زوجي الغريب
لقاء تحت سماء المدينة
بقلم مريم الحسن
بعد أسابيع من الرسائل المتبادلة، التي كانت أشبه بمد وجزر بين عالمين، أتى اليوم الموعود. أرسل شهاب دعوةً رسمية للسيد عمر، وليلى، لزيارته في مدينة الكبرى. كان شهاب قد رتب كل شيء: سيارة خاصة، وإقامة في فندقٍ راقٍ، ولقاءٌ خاص في مكتبه. هذا الترتيب، رغم أناقته، لم يخلُ من قلقٍ في قلب ليلى. كانت تعلم أن هذه هي خطوةٌ كبيرة، خطوةٌ قد تحدد مستقبلها.
عندما وصلت السيارة الفارهة أمام بيتهم، كان أهل القرية يتجمهرون، يودعونهم بكلمات الدعاء. ليلى، وقد ارتدت حجاباً أنيقاً وعباءةً بسيطة، شعرت بنظرات الفضول تنصب عليها. في يدها، كانت تحمل حقيبتها الجلدية الصغيرة، وبداخلها دفتر رسمها، وبعض الألوان. لم تستطع أن تفصل نفسها عن عالمها الفني، حتى في هذه اللحظة المصيرية.
كانت رحلة السيارة طويلة، عبر طرقٍ سريعة تتداخل فيها المناظر الطبيعية الخضراء مع البيوت المتناثرة. ثم، بدأت المدينة الكبرى تظهر في الأفق. أبراج شاهقة، وجسورٌ معلقة، وشوارعٌ تعج بالحياة. كان عالماً مختلفاً تماماً عن هدوء الفيحاء. كانت مدينةٌ صاخبة، تملك إيقاعها الخاص، وأسرارها العميقة.
عندما وصلوا إلى مكتب شهاب، كان المبنى بحد ذاته تحفة معمارية. مدخلٌ فخم، ورخامٌ يلمع، وعبقٌ من عطرٍ غريب. استقبلهم رجلٌ أنيق، بدا عليه الانضباط والمهنية، عرفهم بنفسه على أنه "عادل"، المساعد الأيمن لشهاب.
"السيد شهاب ينتظركم،" قال عادل بابتسامةٍ واثقة. "لقد أعدّ قاعةً خاصة للاجتماع. تفضلوا." قادهم عادل عبر ممراتٍ واسعة، مزينة بلوحاتٍ فنية حديثة، إلى قاعةٍ تطل على منظرٍ بانورامي للمدينة. كانت القاعة واسعة، مفروشةً بسجادٍ تركي فاخر، وتحتوي على أثاثٍ أنيق، وكأنها صالونٌ خاص.
وفجأة، دخل رجلٌ إلى القاعة. كان هو شهاب. لم يكن يشبه الصورة التي رسمها له فارس، ولا الصورة التي تخيلتها ليلى. كان أطول مما توقعت، وبنيته قوية، لكنه كان نحيلاً بشكلٍ ملحوظ. شعره أسودٌ كالفحم، مسرحٌ بدقة، وعيناه، بلون العسل الداكن، تحملان بريقاً خاصاً، فيه شيء من الحدة والتأمل. كان يرتدي بدلةً داكنة، أنيقة، تليق بمكانته.
"أهلاً بكم في مدينتي،" قال شهاب بصوتٍ هادئ، يحمل نبرةً دافئة. "سعيدٌ جداً بلقائكم أخيراً، خاصةً بكِ يا ليلى." مد يده إلى ليلى. ترددت قليلاً، ثم صافحته. شعر بدفءٍ غريب يسري في يدها. لم يكن مجرد مصافحة، بل كان شعوراً بالتقارب، وبالتواصل. "شكراً لك على هذه الدعوة، يا شهاب،" قال السيد عمر. "ونحن سعداء برؤيتك، ونتطلع إلى الحديث معك بصراحة."
جلسوا جميعاً. بدأ شهاب يتحدث عن أعماله، عن تجارته التي تمتد عبر بلدانٍ مختلفة. كان يتحدث بطلاقةٍ وثقة، يصف مشاريعه برؤيةٍ واضحة. لكنه لم يتحدث عن نفسه كثيراً، بل كان يفضل الحديث عن الأفكار، وعن المستقبل.
"أعرف أن طريقة اقترابي من هذا الزواج كانت غير تقليدية،" قال شهاب، موجهاً كلامه إلى ليلى بشكلٍ خاص. "ولكني أردت أن أتأكد من كل شيء. أردت أن أبني أساساً قوياً، قبل أن أدعو شخصاً عزيزاً إلى حياتي. فالحياة، يا ليلى، ليست مجرد لحظاتٍ عابرة، بل هي بناءٌ يحتاج إلى جهدٍ وصبر." نظرت ليلى إلى عينيه، وحاولت أن تفهم ما وراء كلماته. هل كان هذا حباً، أم مجرد مسؤولية؟ "ولذلك، أردت أن أقدم لكِ هديةً خاصة،" قال شهاب، ثم أشار إلى عادل. دخل عادل، يحمل صندوقاً كبيراً، مغلفاً بورقٍ فضي لامع. وضعه أمام ليلى.
عندما فتحت ليلى الصندوق، انحبست أنفاسها. بداخله، كانت توجد مجموعةٌ كاملة من الألوان الزيتية، وفرشاتٌ عالمية، وأقمشةٌ فاخرة للرسم. كانت كل قطعةٍ فيها تحمل علامةً تجارية مشهورة، وجودةٌ لا مثيل لها. "هذه أدواتٌ تناسب موهبتك،" قال شهاب، وعيناه تلمعان. "كنت أرى شغفك في رسوماتك، وشعرت بأنكِ تحتاجين إلى ما هو أفضل لتعبري عن عالمك. أتمنى أن تكون هذه بدايةً جديدة لمسيرتك الفنية." شعرت ليلى بفرحةٍ غامرة، ممزوجةٍ بالدهشة. لم تتوقع أبداً أن يهتم شهاب بموهبتها الفنية لهذه الدرجة. كان هذا دليلاً على أنه قرأ رسائلها، وفهمها.
"شكراً لك يا شهاب،" قالت ليلى بصوتٍ ممتلئٍ بالعاطفة. "لم أتوقع أبداً هذا." "هذا أقل ما يمكن تقديمه،" أجاب شهاب. "أنا أؤمن بأن لكل إنسانٍ عالمه الخاص، وأن هذا العالم يستحق أن يُقدر ويُحتفى به."
بعد انتهاء الحديث، أخذ شهاب ليلى ووالدها في جولةٍ في مكتبه. أراهم أقساماً مختلفة، وقابلهم ببعض زملائه. كان شهاب يبدو كقائدٍ ملهم، يحظى باحترام الجميع. في نهاية الجولة، أخذهم إلى قسمٍ غريب. كان قسماً مليئاً بالأجهزة والمعدات، بدا وكأنه معملٌ صغير. "هذا قسمٌ لتطوير الأدوية،" قال شهاب، بصوتٍ خفيض. "أنا أستثمر فيه بشكلٍ كبير. أؤمن بأن العلم قادرٌ على شفاء الكثير من الأمراض، وأن هذا هو واجبي تجاه مجتمعي." كان هذا الجانب من شهاب جديداً تماماً بالنسبة لليلى. لم تكن تتوقع أن يكون رجلاً له اهتماماتٌ علمية، وأن يعمل على تطوير الأدوية.
"هل تعمل في هذا المجال بنفسك؟" سألت ليلى، بفضول. "ليس بنفسي،" أجاب شهاب. "لكنني أتابع كل خطوة، وأدعم الأبحاث. أريد أن أترك بصمةً إيجابية في العالم." عادوا إلى القاعة الرئيسية. أعلن شهاب عن ترتيب حفلٍ صغير في أحد المطاعم الراقية، لتعارفٍ أوسع بينه وبين عائلة ليلى.
خلال العشاء، بدا شهاب أكثر انفتاحاً. تحدث عن طفولته، عن حلمه بأن يصبح عالماً، وعن الأسباب التي دفعته لدخول عالم التجارة. كان يتحدث بصدقٍ وعفوية، مما جعل ليلى تشعر بقربٍ أكبر منه. "لكن، لماذا لم تحضر أنت في البداية؟" سألت ليلى، مستغلةً فرصةً مناسبة. تنهد شهاب، ونظر إليها بعمق. "كان لديّ أسبابٌ معقدة. بعض الأمور كانت في طور الاكتمال، وأردت أن أتأكد من أنني أستطيع أن أقدم لكِ حياةً مستقرة، قبل أن أطلب يدكِ بشكلٍ رسمي. ولكن، الأهم الآن، هو أننا هنا، ونتعرف على بعضنا البعض."
عندما انتهى اللقاء، شعرت ليلى بأنها لم تعد ترى شهاب كالغريب. رأته كشخصٍ معقد، ولكنه ذو قيمٍ نبيلة، وذو أحلامٍ كبيرة. قبل أن يغادروا، أعطاها شهاب مفتاحاً صغيراً. "هذا مفتاحٌ لمرسمٍ خاص جهزته لكِ في المدينة. يمكنكِ استخدامه متى شئتِ. أريدكِ أن ترسمي، وأن تعيشي فنكِ بكل حرية." استلمت ليلى المفتاح، وقلبها يخفق بشيءٍ من الأمل. هل كانت هذه بدايةً لعلاقةٍ حقيقية، أم مجرد بدايةٍ لمغامرةٍ أخرى؟ كانت مدينة شهاب، بكل ضجيجها وأسرارها، تحتضنها الآن.