الفصل 4 / 25

زوجي الغريب

شبكة الأسرار

بقلم مريم الحسن

بعد زيارة مدينة شهاب، شعرت ليلى بأن عالمها قد اتسع. لم تعد الفيحاء هي كل ما تعرفه؛ بل بدأت ترى أبعاداً جديدة، وفرصاً لم تكن تحلم بها. المرسم الخاص الذي جهزه لها شهاب كان تحفةً فنية بحد ذاته. قاعةٌ واسعة، ذات إضاءةٍ مثالية، ومساحةٌ كبيرة للألوان، وأدواتٍ فنية لا توصف. كانت تقضي ساعاتٍ طويلة هناك، تنسج أحلامها على القماش، مستلهمةً من ضجيج المدينة، ومن هدوء قلبها.

بدأت الرسائل بينها وبين شهاب تأخذ منحىً أعمق. لم تعد مجرد تبادلٍ للأفكار، بل أصبحت محادثاتٍ حميمة، تتخللها أسئلةٌ عن مشاعر، وعن آمال. كان شهاب يبدي اهتماماً كبيراً بموهبتها، ويشجعها باستمرار. كان يرسل لها مقالاتٍ عن تاريخ الفن، وعن فنانين عالميين، وكأنه ينمي جانبها الإبداعي.

في إحدى الرسائل، سألته ليلى عن سرّ عمله في تطوير الأدوية، وعن سبب إبقائه للأمر بعيداً عن أهل القرية. أجاب شهاب: "لأنني أريد أن أقدم شيئاً ذا قيمةٍ حقيقية، يا ليلى. عالم الأدوية معقد، ومليءٌ بالتحديات. ولكن، لديّ رؤيةٌ خاصة، أريد أن أحققها. أما عن إبقائه بعيداً، فهو لحمايته من الضغوط الخارجية، ولأنه ما زال في طور البناء."

لكن، على الرغم من هذه التوضيحات، ظلت بعض الأسئلة تراود ليلى. لماذا كل هذا السرّ؟ لماذا لا يشارك تفاصيل عمله بشكلٍ أوسع؟ ألم يكن الحب، والزواج، أساسهما الشفافية؟

ذات يوم، بينما كانت ليلى في مرسمها، جاءتها رسالةٌ من عنوانٍ مجهول. كانت الرسالة ورقةٌ بسيطة، لا تحمل أي اسم، لكنها كانت تحمل كلماتٍ محيرة: "احذري من وعود شهاب. فالزجاج، مهما كان براقاً، قد ينكسر. هناك أسرارٌ لا يستطيع الجميع تحملها." شعرت ليلى بقبضةٍ باردة تعتصر قلبها. من أين أتت هذه الرسالة؟ ولماذا؟ هل كان هناك من يحاول زرع الشك في قلبها؟

عادت إلى قراءة رسائل شهاب، وتحليل كلماته. هل كان هناك شيءٌ تخيلته، أم أنه كان يخفي شيئاً؟ هل كان "الغموض" الذي تحدث عنه، مجرد واجهةٌ لشيءٍ آخر؟

قررت ليلى أن تسأل عادل، المساعد الموثوق لشهاب. عندما قابلته، أبدت بعض القلق، وسألته عن طبيعة عمل شهاب في مجال الأدوية. أجاب عادل بمهنية: "شهاب يستثمر في أبحاثٍ واعدة، يا سيدة ليلى. بعض هذه الأبحاث ما زالت في مراحلها الأولى. وهو يعمل مع فريقٍ من العلماء المرموقين. رؤيته هي تطوير علاجاتٍ مبتكرة، خاصةً للأمراض النادرة." "ولكن، لماذا كل هذا الإخفاء؟" سألت ليلى، بصوتٍ متزايد الحذر. ابتسم عادل ابتسامةً خفيفة، تحمل شيئاً من الإحراج. "الحياة العملية، يا سيدة ليلى، غالباً ما تكون أكثر تعقيداً مما تبدو. هناك منافسةٌ شرسة، وهناك معلوماتٌ حساسة. شهاب يحاول حماية استثماراته، وحماية فريقه. ولكن، صدقيني، كل ما يفعله هو من أجل الخير."

كلمات عادل لم تقنع ليلى تماماً. شعرت بأن هناك طبقاتٍ لم يتم الكشف عنها. في تلك الليلة، لم تستطع النوم. تذكرت الرسالة المجهولة، وكلماتها التحذيرية.

في اليوم التالي، وبينما كانت تتفقد بعض أغراضها القديمة، عثرت على صورةٍ قديمة. كانت صورةً لوالدتها، السيدة فاطمة، وهي شابة. وبجانبها، رجلٌ غريب، لا تعرفه. كانت الصورة ملتقطةً في مناسبةٍ عائلية قديمة، قبل سنواتٍ طويلة. ما الذي يربط هذه الصورة بظروف شهاب؟ لم تستطع ليلى أن تجد رابطاً واضحاً، لكنها شعرت بأن هناك شيئاً غامضاً، يتكشف ببطء.

ذهبت ليلى إلى مرسمها، وعادت إلى الرسم. لكن هذه المرة، لم ترسم مناظر طبيعية، بل بدأت ترسم وجوهاً. وجوهٌ تحمل تعابير القلق، والشك، والبحث عن الحقيقة. كان فنها يتحول، ليعكس صراعها الداخلي.

في هذه الأثناء، بدأ شهاب يلاحظ تغيراً في ليلى. أصبحت صامتةً قليلاً، وأكثر تأملاً. سألها عن السبب، فأجابت ببعض التردد: "أشعر بأن هناك أموراً لا أفهمها يا شهاب. أشعر بأن هناك طبقاتٍ مخفية." نظر إليها شهاب بجدية. "ما الذي تشعرين به بالضبط؟" "لا أعرف،" أجابت ليلى. "لكنني أخشى أن تكون هناك أسرارٌ تتجاوز فهمي."

تنهد شهاب، وبدا عليه التفكير العميق. "ليلى، الحياة غالباً ما تكون معقدة. وفي بعض الأحيان، يكون علينا اتخاذ قراراتٍ صعبة، لحماية من نحب، ولتحقيق أهدافٍ نبيلة. لا تقلقي، كل ما أفعله هو لحماية مستقبلنا، ولكي نؤسس حياةً طيبة لكِ ولنا." كلماته كانت تحمل قدراً من الصدق، لكنها لم تشفِ غليل ليلى تماماً. شعرت بأنها تقف أمام جدارٍ سميك، تريد أن تتسلقه، لكنها لا تعرف كيف.

في أحد الأيام، ذهبت ليلى إلى منزل جدتها القديم، في محاولةٍ لإيجاد بعض الإجابات. وبينما كانت تتصفح بعض صناديق الذكريات، عثرت على رسائل قديمة، كتبتها جدتها. كانت الرسائل موجهةً إلى والدتها، وتتحدث عن أمورٍ عائلية، وعن تاريخٍ قديم. قرأت ليلى الرسائل بتمعن، وركزت على كل كلمة. ووجدت ما أثار انتباهها بشدة. إشارةٌ إلى "خيانةٍ قديمة"، و"صفقةٍ غامضة"، و"رجلٍ دفع الثمن غالياً". لم يكن هناك اسمٌ مذكور، لكنها شعرت بأن هذه الأمور قد تكون مرتبطةً بحاضرها.

هل كان ماضي شهاب، أو عائلته، يحمل هذه الأسرار؟ هل كان استثماره في الأدوية، مجرد محاولةٍ لتصحيح خطأ قديم، أو لدفع ثمنٍ ما؟ كانت هذه التساؤلات تقفز في ذهن ليلى ككرةٍ نارية. شعرت بأنها على وشك اكتشاف شيءٍ كبير، شيءٌ قد يغير كل شيء.

تذكرت الرسالة المجهولة التي تلقتها. "احذري من وعود شهاب. فالزجاج، مهما كان براقاً، قد ينكسر. هناك أسرارٌ لا يستطيع الجميع تحملها."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%