زوجي الغريب
سكون ما قبل العاصفة
بقلم مريم الحسن
ارتعش جسد خالد بين يدي سارة، كأنما سُحبت منه الروح فجأة. كان الصمت الذي ساد بينهما ثقيلاً، مشبعاً بالأسئلة التي لم تُنطق بعد، وبالأجوبة التي كان يخشى أن تُسمع. عيناه، اللتان لطالما رأتهما تحملان دفء الحب وصدق الطمأنينة، الآن كانت غارقةً في بحرٍ من القلق، تنظران إلى الأرض بتجنبٍ مؤلم. شعرت سارة ببرودةٍ تسري في أطرافها، وهي ترى الرجل الذي أحبته، والذي وثقت به، يقف أمامها كسجينٍ يعترف بجرمه دون أن ينطق بكلمة.
"خالد..." كررت سارة، بصوتٍ هامس، يكاد لا يُسمع، لكنه كان يحمل كل ثقل العالم. "أنا أنتظر." تنهد بعمق، تنهيدةٌ بدت وكأنها تحمل آلاف السنين من التعب. رفع رأسه ببطء، ونظر إليها مباشرةً هذه المرة. كانت عيناه تحملان مزيجاً من الأسى، والندم، والخوف. "سارة... أنتِ لا تفهمين." "حينها، ما الذي أفهمه؟" تساءلت، وهي تشعر بأن قلبها يمزقه الألم. "أفهم أنك تختفي لساعاتٍ متأخرة، أنك تتلقى رسائل غامضة، أنك تجلس في عزلةٍ تامة. أرى هذه الملفات، وهذه الصور. ما الذي يجب أن أفهمه، يا خالد؟"
بدأ يتكلم، بصوتٍ متقطع، كمن يحاول استجماع شتات أفكاره. "هذه... هذه بدأت كفكرةٍ بسيطة. كنت أبحث عن طريقةٍ لتأمين مستقبلنا بشكلٍ أفضل. رأيت فرصةً... فرصةً للربح السريع." "ربح سريع؟ من ماذا؟" سألت، وعيناها تراقب كل حركةٍ في وجهه، بحثاً عن أي بصيصٍ للحقيقة. "من... من بعض الاستثمارات." قال، وهو يتجنب النظر إليها. "لم يكن الأمر بهذا التعقيد في البداية. كانت مجرد صفقةٍ صغيرة، ثم أخرى، ثم تطورت الأمور."
"تطورت؟" رفعت حاجبها، وقد استشعرت التهرب في كلامه. "ماذا يعني تطورت؟ هل هذه استثماراتٌ شرعية؟ هل هي حلال؟" نظر إليها، وبدا وكأن هذه الكلمة، "حلال"، قد ضربته في الصميم. "كنت... كنت أظن أنها كذلك في البداية. لكن مع الوقت... أدركت أنها قد تكون... معقدة." "معقدة؟" صرخت سارة، لم تعد تستطيع كبت مشاعرها. "معقدة؟ هل هذه هي الطريقة التي تصف بها انكشاف أمرك؟ هل هذا هو سبب كل هذا الكتمان؟"
"لم أرد أن أقلقك." قال، وهو يضع يديه على وجهه. "كنت أعلم أنكِ لن تقبلي. أردت أن أحل المشكلة بنفسي، قبل أن تصل إليكِ." "تحل المشكلة؟ أم تخلق مشكلةً أكبر؟" ردت سارة، وقد انتابها شعورٌ بالغضب الممزوج بالحزن. "لقد كنتِ تريني رجلاً آخر، رجلاً لا أعرفه. كيف لي أن أثق بك الآن؟ كيف لي أن أصدق كلامك؟"
"سارة، أرجوكِ... استمعي إلي." قال، وهو يحاول الإمساك بيدها، لكنها سحبتها بسرعة. "لقد وقعت في فخ. فخٌ أكبر مما كنت أتخيل. كنت أظن أنني أسيطر على الأمور، لكن الأمور خرجت عن السيطرة." "ومن المسؤول عن خروج الأمور عن السيطرة؟" سألت بحدة. "أنت، يا خالد. أنت من اخترت هذا الطريق." "أعلم، وأنا أتحمل المسؤولية كاملة." قال، وهو يرفع رأسه، وقد بدت في عينيه نظرةٌ جريئة، وإن كانت محفوفةً باليأس. "لكنني الآن... أريد أن أتخلص من هذا. أريد أن أعود إلى حياتنا الطبيعية. أريد أن أكون زوجك الذي تعرفينه."
"وكيف؟" سألت سارة، وقد استشعرت اليأس يتسلل إلى صوتها. "ما هي هذه 'الصفقات'؟ ما هو هذا 'المال'؟ ومن هم هؤلاء الأشخاص الذين يظهرون في صورك؟" بدت على خالد علامات التردد. كان واضحاً أن هناك أموراً أخرى لم يكشفها بعد، أموراً ربما كانت أشد خطورة. "هم... أشخاصٌ كنت أتعامل معهم. الأمر يتعلق ب... ببرامج إلكترونية، ومعاملاتٍ مالية عبر الإنترنت. بدأت كشبه استثمار، وتحولت إلى شيءٍ أكبر." "برامج إلكترونية؟ معاملات مالية؟" كررت سارة، وشعرت بأنها في متاهةٍ لا نهاية لها. "هل تعني أنك كنت تشارك في شيءٍ مشبوه؟"
"لم يكن الأمر كذلك في البداية." دافع خالد، وقد بدت في صوته نبرةٌ يائسة. "كنت أبحث عن طرقٍ سريعة لتحقيق دخلٍ إضافي. رأيت إعلاناتٍ عن منصاتٍ للتداول، ووعدت بأرباحٍ سريعة. بدأت بمبلغٍ صغير، ثم ازداد الأمر." "ازداد؟" سألت سارة، وقد تملكتها نوبةٌ من القشعريرة. "كم ازداد؟ وما هي هذه 'الصفقات' التي تتحدث عنها؟" "لقد... لقد خسرت الكثير من المال." اعترف خالد، بصوتٍ خفيض. "وبسبب هذه الخسائر، اضطررت إلى... إلى الاقتراض. ومن أشخاصٍ... لا ينبغي التعامل معهم."
بلغت الحقيقة نقطةً مؤلمة. كانت سارة تتذكر كل لحظةٍ من الأمان الذي شعرت به مع خالد. كانت تظن أنه رجلٌ ميسور الحال، وأن مستقبلهما مضمون. والآن، يبدو أنه قد ورط نفسه في مشاكل مالية وجنائية. "وهل هذا هو سبب ابتعادك عني؟" سألت، والدموع تنهمر على خديها. "كنت تخاف أن أكشف أمرك؟" "لم يكن خوفاً منكِ، سارة. كان خوفاً من أن أراكِ في هذا الوضع. كنت أريد أن أحميكِ. كنت أريد أن أكون الرجل الذي تستحقينه."
"الرجل الذي تستحقينه هو الرجل الصادق، يا خالد. الرجل الذي يشاركك همومه، لا الذي يخفيها عنكِ." قالت سارة، وقد أدركت أن سكون ما قبل العاصفة قد انقشع، وأن العاصفة الحقيقية قد بدأت للتو. "ماذا ستفعلين الآن؟" سأل خالد، وقد بدت في عينيه نظرةٌ يائسة. "لا أعرف." أجابت سارة، وهي تنظر إليه بعينين مثقلتين بالحزن. "أنا بحاجةٍ إلى وقتٍ لأفكر. بحاجةٍ إلى أن أفهم كل شيء. لكن شيئاً واحداً أعرفه، يا خالد. أنت لم تعد الزوج الذي تزوجته."
وقفت سارة، وتركت خالد وحيداً في الغرفة، غارقاً في صمته، وفي أفكاره. كانت الأبواب التي فتحتها بشجاعة، قد كشفت لها عالماً مظلماً، عالماً لم تكن تتخيله أبداً. شعرت بأنها تقف على حافة الهاوية، وأن كل ما بنته مع خالد قد بدأ يتداعى. لم تكن تعرف كيف ستستطيع تجاوز هذه العاصفة، أو ما إذا كانت ستنجو منها.