زوجي الغريب
ضباب المدينة الكبير
بقلم مريم الحسن
بعد رحيل فارس، سكرتير شهاب، لم يكد بيت السيد عمر يلتقط أنفاسه. الصدمة كانت بادية على الوجوه، والهمسات بدأت تتصاعد كدخانٍ خفي. ليلى، وقد بدأت مراسم عقد قرانها تتأجل إلى أجلٍ غير مسمى، شعرت بثقلٍ جديد يطبق على صدرها. لم يكن الأمر متعلقاً فقط بغياب العريس، بل بطريقة غيابه، والرسالة التي حملها السكرتير. كان الأمر برمته يوحي بخطواتٍ محسوبة، ورغبةٍ في إتمام الأمر بأقل قدرٍ من التواصل المباشر.
"يا أبي، كيف هذا؟" سألت ليلى بصوتٍ مرتجف، وقد استطاعت أن تسحب والدها إلى غرفة جانبية، بعيداً عن أعين المتطفلين. "لم أعرف أنه غائب، ولم أعرف أن لديه أموراً مهمة تمنعه. ولم أسمع قط بعقدٍ يُبرم بهذه الطريقة." تنهد السيد عمر، وفرك حاجبيه بتعب. "لم أتوقع ذلك أيضاً يا ابنتي. ولكن، كما رأيتِ، الرجل كان يحمل صلاحياتٍ واضحة. وشهاب، بحسب ما عرفنا عنه، رجلٌ واسع الحيلة، وعلاقاته متشعبة. ربما هذه هي طريقته في إتمام الأمور." "لكنني لم أقابله قط! كيف لي أن أرتدي ثوب عروسٍ وأنا لا أعرف من سأعيش معه؟" ارتفعت نبرة ليلى، مع امتزاجٍ من الإحباط والألم. "اهدئي يا ابنتي،" قال والدها بحنان. "أعرف أن هذا الأمر مزعج. لكننا لن نتسرع. سأنتظر حتى يأتي شهاب بنفسه. لن نوافق على أي شيء بالنيابة. سمعة عائلتنا، وكرامتكِ، فوق أي اعتبار." شعر قلب ليلى ببعض الارتياح. ثقة والدها بها منحها بعض القوة. لكن الصورة التي رسمها لها فارس عن شهاب - شابٌ غامض، لديه أمورٌ طارئة، ويستخدم وكلاءه - لم تغادر خيالها.
في الأيام التالية، استقبلت ليلى أخباراً متضاربة عن شهاب. البعض قال إنه سافر في رحلة عملٍ مفاجئة، والبعض الآخر همس بأنه كان في مهمةٍ خاصة تتعلق بتجارته. كانت المدينة الكبرى، التي يقطنها شهاب، تبدو أبعد من مجرد مسافة جغرافية؛ كانت عالمًا آخر، له قوانينه وأسراره.
ذات صباح، وصل خبرٌ إلى بيتهم. شهاب قد عاد، ويرغب في مقابلة السيد عمر. كان اللقاء محدداً في بيت والدها، بحضور بعض كبار العائلة. ليلى، بطبيعة الحال، لم يكن مسموحاً لها بالحضور. لكنها استطاعت، بذكاءٍ، أن تتسلل إلى غرفة قريبة، وتستمع إلى بعض أطراف الحديث.
سمعت صوت والدها، هادئاً ورصيناً: "أهلاً بك يا شهاب. نتفهم ظروفك، لكنك تعرف أننا لا نقبل بمثل هذه الطريقة في إتمام أمرٍ كهذا." جاء صوت شهاب، عميقاً، فيه شيء من الهدوء المعتاد، لكنه كان يحمل نبرةً قوية: "أتفهم موقفكم تماماً، سيدي. ولذلك، جئت بنفسي لأقدم اعتذاري. كان أمراً طارئاً لا مفر منه. ولكني الآن هنا، لأؤكد لكم أنني ما زلت على رغبتي في إتمام هذا الزواج. وأنا مستعدٌ لتقديم أي ضماناتٍ تريح قلوبكم." "نحن نريد أن نراك، يا بني،" قال أحد أعيان القرية، وهو عم ليلى. "نريد أن نرى الرجل الذي سنزوج ابنتنا إليه. سمعنا قصصاً عنك، قصصٌ فيها شيء من الغموض. ونحن أناسٌ بسطاء، نحب الوضوح." ضحك شهاب ضحكة خفيفة، بدت وكأنها تخفي خلفها الكثير. "الغموض يا سادة، قد يكون أحياناً قناعاً يخفي وراءه حرصاً شديداً. حرصاً على خصوصية، وحرصاً على بناءٍ متين. ولكن، سأفتح لكم باب عالمي شيئاً فشيئاً. وأعدكم، بأن ابنتكم ستجد فيّ كل ما تتمناه من سترٍ وأمانٍ ومحبة."
لم تستطع ليلى سماع المزيد. شعرت بأن هناك شيئاً في صوت شهاب، في طريقة كلامه، جعلها تشعر بالفضول. كان مختلفاً عن الصورة التي رسمها لها فارس. كان فيه شيء من الحزم، وربما بعض الحكمة.
بعد انتهاء اللقاء، جاء والدها إليها، وقد علت وجهه علامات التفكير. "قابلت شهاب يا ليلى. رجلٌ ذو شخصية قوية، وعلاقات واسعة. يبدو أنه يعمل في المدينة الكبرى، وله تجارته الخاصة. كلامه كان فيه شيء من الجدية. ولكنه لم يتحدث كثيراً عن نفسه. طلب منا مهلةً ليرتب بعض أموره، ثم يعود لتقديم الخطوات الرسمية." "وما رأيك يا أبي؟" سألت ليلى، تتطلع إلى عينيه. "أرى فيه رجلاً فيه خير، لكنه يحتاج وقتاً ليكشف عن نفسه. سأنتظر. ولن أوافق على أي شيء قبل أن تتأكدي أنتِ بنفسك."
مرت أيام، وبدأ شهاب يرسل بعض الهدايا إلى بيت ليلى. لم تكن مجرد هدايا عادية؛ بل كانت قطعاً فنية، وكتباً نادرة، وأقمشة فاخرة. كل هدية كانت تحمل معها رسالة مكتوبة بخط يد شهاب الأنيق. رسائل تتحدث عن الطبيعة، عن الفن، عن أهمية الصبر. كان يرسل لها قصائد قديمة، وأقوالاً للحكماء.
وذات يوم، وصلتها لوحة زيتية جميلة. كانت تصور مشهداً من قرية الفيحاء، وهي تتألق تحت ضوء الشمس. ولكن، لم تكن هناك أي آثار للناس. فقط البيوت، والجبال، والسماء. مرفق مع اللوحة ورقة تقول: "حتى في عزلتها، تحمل قريتكم جمالاً فريداً. أتمنى أن تريني جمال مدينتي يوماً ما."
بدأت ليلى تشعر بأن شهاب ليس مجرد تاجرٍ ثري؛ بل هو إنسانٌ لديه حسٌّ مرهف، وشخصيةٌ معقدة. كان يرسل لها ألواناً، ورسوماتٍ بسيطة، وكأنه يحاول أن يتواصل مع عالمها الفني. كانت ترد عليه برسوماتٍ صغيرة، تعبر عن مشاعرها، وأفكارها. لم تكن هذه الرسائل مجرد تبادل، بل كانت جسراً صغيراً يبنيه الزمن بين عالمين.
لكن، مع كل هذه الود، كان هناك شعورٌ خفي بالتردد. لماذا كل هذا التكتّم؟ لماذا لم يحضر بنفسه في البداية؟ وما هي تلك "الأمور الطارئة" التي كانت تمنعه؟ هل كان كل هذا مجرد محاولة لإتمام زواجٍ بات جاهزاً، أم أنها بدايةٌ لعلاقةٍ حقيقية؟
في إحدى الرسائل، سأل شهاب سؤالاً غريباً: "ما هو أكثر شيء تخافين منه يا ليلى؟" بعد تفكيرٍ طويل، وجدت ليلى الإجابة. كتبت له: "أخاف من أن أفقد حريتي. أخاف من أن أتحول إلى مجرد ظلٍّ لزوجي، لا لون لي، ولا صوت." بعد أيام، وصلتها رسالة أخرى. كانت مختصرة جداً: "لن أحبسكِ في عالمي، ولن أسجنكِ في عالمكِ. سنبني عالماً خاصاً بنا، تكون فيه الحرية أساساً."
هذه الكلمات، رغم قصرها، كانت لها وقعٌ كبير على قلب ليلى. هل يمكن أن يكون هذا الرجل، الذي يبدو غريباً بهذا الشكل، هو الرجل الذي سيفهمها، ويدعمها، ويقدرها؟ لكن، تساؤلاتها لم تتوقف. كانت مدينة شهاب، المدينة الكبرى، بعيدةً وغير معروفة. كانت حياته العملية، بعيدةً عن أعين أهل الفيحاء. هل كان كل هذا لغزاً عميقاً، أم هو مجرد سوء فهمٍ سيُحل مع الوقت؟ كانت هذه الأيام، مليئةً بالترقب. الترقب للقاءٍ حقيقي، ولخطواتٍ واضحة. كانت تعيش في ضبابٍ كثيف، تتمنى أن يأتي اليوم الذي تتكشف فيه الحقائق، ويشرق نور الحقيقة فوق تلال الفيحاء.