زواج بالقدر الجزء الثالث

أسرار تتكشف تحت جنح الظلام

بقلم سارة العمري

لم تكن ليلة عادية في حياة ليلى. السكون الذي اعتادته المدينة كان ينساب كخيط فضي من نافذة غرفتها، لكن قلبهن كان يعج بأصداء قلق لم تعهده. منذ أن استقبلت الرسالة الغامضة من عمها، لم تجد لها سلوى. كلمات مشفرة، تحمل في طياتها تحذيراً صامتاً، ورجاءً مبطناً. "احذري يا ابنتي، فالمياه الراكدة قد تخفي أعمق الأعماق."

كانت تلك الكلمات كصاعقة انقضت على هدوء حياتها. هي التي عاشت في سلام، معتمدة على صدق نوايا المحيطين بها، وجدت نفسها الآن تتأرجح على حافة شك مرير. لم تستطع البوح لزوجها، أمجد. كيف لها أن تلقي بظلال الشك على حياتهما الزوجية الهادئة؟ كيف لها أن تفسد سعادتهما بزمان لم يتأكد بعد؟

في تلك الليلة، لم يستطع النوم أن يلامس جفونها. تلمست هاتفها، تتفحص الرسالة مرة أخرى، وكأنها تأمل أن تتغير كلماتها، أن تكشف عن معنى ألطف. لكنها ظلت ثابتة، جامدة، كوصمة عار في صفحة بيضاء. تنهدت بعمق، محاولة كبت الرعب الذي بدأ يتسلل إلى روحها.

نهضت من فراشها بخفة، متجنبة إيقاظ أمجد الذي كان يغط في نوم عميق، تنفسه منتظم وهادئ. توجهت إلى مكتبة والدها الراحل، حيث كانت تحتفظ ببعض مقتنياته الثمينة، بما في ذلك دفتر يوميات قديم، لطالما طالبتها والدتها بعدم فتحه قبل الأوان. هل يكون هذا الأوان؟ هل يحمل هذا الدفتر مفتاحاً لتلك الأسرار التي تهمس بها الرسالة؟

فتحت المكتبة ببطء، تغلغل ضوء القمر الخافت ليضيء الغرفة المليئة بعبق الكتب القديمة. وضعت يديها على الغلاف الجلدي السميك لدفتر اليوميات. كانت النقوش العربية القديمة عليه تزيد من غموضه. ترددت للحظة، يداها ترتعشان.

"يا رب، إن كنت تعلم أن في هذا حكمة، فاجعله نوراً لي." همست بصوت خافت.

فتحت الدفتر، كانت الصفحات صفراء، وبها بقع الزمن. خط والدها الجميل، الذي كان يزين خطاباته ورسائله، يملأ الصفحات. بدأت تقرأ، كلمة بكلمة، سطراً بسطر. لم تكن كلمات عادية، بل كانت تعكس قلقاً عميقاً، وحيرة شديدة. كان والدها يكتب عن شخص ما، شخص قريب، لكنه كان يصفه بصفات مريبة، عن طمع، عن رغبة في تدمير ما بناه.

"أتمنى لو أن القدر لم يجمعني به، أو لو أني عرفت معدنه الحقيقي مبكراً. لقد أفسد خططي، وزرع الشقاق حيث كان الود. كيف لي أن أحمي عائلتي من شره؟"

كانت تلك العبارات كابرة على قلبها. هل يتحدث عن شخص يعرفه أمجد؟ هل يتعلق الأمر بالعمل؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك؟ استمرت في القراءة، اكتشفت أن والدها كان يتابع عن كثب أموراً مالية معقدة، وأن هناك شبهة تلاعب في بعض الاستثمارات التي كانت تعود بالنفع على شخص ما، شخص لم يسمه بوضوح، لكن وصفه كان يشير إلى أحد المقربين.

"لقد استغل ثقتي، وضللني. أخشى أن تكون عواقب أفعاله وخيمة، ليس عليّ فحسب، بل على كل ما بنيته. أحتاج إلى دليل، دليل لا يدحض."

فجأة، رأت صفحة ممزقة جزئياً. كانت جزءاً من رسالة، يبدو أنها كانت موجهة إليها.

"يا بنيتي، إذا وصلتك هذه الكلمات، فاعلمي أني لم أستطع كشف كل شيء. كان هناك من يراقبني، وكان عليّ أن أحمي نفسي، وأن أحمي أسراري. هناك من يسعى وراء ما أملك، ولا يهمه سوى تحقيق مآربه. تذكري دائماً أن الحق يعلو ولا يعلى عليه. لا تثقي بسهولة، واستعيني بالله في كل أمورك."

ارتعشت ليلى. هذا الصوت، هذه الكلمات، كانت والدها يتحدث إليها مباشرة من الماضي. فهمت حينها لماذا كانت الرسالة مشفرة. عمها، الذي كان في الغربة، ربما علم بشيء، وترك لها هذه البذرة لتنمو في الوقت المناسب.

استمرت في البحث. في الصفحات الأخيرة، وجدت رسماً تخطيطياً، لمخطط مبنى، وعلامات استفهام تثير الشكوك حول مكان معين. بجانبه، كانت هناك ملاحظة قصيرة: "في القبو، خلف الرف الثالث. الأمانة".

القبو؟ خلف الرف الثالث؟ أي رف؟ أي قبو؟ بدأت تشعر بضيق شديد في صدرها. هل كان والدها يتحدث عن قبو منزلهم؟ أم عن قبو في مكان آخر؟

في هذه اللحظة، سمعت صوتاً خفيفاً في الممر. تجمدت في مكانها، قلبها يدق بعنف. هل سمع أحد صوتها؟ هل جاء أحد؟

أغلقت الدفتر بسرعة، ووضعته مكانه. أطفأت مصباح المكتبة، وعادت إلى غرفتها بخطوات حذرة. كانت النوافذ مفتوحة قليلاً، تسمح لنسيم الليل البارد بالتسلل. نظرت إلى أمجد النائم، وشعرت برغبة عارمة في إيقاظه، في إخباره بكل شيء. لكن ماذا لو كان هذا الشك في غير محله؟ ماذا لو كان ما تراه مجرد أوهام؟

أخذت نفساً عميقاً. "مهما كان الثمن، يجب أن أعرف الحقيقة."

في صباح اليوم التالي، ذهبت ليلى إلى بيت جدتها، مستغلة انشغال أمجد في العمل. كانت الجدة، الحاجة فاطمة، نبع الحكمة والهدوء. جلست بجانبها، وهي تحتسي الشاي.

"يا جدتي، هل تتذكرين شيئاً عن أيام أبي؟ عن أعماله؟" سألت ليلى، تحاول أن تبدو طبيعية.

ابتسمت الجدة بحنان. "أبوك كان رجلاً تقياً، يعمل بجد، ويحب عائلته أكثر من روحه. كان طموحاً، ويريد الأفضل لنا جميعاً."

"هل كان لديه أعداء؟ أشخاص يسعون لإيذائه؟"

نظرت الجدة إلى ليلى بعمق، كأنها تقرأ في عينيها ما لا تقوله. "يا ابنتي، كل ناجح لا بد أن يكون له حاسدون. لكن أباك كان قوياً، وكان دائماً على حق."

"أقصد، هل كان هناك شخص معين؟ شخص كان يسبب له قلقاً؟"

تنهدت الجدة. "كان هناك دائماً بعض المنافسين في العمل. ولكن لا أذكر شيئاً محدداً يقلق أباك كثيراً."

شعرت ليلى بخيبة أمل. يبدو أن الجدة لم تكن على علم بالتفاصيل الدقيقة. ولكن عندما كانت على وشك المغادرة، قالت الجدة فجأة: "أبوك كان يخاف على ممتلكاته، وكان يحفظ بعض الوثائق المهمة في مكان سري. كان دائماً يذكرني بالرف الثالث في قبو المنزل القديم."

ارتعشت ليلى. القبو؟ الرف الثالث؟ تطابق غريب. هل كان والدها يتحدث عن قبو منزل العائلة القديم؟ كان ذلك المنزل قد تم بيعه قبل سنوات، وانتقلوا إلى المنزل الجديد.

"منزلنا القديم؟ أين هو الآن؟" سألت ليلى بشغف.

"ما زال قائماً، يا ابنتي. يسكنه الآن شخص اشتروه منذ زمن. لكنه قريب."

شعرت ليلى بمسؤولية ثقيلة تقع على عاتقها. عليها أن تذهب إلى ذلك المنزل، وأن تبحث في القبو. لم تكن متأكدة مما ستجده، لكنها كانت تعلم أن هذه هي خطوتها التالية.

عندما عادت إلى منزلها، وجدت أمجد ينتظرها. كان وجهه يحمل آثار قلق.

"أين كنت؟ قلقلتني عليك." قال وهو يحتضنها.

"كنت عند جدتي، نسيت أن أخبرك." أجابت، تحاول أن تخفي توترها.

"كنت أظن أن هناك شيئاً. وجهك شاحب." قال وهو يمسح على شعرها.

"لا شيء، مجرد قليل من الإرهاق." كذبت، وشعرت بوخزة تأنيب.

في تلك الليلة، لم تستطع النوم مرة أخرى. كانت صور والدها، والرسالة، وكلمات جدتها، تتصارع في ذهنها. كان عليها أن تواجه هذا الخطر، وأن تكشف هذه الأسرار، مهما كان الثمن. كانت ليلة المواجهة تقترب، وليلى كانت مستعدة، وإن كان قلبها يرتجف من الخوف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%