الفصل 8 / 25

زوجي الغريب

خيوط متشابكة

بقلم مريم الحسن

بعد تلك الليلة التي كشفت فيها سارة عن معرفتها بخفايا خالد، بدأت مرحلةٌ جديدة في حياتهما. لم تعد تلك المرحلة مجرد زواجٍ هادئٍ يسير على وتيرةٍ ثابتة، بل أصبحت رحلةً مليئةً بالتحديات، والاكتشافات، وإعادة بناء الثقة. كانت سارة، بجانب قلقها على مستقبل علاقتها بزوجها، تبدأ في استكشاف خيوطٍ أخرى متشابكةٍ في حياة خالد، خيوطٍ لم تكن لها علاقةٌ مباشرةٌ بالمشكلة الأساسية، لكنها كانت تلقي بظلالها على شخصيته وتصرفاته.

كان خالد، بوعده لها، يبذل جهداً خارقاً. استقال من وظيفته الحالية، التي كان يرى أنها كانت تشكل بيئةً مغريةً للانجراف. بدأ يبحث عن عملٍ جديد، عملٍ يتوافق مع قيمه، ويتيح له وقتاً كافياً لتسوية ديونه. كل مساء، كان يجلس مع سارة، ويطلعها على تقدمه في البحث عن عمل، وعلى الجهود التي يبذلها لبيع بعض المقتنيات التي لا يحتاجها، لكي يدبر المال اللازم. كانت سارة تشعر ببعض الارتياح لرؤية جديته، لكنها كانت لا تزال تتذكر كلماته عن "التهديدات" و"الأشخاص الذين لا ينبغي التعامل معهم".

ذات يوم، بينما كان خالد يراجع أوراقه، وقعت عين سارة على فاتورةٍ قديمة، كانت تخص قسماً في شركته السابقة، عنوانه "إدارة الأصول والديون". تذكرت سارة أن خالد كان يعمل في مجالٍ تقني، فما علاقة ذلك بإدارة الديون؟ "خالد، ما هذا؟" سألت، وهي تشير إلى الفاتورة. "لماذا كانت لديك فاتورةٌ تتعلق بإدارة الأصول والديون؟" نظر خالد إلى الفاتورة، وشحب وجهه قليلاً. "آه، هذه... كانت جزءاً من مشاريعي القديمة. كان هناك فريقٌ مسؤولٌ عن التعامل مع الديون المتعثرة للشركة." "وهل كنت جزءاً من هذا الفريق؟" سألت سارة، وقد بدأت تتسلل إليها شكوكٌ جديدة. تردد خالد. "ليس تماماً. كنت أقدم لهم الدعم التقني. أساعدهم في تطوير أنظمةٍ معينة." "أنظمةٍ معينة؟" كررت سارة. "هل تقصد أنظمةٍ لمتابعة المدينين، أم أنظمةٍ لتحصيل الديون؟"

"أكثر من ذلك." قال خالد، وهو يتجنب النظر إليها. "كانت هناك برامجٌ معينة، تستخدم في... في التفاوض مع المدينين. في إيجاد حلولٍ لهم." "حلولٍ؟" تساءلت سارة. "هل تقصد أنك كنت تساعدهم في إيجاد طرقٍ للخروج من ديونهم؟" "نوعاً ما." أجاب خالد، متردداً. "لكن هذه البرامج كانت أيضاً تستخدم في... في ضغطهم. في إيجاد نقاط ضعفهم."

شعرت سارة ببرودةٍ مفاجئة. بدا لها أن خالد كان أكثر تورطاً في هذا العالم من مجرد "دعم تقني". كانت تتذكر كيف أنه كان يتحدث عن "أرباحٍ سريعة"، وكيف أنه كان يخشى "الأشخاص الذين لا ينبغي التعامل معهم". هل كانت تلك "الأشخاص" هم نفسهم الذين كان يتعامل معهم في عمله القديم؟ "خالد، هل كانت هذه البرامج التي كنت تعمل عليها هي نفسها التي استخدمتها أنت لاحقاً؟" سألت، وصوتها يكاد يختنق. صمت خالد للحظة، ثم قال: "لا. لم تكن نفسها تماماً. لكنها... تشبهها كثيراً. لقد تعلمت منها الكثير."

شعرت سارة بأن خيوط الحقيقة بدأت تتشابك بطريقةٍ معقدة. كان الأمر يبدو وكأن خالد لم يكن مجرد ضحية، بل كان لديه معرفةٌ عميقة بهذا العالم، معرفةٌ ربما استخدمها أولاً في عمله، ثم في خطاياه. "هل كنت تعلم أن هذه البرامج قد تؤدي إلى انحراف؟" سألت، وعيناها تثقبانه. "لم أكن أتوقع أن أقع في هذا الفخ." قال خالد، وقد بدا عليه الارتباك. "لكن نعم، كنت أرى الجانب المظلم منها. كنت أرى كيف يمكن استغلالها."

في هذه الأثناء، كانت سارة تتواصل مع جدتها بانتظام، تطلب منها النصيحة. كانت جدتها، بحكمتها، تنصحها بالصبر، وبالفهم العميق لوضع خالد، مع التشديد على ضرورة أن يتحمل خالد مسؤولية أفعاله بالكامل. "لا تجعليه يشعر بأنكِ تلومينه، يا ابنتي." قالت الجدة. "لكنه أيضاً لا تجعليه يشعر بأنكِ تتغاضين عن خطئه. ابحثي عن صدقه، عن رغبته الحقيقية في التغيير. هذا هو الأساس."

فكرت سارة في نصيحة جدتها. أدركت أن خالد كان في وضعٍ صعب، وأن ماضيه المهني قد لعب دوراً في تورطه. لكنها كانت تعلم أيضاً أن لديه القدرة على التغيير. "حسناً يا خالد." قالت سارة، وقد استجمعت قواها. "أنا أقدر صدقك. لكن هذه المشكلة تحتاج إلى حلٍ جذري. هل فكرت في استشارة متخصص؟ شخصٌ يمكنه أن يساعدك في التخلص من هذه الديون، وفي التعامل مع هؤلاء الأشخاص؟" نظر خالد إليها بامتنان. "لقد فكرت في ذلك. لكنني كنت أخشى أن أقول لكِ. هل تعتقدين أن هناك من يمكنه المساعدة؟" "جدتي تعرف شخصاً، شيخاً جليلاً، يمكنه أن يساعدنا. يمكنه أن يقدم لك النصح، وأن يشفع لك لدى البعض." "هل حقاً؟" سأل خالد، وقد لمعت عيناه ببريق أمل. "سأكون ممتناً جداً لكِ."

في الأيام التالية، قام خالد بالاتصال بالشيخ المذكور. كان اللقاء الأول بينهم محاطاً بالرهبة والتوجس من جانب خالد، وبالحكمة والهدوء من جانب الشيخ. شرح خالد وضعه، وتفاصيل مشاكله. استمع الشيخ بعناية، ثم بدأ بالحديث. لم يتهم خالد، ولم يدنه. بل بدأ بشرحٍ مفصلٍ لحرمة التعاملات الربوية، وللضرر الذي تلحقه بالخلق. وقدم له نصائح عملية حول كيفية تسوية الديون، وكيفية التعامل مع الضغوط.

"يا بني،" قال الشيخ، وهو يضع يده على كتف خالد. "لقد فتحت باباً صعباً، لكن الله غفور رحيم. المهم أن تتوب إلى الله، وأن تبدأ في مسح ما فعلت. سأحاول المساعدة في التواصل مع بعض الأشخاص الذين لديهم القدرة على التوسط. لكن عليك أن تكون قوياً، وأن تثبت لهم أنك قد تغيرت."

كانت هذه الخطوة بمثابة بصيص أملٍ حقيقي لخالد. شعر بأن هناك من يصدقه، ومن يؤمن بصدقه. بدأ، بمساعدة الشيخ، في وضع خطةٍ واضحة لتسوية ديونه. بدأ بعرض بعض الخدمات الاستشارية في مجالٍ حلال، مستفيداً من خبرته في مجال الأنظمة التقنية، ولكن في سياقٍ شرعيٍ تماماً.

في غضون ذلك، كانت سارة تلاحظ تغيراً في علاقة خالد مع أسرته. كان يتواصل مع والده أكثر، ويعتذر له عن غيابه وتأخره. كان يبدو أنه يحاول إصلاح علاقاته، ليس فقط معها، ومع نفسه، بل ومع كل من حوله.

ومع ذلك، لم تختفِ كل التهديدات. ذات يوم، تلقى خالد رسالةً مجهولة، تهدده فيها بالعواقب إذا لم يدفع مبلغاً معيناً. شعر خالد بالخوف، لكنه، هذه المرة، لم يخفِ الأمر عن سارة. "ماذا سنفعل؟" سأل خالد، وهو يعرض الرسالة على سارة. نظرت سارة إلى الرسالة، وشعرت بالغضب. "هؤلاء الأشخاص يحاولون ابتزازك. لا ينبغي لك أن تستسلم لهم." "لكنهم قد يؤذونك." قال خالد، وقد بدا عليه القلق. "نحن سنتعامل مع هذا الأمر معاً." قالت سارة، وهي تشعر بأنها تستمد قوتها من إيمانها، ومن دعمها لوالدتها. "سنتواصل مع الشيخ، وسنتأكد من أننا نسير في الطريق الصحيح."

كانت هذه هي بداية صراعه الحقيقي، ليس فقط مع ديونه، بل مع أولئك الذين حاولوا استغلاله. شعر بأن هذه المعركة ليست معركةً مالية، بل مع

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%