زواج بالقدر الجزء الثالث
زهرة في صحراء الرماد
بقلم سارة العمري
كانت ليالي أحمد أشبه بصحراء شاسعة، لا تنتهي ولا تبدأ، تلفها الوحشة ويسكنها الرماد. بعد رحيل سارة، تلك الحمامة التي حلق بها إلى سماء لم يعرفها من قبل، أخذت الأيام تتشابه، والألوان تبهت، حتى غدا جسده وروحه مسكونين بفراغ لا يملؤه شيء. كان يعمل بجد، يغرق في أرقامه ومعاملاته، عله يجد في تعقيدات البورصة ملجأً من تعقيدات قلبه. لكن كلما خفت ضجيج العالم الخارجي، علت أصوات الذاكرة، وهمسات سارة تتردد في أرجاء شقته الفاخرة التي تحولت إلى قفص ذهبي.
في أحد الأيام، تلقى دعوة لحضور حفل تكريم لأحد رجال الأعمال البارزين في الخليج. اعتذر في البداية، لكن إلحاح صديقه المقرب، خالد، جعله يرضخ. "لنفسيتك يا أحمد، تحتاج إلى كسر هذا الروتين القاتل. ربما ترى وجوهاً جديدة، تنسى ما مضى قليلاً." كان خالد، بطبيعته المرحة والمتفائلة، السند الوحيد الذي لم يتخل عنه.
عند وصوله إلى قاعة الحفل الفخمة، غمرته الأضواء البراقة والأصوات المتداخلة. اعتاد على مثل هذه الأجواء، لكن شيئاً ما في هذا المساء كان مختلفاً. بينما كان يتجول بين الحاضرين، مرت بجانبه فتاة. لم تكن جميلة بمعايير الجمال السطحي، لكن كان في عينيها بريق، وفي وقفتها هيبة، وفي ابتسامتها صدق نادر. كانت ترتدي عباءة سوداء مطرزة بخيوط فضية، وشعرها الأسود ينسدل كشلال على كتفيها.
تجمد أحمد في مكانه. لم تكن سارة، بل كانت نسخة مصغرة منها، في إيماءاتها، في طريقة استدارتها، في الطريقة التي ابتسمت بها. انتابه شعور غريب، مزيج من الرجاء واليأس. اقترب منها ببطء، قلبه يخفق بعنف.
"آسف، هل نعرف بعضنا؟" سأل بصوت خفيض، متوقعاً أن تكون مجرد تشابه عابر.
رفعت الفتاة رأسها، ونظرت إليه بفضول. "لا أعتقد ذلك. أنا سميرة."
"سميرة؟" كرر الاسم، كأنه يبحث عن شيء فيه. "هل لي أن أسأل، هل لكِ أي صلة بعائلة النجار؟"
ارتسمت الدهشة على وجهها. "نعم، سميرة النجار. وكيف عرفت؟"
توقف الزمن. سميرة النجار. ابنة خال سارة. تلك الفتاة التي تحدثت عنها سارة مرة، بأنها كانت رفيقة دربها في الطفولة، وأنها تتمتع بذكاء حاد وشخصية مستقلة. لم يرها من قبل، لكن صورها في ذهن سارة كانت كافية لجعله يشعر وكأنه يعرفها.
"كنت أعرف سارة." قال أحمد، والصوت متقطع. "أنا أحمد. زوجها السابق."
اتسعت عينا سميرة بصدمة، ثم اختفت الدهشة وحل محلها حزن عميق. "أحمد؟ كنت أسمع عنها الكثير منك. آسفة جداً على... على كل شيء."
كانت كلماتها تحمل صدقاً لا مراء فيه. جلسا معاً على طاولة جانبية، بعيداً عن صخب الحفل، وبدأ أحمد يتحدث. لم يكن يتحدث عن علاقته بسارة، بل عن الفراغ الذي تركه غيابها، عن الألم الذي لم يجد له دواء. كانت سميرة تستمع بإنصات، وعيناها تعكسان تفهماً عميقاً.
"الحياة تستمر يا سيد أحمد، مهما كان الثمن." قالت بصوت هادئ. "وليس من الحكمة أن ندع الماضي يلتهم مستقبلنا."
"لكن كيف؟" سأل أحمد، بلهجة يائسة. "كيف أستطيع أن أتجاوز شيئاً كان كل شيء؟"
ابتسمت سميرة ابتسامة خفيفة، تحمل شيئاً من الأسى. "كل شيء هو مجرد لحظة في عمر الزمن. والقوة تكمن في القدرة على رؤية ما بعدها."
كانت كلماتها كبلسم، وإن كان بلسم جرح قديم. لم يسبق له أن تحدث مع امرأة غير سارة عن مشاعره بهذا الشكل. كان يخشى الاقتراب، يخشى أن يلدغ من نفس الجرح مرة أخرى. لكن سميرة كانت مختلفة. كانت فيها هدوء البحر، وقوة الجبل.
"هل أنتِ متزوجة؟" سأل أحمد فجأة، مدركاً حجم جرأته.
ترددت سميرة قليلاً. "كنت مخطوبة."
"و...؟"
"لم تكتمل. كانت هناك ظروف..." أجابت بصوت خفيض، وعيناها تبحثان عن أرضية ثابتة.
شعر أحمد ببوصلته الداخلية تتغير. لم يكن يبحث عن حب جديد، بل كان يبحث عن مخرج من عالمه المظلم. وسميرة، بطريقة ما، بدت كنجمة وحيدة تلوح في الأفق.
"ربما... ربما يمكننا أن نتحدث مرة أخرى؟" اقترح، مفاجئاً نفسه. "ربما يمكننا أن نجد في حديثنا بعض العزاء."
نظرت إليه سميرة، بعينيها اللتين تحملان عمقاً غريباً. "كما تشاء. حياتي مفتوحة لمن يبحث عن الصدق."
غادر أحمد الحفل تلك الليلة، يحمل معه شعوراً لم يعرفه منذ شهور. لم يكن الحب، ولا حتى الأمل، بل كان شيئاً أقرب إلى الحيرة. حيرة بين ماضٍ مؤلم وحاضر يلوح ببصيص من نور. كان يعلم أن الدخول في حياة سميرة قد يكون خطراً، وأن جرح سارة لم يلتئم تماماً. لكنه في نفس الوقت، شعر بنداء خفي، كأن القدر يهمس له بفرصة أخرى، فرصة ليبني من رماد الماضي حياة جديدة، حياة قد تكون أجمل.
عند عودته إلى شقته، نظر حوله. الغرف الفارغة، الصور الصامتة، الصمت الذي يعتري كل شيء. لكنه لأول مرة، لم يشعر بهذا الثقل المطبق. كان في عقله صورة سميرة، وجهها الهادئ، كلماتها الصادقة. كانت زهرة نادرة، وجدت طريقها لتنمو في صحراء رماده.
في صباح اليوم التالي، بينما كان يجلس على مكتبه، يستعرض تقاريره المالية، لم يكن تركيزه كاملاً. كانت صورة سميرة تتسلل إلى ذهنه، تجعله يتساءل عن قصتها، عن أحلامها. كان قد وضع نفسه في مفترق طرق، ومسار سميرة بدا جذاباً، لا لذاته، بل لما قد يمثله من إمكانية للشفاء. لكنه في الوقت ذاته، كان يخشى أن يكون مجرد استغلال لحاجته، أو رغبة في ملء الفراغ. كان يعلم أن عليه أن يكون صادقاً مع نفسه، ومعها. لكن هل كان قادراً على ذلك؟ هل كانت رغباته المدفونة كافية لتقوده نحو علاقة مبنية على الشفاء، أم أنها مجرد انجراف نحو وهم جديد؟
تسلل شعور بالقلق إلى قلبه. كانت سميرة تبدو كإجابة، لكنه كان يخشى أن تكون الإجابة تلك تحمل في طياتها أسئلة أصعب. هل سيتمكن من تجاوز ذكرى سارة حقاً، أم سيظل ظلها يطارده؟ هل كانت هذه بداية قصة جديدة، أم مجرد فصل آخر من فصول الألم؟
كانت الأيام المقبلة حاسمة. عليه أن يقرر، هل سيغلق باب الماضي ويفتح نافذة الحاضر، أم سيبقى سجيناً لأشباح ذكرياته؟ التساؤلات تتكاثر، والإجابات لا تزال بعيدة. كان يعلم أن هذا القرار لن يؤثر عليه وحده، بل قد يمتد تأثيره إلى عالم سميرة أيضاً. كان عليه أن يكون حذراً، وأن يتصرف بعقل، لا بعاطفة جامحة. لكن القلب، يا له من تابع عنيد!