زوجي الغريب
بين اعترافات الماضي وهمسات المستقبل
بقلم مريم الحسن
ظل يوسف واقفاً في مكانه، كتمثال من الشمع، والكلمات تتلاطم في رأسه كأمواج عاتية. والد؟ والد كان يراه قدوة، رمزاً للنزاهة والقوة... هل خان كل هذه القيم؟ هل استغل حب ابنه، وزوّر وثائق، وجعل زواجه من نوران، الفتاة التي أحبها، زواجاً غير مكتمل الأركان؟
نظرت نوران إلى يوسف، ورأت عينيها تلمعان بالدهشة والألم. كانت تتمنى لو تستطيع أن تمحو هذه الحقيقة من ذاكرته، وأن تعيد الأيام إلى ما كانت عليه قبل هذه اللحظة القاتلة.
"لا أفهم..." قال يوسف بصوت مخنوق، وهو يمسك برأسه. "كيف... كيف يمكن أن يكون هذا؟"
"لقد كان والدك يخفي عنك أموراً كثيرة يا يوسف،" قالت الأم بحزن، وهي تشير إلى نوران. "كان يخشى أن يؤثر ذلك على زواجك بفتاة أخرى كما ذكرت في رسالته. لقد حدث خطأ كبير، والآن علينا أن نواجهه."
"لكن... لكن كيف؟" سأل يوسف، وهو يرفع بصره نحو نوران. "هل... هل ما زلتِ...؟"
لم يستطع إكمال السؤال. لكن نظرة نوران إليه أجابته. كانت لا تزال تحبه، لكن الأمل في عينها كان يتلاشى ليحل محله الخوف.
"أنا أحبك يا يوسف،" قالت نوران بصوت واهن، وبدأت الدموع تنهمر على خديها مرة أخرى. "لكن... ما هو مصيرنا الآن؟"
"ما هو مصيرنا؟" تردد يوسف الكلمة. نظر إلى يديه، ثم إلى وجه نوران. "لا أعرف... لا أعرف كيف يمكن أن نستمر. كل شيء... كل شيء بدا وكأنه مبني على أساس متين، والآن... تهاوى."
"ليس كل شيء تهاوى يا بني،" قالت الأم بحزم، تحاول لملمة شتاتهم. "مشاعركم لم تكن زيفاً. حبكم حقيقي. المشكلة هي في الشرع، في الأوراق. يمكننا إصلاح ذلك."
"إصلاحه؟" تساءل يوسف. "كيف؟ هل نذهب إلى المحكمة؟ هل نعلن للناس أن زواجنا كان باطلاً؟"
"ليس بالضرورة يا يوسف. يمكننا أن نبدأ من جديد. إذا كنت أنت ما زلت ترغب في نوران، وهي ما زالت ترغب فيك، يمكننا عقد قران جديد، بكل الأركان الصحيحة. هذا هو الحل الشرعي."
نظر يوسف إلى نوران. كانت عيناهما تلتقيان، وكل منهما يبحث عن إجابة لدى الآخر. كان حبهما قوياً، لكن الصدمة كانت كبيرة. كيف يمكن أن يستعيدا الثقة بعد هذه الخيانة من أقرب الناس؟
"لكن... والدك..." قال يوسف، وهو يشعر بالمرارة تملأ فمه. "لا أعرف كيف سأواجهه. كيف يمكن أن أثق به بعد الآن؟"
"هذا أمر آخر يا يوسف،" قالت الأم. "هذا يتعلق بعلاقتك بوالدك. لكن علاقتك بنوران... هي ما يهمنا الآن. هل ما زلت تريدها؟"
صمت يوسف. هل يريد نوران؟ نعم، بالتأكيد. لكن كيف يمكن أن يتجاوز هذا الإحساس بالخيانة، بهذا القدر من الألم؟
"أنا... أنا أريدها،" قال يوسف أخيراً، وصوته يرتجف. "لكن... هذا صعب يا أمي. الأمر كله صعب."
"أعلم أنه صعب يا بني. لكن الحياة مليئة بالصعاب. المهم هو أن نتجاوزها معاً."
"لكن كيف؟" سأل يوسف. "هل نعود إلى بيت والدي؟ هل أطلب منه أن يتدخل؟"
"لا، لا داعي لذلك الآن. الأمر كله يجب أن يكون بيننا. أنت ونوران. سنقوم بإجراءات عقد جديد، بكل الشروط. سنستأذن من الأهل، وسنعقد قراناً جديداً. هذه هي الطريقة الوحيدة."
"عقد جديد؟" ترددت نوران الكلمة. هل سيكون هذا كافياً؟ هل يمكن للحب أن يولد من جديد فوق رماد ثقة مهشمة؟
"هذا هو الحل الأفضل،" قالت الأم. "وسأكون بجانبكم في كل خطوة. والآن، يجب أن نفكر في الخطوة التالية. هل سنخبر أحداً بهذا؟"
"لا،" قال يوسف بحزم. "لن نخبر أحداً. هذا الأمر بيننا. ولا أريد أن تنتشر هذه الشائعات. خاصة مع والدي."
"بالتأكيد،" قالت نوران. "لا أريد أن يعلم أحد بهذا. يكفي ما حدث."
"إذن، سنبدأ من جديد،" قالت الأم، وهي تنظر إلى يوسف ثم إلى نوران. "سنقوم بترتيبات عقد قران جديد. وسنطلب من الشهود أن يشهدوا مرة أخرى. ولكن هذه المرة، ستكون كل الأوراق سليمة."
"لكن... ما الذي سيحدث لوالدك؟" سأل يوسف، ولا يزال يشعر بالصدمة.
"هذا ما سنناقشه لاحقاً،" قالت الأم. "الآن، الأولوية هي لعلاقتكم. يجب أن نتجاوز هذه الأزمة."
جلست نوران، وشعرت بإرهاق شديد. أمامها مستقبل غامض، مليء بالتساؤلات. هل يمكنها أن تثق بيوسف مرة أخرى؟ هل يمكن ليوسف أن يسامح والده؟ وهل يمكن لعلاقة ولدت من قلب الحب أن تصمد أمام هذه العواصف؟
"يوسف..." بدأت نوران، وهي تنظر إليه بعينين دامعتين. "أنا... لا أعرف ماذا أقول. قلبي يؤلمني... لكنني أرى في عينيك الرغبة في الاستمرار."
"نعم، أريد الاستمرار يا نوران،" قال يوسف، ويده ترتعش وهو يمسك بيدها. "أحبك... وأريد أن أكون معك. لكن... يجب أن نتجاوز هذه العقبة. وهذه الخيانة."
"الخيانة..." ترددت الكلمة. كانت نوران تشعر بأنها تخون ثقة أهلها، وأنها تقف أمام مستقبل غير واضح.
"علينا أن نمنح أنفسنا فرصة،" قالت الأم. "فرصة لإعادة بناء الثقة. فرصة للحب أن يزهر من جديد. هذه ليست نهاية الطريق، بل هي بداية جديدة."
"بداية جديدة..." رددت نوران الكلمة، محاولة استيعاب معناها. هل يمكن لهذه البداية الجديدة أن تكون أجمل من سابقتها؟ هل يمكن للحب أن يتجاوز الأخطاء، ويتجاوز الخيانات؟
"سنفعل كل ما يلزم،" قال يوسف، وهو ينظر إلى نوران بعزم. "سنعيد كل شيء إلى ما يجب أن يكون. وسنكون أقوى."
"ولكن... ما رأيك في والدي؟" سأل يوسف. "كيف سأتعامل معه؟"
"هذا ما سنناقشه بعد أن نحل مشكلتنا مع نوران،" قالت الأم. "الآن، يجب أن نركز على عقد القران الجديد. سأساعدكم في كل شيء."
وبينما كانت نوران تنظر إلى يوسف، شعرت بأن هناك بصيص أمل يتسلل إلى قلبها. ربما، ربما يمكن لهذا الحب أن يتجاوز كل شيء. ربما، يمكن لهذه البداية الجديدة أن تكون أجمل. لكن شبح الخيانة، وشبح الكذب، كان لا يزال يلوح في الأفق، يهدد بابتلاع كل أحلامهم.