الفصل 14 / 25

زوجي الغريب

همسات الليل وأسرار القلب

بقلم مريم الحسن

كانت ليلةٌ حالكة السواد، تلفّ أرجاء منزل الحاج منصور بعباءةٍ صامتة، لم تكسر سكونها سوى حفيف أوراق الشجر المجاورة، وهمسات الريح التي تعزف لحنًا حزينًا على أوتار النوافذ. داخل غرفتها، حيث يتسرب ضوء القمر خجولًا من بين ستائرها المخملية، كانت فاطمة تستلقي على فراشها، وقلبها يعجّ بالحيرة والقلق. لم يكن هدوء زوجها، أحمد، الذي شهدته في الأيام الأخيرة، إلا زيادةً في اضطرابها. كان يتجنب عينيها، يتحاشى أحاديثها المطوّلة، ويمضي ساعاتٍ طويلة في مكتبه، يعود بعدها متعبًا، بالكاد يبادلها بضع كلماتٍ باردة.

تذكرت كلماته الأخيرة، حين تحدث عن سفره المفاجئ، عن عملٍ طارئٍ استدعاه. لم تكن تتهمه بالكذب، ولكن شيئًا في أعماقه كان ينبئها بأن هناك ما هو أعمق من مجرد سفر عمل. هل هي شكوكٌ تراودها؟ أم أن طبيعة العلاقة التي بدأت بينهما، والتي لم تتجاوز بعد حدود الاحترام الممزوج بالريبة، تجعلها تبحث عن تفسيراتٍ في كل زاوية؟

مدّت يدها إلى طاولة السرير، فأمسكت بحافظةٍ جلديةٍ صغيرة. كانت هديته الأولى لها، يوم وعدها بالزواج. فتحتها بحذر، لتجد بداخلها قصاصاتٍ ورقيةً مطويةً بعناية. كانت رسائل منه، بعضها مكتوبٌ بخطٍ أنيقٍ، وبعضها الآخر مجرد ملاحظاتٍ سريعة. قرأت كلماتٍ عن تقديره لها، عن إعجابه بصبرها، وعن أمله في بناء مستقبلٍ سعيد. لكن في إحدى الرسائل، التي بدت أقدم من الأخريات، كانت هناك عباراتٌ غامضةٌ أثارت فضولها: "الماضي ثقيلٌ، ولكنني أسعى للتخلص منه." و"هناك أعباءٌ أحملها وحدي، آمل أن تفهمي يومًا."

شعرت بوخزةٍ في قلبها. أي ماضٍ كان يتحدث عنه؟ وأي أعباءٍ كانت تثقله؟ لم يكن أحمد رجلًا يتحدث عن مشاعره بسهولة، وغالبًا ما كان يخفي جوانب من حياته خلف قناعٍ من الهدوء الظاهري. لكن هذه الغموض، الذي كان يميّزه في البداية، أصبح الآن مصدر قلقٍ لها.

نهضت من فراشها، وتسللت بخفةٍ نحو مكتبه. كان نورٌ خافتٌ يتسرب من تحت الباب، يوحي بأنه لا يزال مستيقظًا. وقفت للحظة، تستمع إلى همساتٍ خافتةٍ تأتي من الداخل. لم تكن كلماتٍ واضحة، بل أشبه بحديثٍ منفرد، أو مكالمةٍ هاتفيةٍ مغلقة. انتابها شعورٌ غريب، مزيجٌ من الخوف والفضول. هل كان يتحدث إلى شخصٍ ما؟

فتحت الباب ببطءٍ شديد، لتجد أحمد جالسًا على كرسيه، وظهره لها، يحدق في شاشة حاسوبه المحمول. بدا غارقًا في عمله، ولكن الصوت الذي سمعته كان مختلفًا عن نبرة صوته المعتادة. "أحمد؟" نادت بصوتٍ خفيض. انتفض أحمد، واستدار نحوها بسرعةٍ أكبر مما اعتاد. تبدو على وجهه علامات المفاجأة، وربما بعض التوتر. "فاطمة؟ ماذا تفعلين هنا؟" "لم أستطع النوم،" قالت وهي تدخل الغرفة، محاولةً إخفاء ارتباكها. "رأيت النور، فظننت أنك تعمل." "نعم، أعمل." قال وهو يغلق الحاسوب المحمول ببطء. "مهمةٌ طارئة." "لم أسمع صوتك منذ فترة." قالت وهي تجلس على حافة الكرسي المقابل له، عيناها تبحثان في عينيه عن إجابات. "أنا مشغولٌ يا فاطمة. تعرفين طبيعة عملي." قال بلهجةٍ تبدو منهكة. "لكنك لم تكن هكذا من قبل. أنت تبدو مختلفًا." الصمت سيد الموقف. نظر أحمد إلى يديه، ثم إلى الأرض. "الحياة مليئةٌ بالمفاجآت يا فاطمة. وأحيانًا، تجبرنا الظروف على التغيير." "هل هناك شيءٌ يزعجك؟" سألته بصوتٍ هادئ، محاولةً كسر حاجز الصمت. "يمكنك التحدث معي." ابتسم أحمد ابتسامةً باهتة. "أنا بخير. لا تقلقي." "لا أصدقك. أنا أشعر بأن هناك شيئًا تخفيه عني." ارتفع حاجب أحمد. "لا أخفي شيئًا." "إذن، لماذا تتجنبني؟ ولماذا كنت تتحدث بصوتٍ خافتٍ قبل قليل؟" استدار أحمد بظهره مجددًا، وأشعل سيجارةً. "كنت أتحدث مع نفسي." "لم أسمع صوتك يتحدث مع نفسه بهذا الشكل." قالت فاطمة، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها. نهض أحمد، ووقف أمامها. وضع يده على كتفها، لكن لم يكن هناك دفءٌ في لمسته. "أنا آسفٌ إن كنت قد آذيتك. ولكن هناك أمورٌ لا أستطيع مشاركتها الآن." "هل هي متعلقةٌ بعملك؟" "نعم، وعلاقةٌ بشيءٍ آخر." قال بتلميحٍ غامض. "ما هو هذا الشيء الآخر؟" "فقط امنحيني بعض الوقت يا فاطمة. كل شيءٍ سيكون على ما يرام." خرج أحمد من الغرفة، وترك فاطمة وحيدةً مع أفكارها المتزايدة. تذكرت مرةً أخرى الرسائل، وكلمات "الماضي ثقيلٌ". هل كان أحمد يواجه مشكلةً كبيرة؟ وهل كان زواجهما، الذي لم يمضِ عليه وقتٌ طويل، مهددًا بسبب أمورٍ لا تعرفها؟

في تلك الأثناء، كانت أمل، صديقة فاطمة المقربة، تتحدث هاتفيًا مع أخيها، سعيد. "أحمد كان يبدو قلقًا للغاية اليوم،" قالت أمل. "عندما ذهبت لأطمئن عليه، سمعته يتحدث مع أحدهم عبر الهاتف بصوتٍ منخفض. بدا الأمر وكأنه يواجه مشكلةً كبيرة." "هل تعرفين مع من كان يتحدث؟" سأل سعيد. "لا. ولكن كان صوته مليئًا بالحزن واليأس. لم أره هكذا من قبل." "هذا غريب." قال سعيد. "لقد لاحظت أيضًا بعض التغييرات عليه. يبدو وكأنه يحمل همومًا كثيرة." "هل تعتقد أنه قد تكون هناك مشكلةٌ في عمله؟" "لا أعتقد أن الأمر يتعلق بالعمل فقط. هناك شيءٌ أعمق. ربما علينا أن نراقبه بحذر." "لا أريد أن أقلق فاطمة أكثر." قالت أمل. "ولكنني قلقةٌ عليه. هو وزوجته." "أعلم. ولكن إذا كان هناك خطرٌ، فيجب أن نكون مستعدين. هل تحدثتِ مع فاطمة عن ملاحظاتك؟" "لا، لم أذكر شيئًا. أريد أن أتأكد أولًا. ربما أكون أبالغ في التفكير." "لا تبالغي. ولكن كوني يقظة. أحيانًا، تبدأ المشاكل الصغيرة وتتفاقم إذا لم يتم التعامل معها مبكرًا." أغلقت أمل الخط، وشعرت بثقلٍ أكبر يقع على عاتقها. بدأت تشعر بأن هناك مؤامرةً خفيةً تتكشف، وأن صمت أحمد الغامض هو مفتاحها.

في تلك الليلة، لم ينم أحمد كثيرًا. كان يمضي وقته في استرجاع ذكرياتٍ مؤلمة، وبحث عن حلولٍ لمشكلةٍ بدت أكبر من قدرته على التحمل. هل كان يدرك أن صمته، الذي كان يحسبه درعًا له، أصبح هو نفسه سهمًا يطعن قلب زوجته؟ وهل كان يعلم أن تضارب مشاعره، بين حبٍ بدأ ينمو، وعبءٍ يثقل كاهله، سيقوده إلى طريقٍ لا يعرف نهايته؟

ارتسمت على وجهه علامات الإرهاق، ليس فقط جسديًا، بل روحيًا أيضًا. كان يعلم أنه يقف على مفترق طرق، وأن قراراته القادمة ستحمل عواقب وخيمة، ليس عليه وحده، بل على فاطمة، وعلى مستقبل علاقتهما الذي بدأ يتشكل ببطءٍ ولكن بحذر. تنهد بعمق، ونظر إلى صورةٍ معلقةٍ على مكتبه. كانت صورةٌ قديمة، تجمع شابًا مبتسمًا مع امرأةٍ تبدو جميلةً وهادئة. لم تستطع فاطمة رؤيتها، لأن أحمد كان يضعها في زاويةٍ لا تصل إليها العين بسهولة. ولكنها كانت جزءًا من ماضيه، جزءًا من الأسرار التي كان يكتمها.

ما هي هذه الأسرار؟ وما هو هذا الماضي الثقيل الذي يلاحقه؟ وهل ستتمكن فاطمة من اختراق جدار صمته، أو هل ستتكسر أحلامها على صخرة هذه الغموض؟ هذه الأسئلة تدور في رأس فاطمة، وتزيد من قلقها، وتجعل من مستقبلها مع أحمد، مستقبلًا غامضًا، مليئًا بالتحديات، وبالأسرار التي تنتظر أن تُكشف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%