زواج بالقدر الجزء الثالث
ليلة الحقيقة وعبء الاعتراف
بقلم سارة العمري
ليلة الزفاف، تلك الليلة التي طالما حلم بها رائد وفاطمة، بدأت تتكشف خيوطها، حاملة معها أسرارًا قديمة، وتحديات جديدة. كان القصر يزخر بالضيوف، والأضواء المتلألئة، والضحكات المجلجلة. ولكن خلف هذه الواجهة البراقة، كانت هناك عواصف خفية تعصف بالقلوب.
كان رائد يشعر بثقل لم يعهده من قبل. كلما رأى فاطمة، بفستانها الأبيض المبهج، وابتسامتها التي تنير وجهها، شعر بمزيد من القلق. كيف يمكنه أن يبدأ حياة جديدة معها، وهو لم يخبرهن بكل الحقيقة؟ تلك الرسالة، وكلمات والدته، كلها كانت تلاحقه كظلال الشبح.
في غرفة تبديل الملابس، وبينما كان رائد يرتدي بدلته الرسمية، جاءه والده، الأستاذ سليمان، وهو رجل هادئ، يحمل في عينيه حكمة سنين.
"رائد، يا بني. تبدو متوترًا." قال الأستاذ سليمان، واضعًا يده على كتف رائد.
"أبي، أشعر بأن هناك شيئًا ما... شيئًا لم أكن أعرفه عن نفسي. عن ماضي عائلتنا."
"ماذا تقصد؟"
بدأ رائد يشرح لوالده، عن الرسالة، وعن كلام والدته، وعن فتاة اسمها مريم. كان يتحدث بصوت متقطع، يحاول أن يجمع أفكاره.
تأمل الأستاذ سليمان كلماته، ثم قال بصوت عميق: "يا بني، كلنا لدينا أخطاء في الماضي. المهم هو أن نتعلم منها. وأن تكون صادقًا مع من تحب. إذا كان هناك أمر يؤثر على حياتك، ويؤثر على علاقتك بفاطمة، فالصدق هو الطريق الوحيد."
"ولكنني أخاف يا أبي. أخاف أن أخسرها."
"الخوف لن يساعدك. الصدق قد يكون مؤلمًا في البداية، ولكنه يبني الثقة. وإذا كانت فاطمة تحبك حقًا، فسوف تتفهم."
كانت كلمات والده بلسمًا على روحه. قرر أن يواجه حقيقته، وأن يخبر فاطمة بكل شيء، مهما كان الثمن.
في الجهة الأخرى من القصر، كانت فاطمة، في قمة أناقتها، تنتظر بدء مراسم الزواج. كانت تشعر بالسعادة، ولكن قلقها من رائد لم يفارقها. كانت ترى في عينيه حزنًا دفينًا، وكأنه يحمل عبئًا ثقيلًا.
"فاطمة، هل أنتِ مستعدة؟" سمعت صوت السيدة ليلى.
ابتسمت فاطمة. "نعم، الحمد لله."
"أنا سعيدة جدًا بك يا فاطمة. أتمنى لكِ كل السعادة مع ابني." قالت السيدة ليلى، وكان صوتها يحمل نبرة امتنان.
"وأنا أشكرك يا خالتي. أنتم عائلتي الآن."
وفي تلك اللحظة، خرج رائد من الغرفة. كانت عيناه تلتقيان بعيني فاطمة، وكان فيها مزيج من الحب، والأسف، والجرأة.
"فاطمة، هل يمكننا التحدث لدقائق قليلة قبل أن نبدأ؟" سأل رائد بصوت هادئ، ولكنه كان يحمل إصرارًا.
نظرت فاطمة إلى رائد، ثم إلى والدته. "بالطبع يا رائد."
ذهبا إلى غرفة هادئة، بعيدًا عن صخب الضيوف. جلسا على مقعدين متقابلين، وفي صمت مطبق.
"فاطمة،" بدأ رائد، "قبل أن نبدأ حياتنا معًا، أريد أن أخبرك بشيء. شيء يثقل قلبي. شيء كنت أخشى أن أخبرك به."
نظرت فاطمة إليه، بقلب يرتجف. "ما هو يا رائد؟"
"لقد... لقد أحببت فتاة أخرى من قبل. اسمها مريم. وكانت تلك العلاقة... لم تكن بالمفهوم الشرعي. والدتي، خوفًا عليّ، حاولت أن تفصلنا. وهذا ما حدث. ولكني لم أخبرك بكل التفاصيل."
صمتت فاطمة للحظة. كانت تتوقع شيئًا كهذا، ولكن سماعها بوضوح كان له وقع مختلف. لم تشعر بالغضب، بل شعرت بالحزن. حزن على ماضي رائد، وعلى تلك الأخطاء التي ارتكبها، وعلى تلك الأسرار التي حملها.
"وهل... هل ما زلت تفكر فيها؟" سألت فاطمة بصوت يكاد يكون مسموعًا.
"لا، فاطمة. أبداً. منذ أن عرفتك، تغير كل شيء. أنتِ نور حياتي، وسعادتي. لم تعد تلك العلاقة تهم. ولكنني شعرت أن واجبي تجاهك، وتجاه زواجنا، هو أن أكون صادقًا معك. ألا أخفي عنك شيئًا."
"وهل... هل هناك شيء آخر؟" سألت فاطمة، وقلبها يرتعش.
"كانت السيدة نادية... قد زارت والدتي. وتحدثت عن الماضي. شعرت بأن هناك شيئًا ما. شيء ما يربط مريم بعائلتي، أو بوالدتي."
"نادية؟" قالت فاطمة، واستشعرت أن هناك خيطًا جديدًا قد انفتح.
"نعم. والدتي لم تخبرني بالكثير. ولكنني شعرت بأن هناك أسرارًا أكبر. أسرار قد تكون مرتبطة بهذه الزيارة، وبهذه الفتاة."
"رائد،" قالت فاطمة، وأخذت نفسًا عميقًا، "أنا أقدر لك صدقك. تقديري لك يزداد. ولن أدع الماضي يؤثر على مستقبلنا. نحن معًا، وسنواجه كل شيء معًا. سواء كان ذلك يتعلق بأخطاء الماضي، أو بأسرار العائلة."
نظرت فاطمة إلى رائد، بعينين مليئتين بالحب والثقة. شعرت بأنها أقوى، وبأنها قادرة على مواجهة أي شيء.
"ولكن... هناك شيء آخر يا رائد."
"ما هو؟"
"السيدة نادية. كانت قد زارتني أيضًا. وتحدثت عنك، وعن عائلتك. شعرت بأنها تخفي شيئًا. وأنها ربما تكون هي السبب في إثارة هذه الأمور الآن."
شعر رائد بالصدمة. "نادية؟ لقد زارتكِ أيضًا؟"
"نعم. وكلماتها كانت تحمل معاني غامضة. شعرت بأنها تلعب لعبة ما."
في تلك اللحظة، شعر رائد ببرودة مفاجئة. كانت نادية، المرأة الغامضة، تلعب دورًا في حياته وحياة فاطمة. كانت هناك مؤامرة تتشكل، تتجاوز مجرد علاقات الماضي.
"فاطمة،" قال رائد، بجدية أكبر، "يبدو أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث. شيء لا يتعلق بي وحدي، بل بنا نحن الاثنين. يجب أن نكتشف ما هي حقيقة هذه الأمور، وماذا تخطط له نادية."
"وأنا معك يا رائد. لن أتركك تواجه هذا وحدك."
في هذه اللحظة، رن هاتف رائد. كان رقمًا غريبًا. أجاب، بصوت يملؤه الحذر.
"نعم؟"
"رائد الهاشمي؟" جاء صوت رجولي، بارد، ومنخفض.
"أتحدث."
"كنت أتمنى لو أن الزواج لم يتم. لديك الكثير لتتعلمه يا بني. الكثير عن عائلتك، والكثير عن ماضيك."
"من أنت؟ وماذا تريد؟" سأل رائد، وقلبه يخفق بعنف.
"أنا... شخص يعرف أسرارًا. أسرار قد تغير كل شيء. إذا أردت أن تعرف الحقيقة، تعال إلى العنوان التالي عند منتصف الليل. وحدك."
وتبعه رجل بالرقم، ثم انقطع الاتصال.
نظر رائد إلى فاطمة، ثم قال بصوت يملؤه التصميم: "هناك من يريد أن يكشف لنا شيئًا. يجب أن أذهب."
"لا يا رائد! أنت لست وحدك. سأذهب معك." قالت فاطمة، وقد امتزج في صوتها الخوف والإصرار.
"لا يا فاطمة. هذا الأمر قد يكون خطيرًا. ابقي هنا."
"لن أتركك. نحن معًا يا رائد. تذكرت ما قلته؟"
نظر رائد إلى فاطمة، وشعر بقوة جديدة تتولد فيه. لم يكن وحده. كانت فاطمة معه، جاهزة لمواجهة أي خطر.
"حسنًا يا فاطمة. ولكن بحذر. لنذهب معًا. ولكن، يجب أن نحترس. فمن الواضح أن هناك أعداءً يتربصون بنا."
وهكذا، في ليلة زفافهما، بدلاً من أن يعيشا لحظات السعادة، وجدا نفسيهما على عتبة مواجهة مع الماضي، ومع أسرار قد تهز كيان عائلتهما، وتغير مسار حياتهما إلى الأبد.