زوجي الغريب
همس الريح فوق التلال
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس تودع الأفق بوشاح من النيران الخالدة، ترسل آخر خيوطها الذهبية لتتسلل عبر ثنايا رداء الجبل الشامخ الذي يحتضن قرية "الفيحاء" الهانئة. وقفت "ليلى" على شرفة منزلها العتيق، تستنشق عبير التراب الندي ونسيم المساء العليل الذي يحمل معه أصداء الحياة اليومية. كانت عيناها، بلون البنفسج العميق، ترصدان اختفاء آخر نور في سمفونية الغروب، وقلبها يخفق بإيقاع لم تعهده من قبل. لم تكن هذه مجرد لحظة تأمل عابرة؛ بل كانت وقفة استجماع قبل الانطلاق نحو مصير نسجته الخيوط الخفية للقضاء.
في يدها، أمسكت بقطعة قماش مطرزة بعناية فائقة، كانت هدية جدتها الراحلة. نقوش زهرية برتقالية اللون تلتف حول عبارة مكتوبة بخط عربي أنيق: "رباط مقدس، وعهد أبدي". تنهدت ليلى، متذكرة كلمات جدتها الحنونة قبل سنوات: "يا ابنتي، الزواج رحلة، والحب فيه نور يضيء الدرب. اجعلوا قلوبكم مطهرة، وأرواحكم متعانقة، ليتقبل الله زواجكم ويجعله مباركاً." كانت تلك الكلمات محفورة في ذاكرتها، دليلاً لها في عالم تتداخل فيه الأحلام بالواقع، والرغبات بالعادات.
لم تكن ليلى مجرد فتاة من قرية صغيرة؛ بل كانت فنانة بمعناها الحقيقي. أصابعها الرشيقة التي اعتادت مداعبة أوتار العود، وتحويل القماش الأبيض إلى لوحات فنية نابضة بالحياة، كانت اليوم تحمل عبء قرار سيغير مسار حياتها. عُرض عليها الزواج من "شهاب"، الشاب الذي لطالما سمعت عنه القصص. شابٌ طموح، ذو نسب رفيع، ورث عن أبيه تجارة واسعة في المدينة الكبرى. لكن ما ميزه عن غيره، وفق ما تناقلته الأحاديث، هو غرابة أطواره، وشيء من الانعزال في عالمه الخاص. لم يقابلها قط، ولم تخطُ خطواته الأولى نحو بيت أبيها. كان الأمر برمته أشبه بصفقة تعقد في الظلام، وتُختتم بمباركة أهل القرية.
"ليلى، يا ابنتي، هل أنتِ مستعدة؟" صوت والدتها، السيدة "فاطمة"، قطع خلوتها. تقدمت الأم بخطوات وئيدة، تحمل صينية فضية عليها كأس من اللبن البارد وبعض قطع التمر. عيناها، رغم آثار الزمن، كانت لا تزال تعكس حباً عميقاً وقلقاً واضحاً. "قادمة يا أمي،" أجابت ليلى بصوت حاولت أن تجعله مطمئناً، لكنه كان يحمل نبرة خفية من التوتر. وضعت فاطمة الصينية على طاولة صغيرة جانب الشرفة. "أتفهم قلقك، حبيبتي. لكن شهاب شابٌ صالح، وأبوكِ وافق بعد تفكير عميق. سمعته طيبة، وعائلته كريمة. ولعله سيجد في زواجكما سكينةً ورفقة." ابتسمت ليلى بمرارة خفيفة. "لكنني لم أقابله قط، يا أمي. كيف لي أن أتقبل رجلاً لا أعرفه، ولا يعرفني؟" "الحياة يا ليلى ليست دائماً كما نتخيلها. أحياناً، تأتي الأمور إلينا بطرق لم نتوقعها. والثقة بالله، يا ابنتي، هي مفتاح كل شيء. اذهبي، ارتدِي ثوبكِ الذي جهزناه. الضيوف على وشك الوصول."
نهضت ليلى، وشعرت بثقل المسؤولية يزداد. دخلت إلى غرفتها، حيث كان ثوب زفافها ينتظرها. كان بسيطاً وأنيقاً، من قماش الساتان الأبيض الذي ينسدل بنعومة، مطرزاً بخيوط فضية لامعة على الأكمام والياقة. فتحت خزانة ملابسها، وأخرجت قطعة قماش حريرية زرقاء اللون، كانت قد رسمت عليها زهرة اللوتس بلونها المائي العميق. وضعت اللوحة الفنية الصغيرة في حقيبتها، كأنها تتشبث بشيء من عالمها الخاص قبل أن تغوص في عالم جديد.
بعد دقائق، كانت تقف أمام مرآة كبيرة في قاعة الاستقبال، وقد ارتدت ثوبها. شعرها الأسود الفاحم، المزين ببعض زهور الياسمين البيضاء، انسدل على كتفيها. لم تكن جميلة بالمعنى التقليدي الصارخ، لكنها كانت تملك سحراً هادئاً، ورقةً تنطق بالجمال الداخلي. حين نظرت إلى انعكاسها، لم ترَ ليلى الفتاة التي تقضي أيامها بين ريشاتها وألوانها، بل رأت عروساً تقف على عتبة حياة مجهولة.
صوت الأذان قد بدأ يصدح من مئذنة المسجد، معلناً وقت صلاة العشاء. سارعت ليلى نحو دورة المياه لتتوضأ، ثم توجهت نحو مصلاها الصغير في زاوية الغرفة. رفعت يديها، ودعت الله من كل قلبها: "يا رب، يا وليّ نعمتي، يا مؤلف القلوب، ارزقني من لدنك زوجاً تقياً، صالحاً، محباً، يألفني وآلفه. اجعل لي في هذا الزواج خيراً وبركة، واهدني سواء السبيل."
عندما عادت إلى قاعة الاستقبال، كان منزلهم قد امتلأ بوجوه أهل القرية، وصوت الأحاديث المتشوقة. كان والدها، السيد "عمر"، رجلاً طيباً، طويل القامة، ذا لحية بيضاء تزيد وجهه وقاراً. كان يجلس في صدر المجلس، ويتحدث مع كبار العائلات. والدتها كانت تتولى ضيافة النساء، وابتسامتها الممزوجة بالقلق لا تفارق وجهها.
وفجأة، هدأت الأصوات. تحول كل الانتباه نحو الباب الرئيسي. دخل رجلٌ لم يكن متوقعاً. لم يكن هو شهاب، العريس الغامض. بل كان شخصاً يبدو عليه الشاب، لكن وجهه يحمل شيئاً من التعب والجلال. يرتدي ثياباً أنيقة، لكنها ليست من الطراز المعتاد في الفيحاء. شعر أسود قصير، وعينان عميقتان، تبدوان وكأنهما تحملان أسراراً لا تحصى.
قال والد ليلى بصوتٍ بدا فيه شيء من المفاجأة والاحترام: "أهلاً بك يا سيدي. لم نكن نتوقع تشريفك الليلة. هل أنت من آل شهاب؟" ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، لم تصل إلى عينيه. "لست شهاباً، يا سيدي. أنا "فارس"، سكرتير شهاب. لقد أرسلني نيابة عنه. لديه أمرٌ طارئٌ يمنعه من الحضور الليلة." ساد صمتٌ غريب المكان. ليلى، التي كانت تقف خلف والدتها، شعرت بقلبها يقفز إلى حلقها. رجلٌ آخر؟ سكرتير؟ في ليلة عقد قرانها؟
تابعت السيدة فاطمة، وقد علت وجهها علامات الدهشة والاستياء: "ولكن، كيف؟ العقد سيُعقد الليلة. والرجال هنا، وشاهدون." وقف فارس، وألقى نظرة سريعة خاطفة على ليلى، نظرة حملت شيئاً من التقييم، لكنها اختفت بسرعة. "شهاب يعتذر بشدة. لقد أرسلني ليبلغكم أن ظروفاً خارجة عن إرادته حالت دون حضوره. ولكنه يؤكد رضاه التام عن هذا الزواج، ويطلب منكم توكيل شخصٍ ليوقع العقد نيابة عنه." كانت الكلمات كالصواعق. ليلى شعرت بأن الأرض تميد بها. عقدٌ يوقع بالنيابة؟ عن رجل لم تره قط؟
أردف فارس، وكأنه يقرأ ما يدور في أذهان الجميع: "شهاب قد أرسل إليّ كل الصلاحيات اللازمة، ووكيلاً قانونياً ليكون شاهداً ومرجعاً. وهو على استعداد تام لتقديم أي تعويضٍ ترونه مناسباً لعدم حضوره." نظر السيد عمر إلى وجه ابنته، فراءى الارتباك والقلق. ثم نظر إلى وجوه الضيوف، ورأى خليطاً من الذهول والانتقاد. في هذا المجتمع، لم يكن لمثل هذه الأمور مكان. كان العقد حدثاً عائلياً بامتياز، يتطلب حضور العريس شخصياً.
تحدث أحد الشيوخ، بصوتٍ خشن: "هذا أمرٌ غريبٌ جداً. لم نسمع بمثل هذا. العقد يبرم بين شخصين، وليس بين وكيلين." بدا فارس هادئاً، لكنه كان يحمل في عينيه شيئاً من التصميم. "أتفهم استغرابكم، يا سيدي. ولكن شهاب يعتمد على تفهمكم. لقد أرسل هذا." مد فارس يده إلى حقيبة جلدية أنيقة، وأخرج منها ظرفاً ذهبياً مختوماً. وضعه على طاولة أمام السيد عمر. "هذا عقدٌ جديد، صيغ بعناية. يحتوي على كل الشروط التي وافق عليها الطرفان. ويشمل أيضاً تعويضاً مالياً كريماً لكم، كعربون تقديرٍ لتفهمكم."
فتحت ليلى عينيها على اتساعهما، وهي تنظر إلى الظرف الذهبي. لم تكن الأمور تسير كما خططت لها جدتها، ولا كما تمنت هي. كانت تقف على مفترق طرق، لا تعرف أي دروب سيؤدي بها إليه. لم يكن هذا هو اللقاء الأول الذي تخيلته، ولا هذا هو العريس الذي رسمت صورته في ذهنها. كانت هذه بدايةً غريبة، ونذيراً لمستقبلٍ أكثر غرابة. همس الريح فوق التلال حمل معه أصداءً مبهمة، وكأنها تحذرها مما هو آتٍ.