلك الأثناء، كانت السيدة نادية تتحدث مع شخص ما عبر الهاتف. كان صوتها يحمل نبرة تأمر، ونبرة تخطيط.
"الزواج سيتم قريبًا. هذا هو الوقت المناسب. لقد حان الوقت لإعادة بعض الأمور إلى نصابها. رائد لا يعلم شيئًا. وسنستغل هذه الفرصة. تأكد من أن خطتك تسير كما هو مخطط لها. لا مجال للفشل."
كانت كلمات نادية تحمل تهديدًا مبطنًا، ورغبة في التلاعب بالقدر. كانت تتلاعب بالخيوط الخفية التي تربط الماضي بالحاضر، وتخطط لنسج خيوط جديدة.
في أحد الأيام، بينما كان رائد يتفقد بعض الأوراق في مكتبه، وجد رسالة قديمة، لم يفتحها من قبل. كانت الرسالة موجهة إليه، من والدته، ومختومة بختم قديم. فتحها بفضول، وبدأ يقرأ.
كانت الرسالة تعود إلى سنوات بعيدة، زمن كان فيه رائد لا يزال طفلاً. كانت والدته تتحدث عن أمر حساس، عن قرار اضطرت لاتخاذه، وعن شخص كان له دور في حياتهم، ولكنه اختفى من الصورة. كانت كلماتها تحمل ندمًا، وحزنًا، ورغبة في إخفاء حقيقة.
"يا بني، إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أتمكن من إخبارك بكل شيء. ولكنني أردت أن تعلم أنني فعلت ما بوسعي لحمايتك. هناك أمور لا يمكن تفسيرها في الحياة. هناك أشخاص يظهرون ويختفون كالأحلام. ولكن، لا تدع الماضي يؤثر على مستقبلك. كن قويًا، وكن كريمًا."
عندما أنهى رائد قراءة الرسالة، شعر بالصدمة. كانت والدته تتحدث عن شخص غامض، عن حماية، وعن أسرار. لم يكن يفهم ما تقصده. هل كانت هذه الرسالة مرتبطة بزيارة السيدة نادية؟ هل كانت هناك قصة مخفية في حياته لم يكن يعلم بها؟
ذهب رائد إلى والدته، والرسالة في يده.
"أمي، هل يمكنكِ أن تشرحي لي هذه الرسالة؟"
نظرت السيدة ليلى إلى الرسالة، وشحب وجهها. بدا عليها أنها لم تتوقع أن يجد رائد هذه الرسالة.
"يا بني... هذه... هذه رسالة قديمة جدًا."
"ولكن ما معناها يا أمي؟ من هو هذا الشخص؟" سأل رائد بإلحاح.
تنهدت السيدة ليلى، ثم جلست على كرسي، وأشارت لرائد بالجلوس بجانبها. بدأت تتحدث، بصوت خافت، وقلب مثقل.
"يا بني، قبل أن تلتقي بفاطمة، وقبل أن ترتبط بها، كانت هناك... كانت هناك أمور حدثت."
"ما هي الأمور يا أمي؟"
"كانت هناك فتاة... كانت تحبك. وبادلتها الحب. ولكنه لم يكن حبًا مباركًا. كان حبًا... فيه بعض التجاوزات. وكنت أخشى عليك يا بني. أخشى أن تؤثر عليك تلك العلاقة، وأن تبتعد عن طريق الصواب."
"هل تقصدين...؟"
"نعم يا بني. كانت هناك فتاة اسمها... اسمها مريم. كانت تحبك كثيرًا. ولكنني رأيت أن هذه العلاقة لن تكون صالحة لك. ولذلك، حاولت أن أبعدها عن طريقك. حاولت أن أحمي مستقبلك."
شعر رائد بالصدمة. هل كان يتذكر حقًا فتاة اسمها مريم؟ كان يتذكر لمحات من طفولته، ذكريات باهتة لفتاة كانت تلعب معه. هل كانت هي؟
"ولكن... لماذا لم تخبريني؟"
"خفت عليك يا بني. خفت أن تكون قد أحببتها بعمق، وأن يكون ابتعادها سببًا في تعاستك. ولكني رأيت أن مصلحتك أهم. ولذلك، حاولت أن أبعدها بهدوء."
"وهل... هل عادت الآن؟ هل هي السبب وراء قلق السيدة نادية؟"
"لا أعرف يا بني. السيدة نادية... هي صديقة قديمة. وكانت تعرف مريم. قد تكون هي السبب في ظهور هذه الذكريات."
في تلك اللحظة، شعر رائد بأن كل شيء حوله قد تغير. كانت حياته تتشابك مع قضايا الماضي، مع أسرار لم يكن يعلم بها. هل كانت علاقته بفاطمة مجرد بداية لقصة أكبر؟ قصة قد تتأثر بشبح الماضي؟
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت فاطمة تجلس مع جدتها، وهي سيدة كبيرة في السن، ولكن عينيها لا تزالان تحملان بريقًا.
"يا جدتي، أشعر بأن هناك شيئًا ما يزعج رائد. يبدو أنه يخفي شيئًا."
نظرت الجدة إلى فاطمة، وابتسمت بحكمة. "يا ابنتي، لا يمكن لأحد أن يعيش حياة خالية من الأسرار. كل إنسان لديه ماضٍ. المهم هو كيف يتعامل مع هذا الماضي. إذا كان رائد يحبك، فسوف يتجاوز أي صعوبات. ثقي فيه، وثقي بالله."
"ولكن... ماذا لو كان هذا الأمر يتعلق بفتاة أخرى؟" سألت فاطمة، ولم تستطع أن تخفي قلقها.
تنهدت الجدة. "الحب الحقيقي يا فاطمة هو أن تقبلي الشخص كما هو، بكل ما فيه. أن تدعميه في أوقات ضعفه، وأن تشاركيه أفراحه. إذا كان رائد قد اختارك، فهذا يعني أنه يراكِ الزوجة الصالحة، وأنكِ تمثلين له المستقبل الذي يتمناه. لا تدعي الشك يتسلل إلى قلبك."
شعرت فاطمة بالراحة من كلمات جدتها. ولكن، ظل هناك شعور بالاضطراب يراودها. هل كانت مشاعرها تجاه رائد كافية لتجاوز أي عقبة؟ هل كانت مستعدة لمواجهة ما قد يأتي؟
كان القدر ينسج خيوطه ببطء، وترقص أحداث الماضي مع همسات الحاضر، في محاولة لكشف الأسرار، وتغيير مسار القلوب.