زواج بالقدر الجزء الثالث
ظلال الماضي وشكوك الحاضر
بقلم سارة العمري
بعد عدة أيام، كان خالد قد تمكن من تأمين كمية صغيرة من العود الأزرق الأصيل، ذي الرائحة العميقة، التي تفوح منها هيبة الزمن. كانت العلبة المعدنية الصغيرة، التي وصلته من أحد تجار العطور الموثوقين، تبدو ككنـز ثمين. لكنه لم يكن يشعر بالرضا الكامل. فقد كانت رحلة البحث عن ياسمين الليل، وعن "حراس الينبوع"، لا تزال متعثرة.
"يا نور،" قال خالد عبر الهاتف، وكانت نبرته تحمل بعض الإحباط. "لقد سألتُ عن 'حراس الينبوع' في كل مكان. لا أحد يعرف عنهم شيئًا. يبدو أنهم اختفوا تمامًا من الذاكرة."
"هذا محبط حقًا،" أجابت نور. "لقد ذهبتُ إلى حديقة جدتي، ولكن لم أجد شيئًا مميزًا سوى شجرة الزيتون القديمة. رائحتها جميلة، ولكن لا يبدو أنها تحمل أي سر خاص."
"وماذا عن 'دمعة الندى'؟" سأل خالد. "لقد اقترب اكتمال البدر، وما زلنا لا نعرف كيف سنجمع الندى."
"لا أدري يا خالد. أشعر أننا عالقون. ربما... ربما هذه الوصفة ليست مستحيلة؟" قالت نور، وشعور بالشك بدأ يتسلل إلى قلبها.
"لا تقولي ذلك، يا نور." قال خالد بحزم. "والدتكِ لم تكن لتترك لكِ شيئًا مستحيلًا. لابد أن هناك تفسيرًا. ربما 'حراس الينبوع' ليسوا أشخاصًا، بل مكانًا؟ أو ربما شيئًا آخر؟"
"لكن كيف يمكننا البحث عن مكان لا نعرف عنه شيئًا؟" تساءلت نور، وقد خيم عليها اليأس.
في هذه الأثناء، كان هناك شخص آخر يراقب تطورات الأمور عن كثب. "سالم"، ابن عم بعيد للعائلة، رجل ذو سمعة مشبوهة، وكان له تاريخ من النزاعات المالية مع والدة نور. لقد سمع عن عودة نور، وعن بحثها عن إرث عائلتها. وكان يعتقد أن "إرث" الحاجة أمينة قد يكون أكبر بكثير مما تتخيله.
"هذه الفتاة... تبحث عن وصفة عطر؟" قال سالم لنفسه، وهو يشرب كوبًا من القهوة في مقهى منعزل. "الحاجة أمينة لم تكن مجرد عطارة. لقد كانت تعرف أسرارًا... أسرار عائلية، ربما تتعلق ببعض الممتلكات القديمة."
كان سالم يشك في أن نور قد وجدت شيئًا ذا قيمة. وكان ينوي أن يجعل الأمور أكثر صعوبة عليها.
في اليوم التالي، تلقت نور رسالة من جدتها، تطلب منها القدوم فورًا. عندما وصلت، وجدتها جالسة في الصالة، وعلى وجهها علامات قلق شديد.
"ما الأمر يا جدتي؟" سألت نور بقلق.
"لقد جاء سالم إلى هنا اليوم." قالت الحاجة فاطمة بصوت مرتجف. "وكان يتحدث عن والدتكِ، وعن إرثها. وسألني إذا كانت قد تركت شيئًا ثمينًا."
ارتعش جسد نور. "سالم؟ ماذا يريد؟"
"لقد كان يتحدث بغموض. قال إن والدتكِ ربما تركت شيئًا له قيمة كبيرة، ربما يتعلق ببعض الأراضي أو العقارات القديمة. وشكك في أن هذه الوصفة العطرية هي مجرد ستار لشيء أكبر."
"هذا جنون! أمي لم تكن تفكر إلا في العطور، وفي الحب!" قالت نور، وقد بدأت تشعر بالغضب.
"ولكن يا ابنتي، سالم ليس شخصًا سهلًا. إنه يعرف كيف يخيف الناس، وكيف يثير الشكوك. لقد ترك لي رسالة... يقول فيها إنه سيعود، وسيكشف عن الحقيقة."
شعر خالد، الذي كان حاضرًا، بالضيق. "إذن، هذا هو العقبة الجديدة. هذا سالم يحاول إحباطكِ، يا نور."
"ولكن لماذا الآن؟" تساءلت نور. "لقد مر وقت طويل منذ وفاة أمي."
"ربما علم بأنكِ بدأتِ في البحث عن إرثها." قال خالد. "وربما يعتقد أن هناك شيئًا ذا قيمة مادية كبيرة."
"لكن أمي كانت دائمًا تقول إن السعادة الحقيقية تأتي من الداخل، ومن الحب، ومن الرضا. لم تكن تهتم بالمال كثيرًا." قالت نور، وعيناها تلمعان بالإصرار. "لن أدعه يحبطني. لن أدعه يشكك في نوايا أمي."
"هذا هو الروح التي أحببتها في أمكِ، يا نور." قالت الحاجة فاطمة. "لكن كوني حذرة. سالم رجل خطير."
"س