حب من نظرة
أول لقاء عند شاطئ الغروب
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمة البحر تحمل معها همس الأمسيات الساحرة، تداعب خصلات شعرها السوداء الداكنة التي انسدلت على كتفيها كشلال من حرير. وقفت "ليلى" عند حافة الرمال الذهبية، وقد ارتسم على وجهها مزيج من التأمل والترقب. غروب الشمس كان يصب ألوانه البرتقالية والحمراء على صفحة الماء، مخلفًا وراءه لوحة فنية بديعة تنسى معها هموم الدنيا. كانت تلك لحظاتها المفضلة، حيث تتلاشى ضوضاء المدينة وتتحدث مع خالقها في هدوء وسكينة.
"سبحان الذي خلق فأبدع"، همست لنفسها وهي تستنشق عبق الملح والياسمين المتطاير من بستان قريب. كانت تحمل في يدها كتابًا قديمًا، صفحاته صفراء تحمل عبق الزمان، تقرأ فيه ما تيسر لها من الشعر العربي الأصيل. أحبت ليلى دائمًا الكلمات التي تنسج خيوط المعاني العميقة، والقصائد التي تنطق بصدق المشاعر.
كانت تأتي إلى هذا الشاطئ الهادئ كلما شعرت ببعض الضيق أو الحاجة إلى صفاء الذهن. هنا، حيث تلتقي زرقة السماء بامتداد المحيط، كانت تشعر أن روحها تحلق بعيدًا عن قيود الأرض. كانت تعيش حياة منظمة، تضبطها مبادئها وقيمها الإسلامية، لكن بين الحين والآخر، كانت تشعر بفراغ خفي، رغبة في أن يشاركها أحدهم جمال هذه اللحظات، أن يرى العالم بعين أخرى.
فجأة، سمعت صوتًا خشنًا وعميقًا يقطع صمت المكان. "عفواً، هل يمكن أن أساعدك في شيء؟"
التفتت ليلى ببطء، وقلبها يخفق كعصفور جريح. أمامها كان يقف رجل، بدا وكأنه قد خرج لتوّه من قصة أسطورية. كان طويل القامة، مهيب الطلعة، يرتدي ملابس بسيطة وأنيقة في آن واحد. وجهه ذو ملامح حادة، ونظرته تحمل عمقًا غامضًا. كانت لحيته الكستنائية المهذبة تزيد من وقاره، وعيناه الداكنتان تبدوان وكأنهما تحتفظان بأسرار الأزمان.
لم تكن مجرد وسامته هي ما لفت انتباهها، بل كان هناك شيء في هدوئه، في الطريقة التي وقف بها، يحمل كل الاحترام والتقدير. لم يكن كغيره من الشباب الذين قد يلتقونها في أماكن عامة، ممن يبحثون عن لفت الانتباه أو إبداء الإعجاب بطريقة سطحية. كان حضوره يفرض احترامًا ذاتيًا.
"شكرًا لك، لكنني بخير"، أجابت ليلى بصوت خفيض، محاولة استعادة رباطة جأشها. كانت قد اعتادت أن تكون محط الأنظار، لكنها فضلت دائمًا أن تكون بمنأى عن الضجيج.
اقترب الرجل خطوة، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه. "لم أقصد الإزعاج، ولكن غروب الشمس هذا يستحق أن يُشارك. هل أنتِ مستمتعة به؟"
كان سؤاله مباشرًا، لكنه يحمل صدقًا جعل ليلى لا تشعر بالانزعاج. "بالتأكيد. إنه من أجمل المناظر التي رأيتها."
"وأنا كذلك. لقد أتيت إلى هنا لأجد بعض الهدوء، لأفكر في أمور كثيرة... لكنني وجدت ما هو أجمل." نظر إليها ثم إلى الأفق، وكأنما يمتدح جمال المشهد ويربطه بوجودها.
شعرت ليلى بخدّيها يتوردان قليلاً. كان حديثه لبقًا، غير مباشر، يحمل ذكاءً وفطنة. "أتمنى أن تجد ما تبحث عنه من هدوء وتفكير."
"الأمر معقد بعض الشيء،" قال، ثم عاد بنظره إليها، "لكنني أؤمن بأن بعض اللحظات السعيدة قد تكون كافية لتغيير مجرى الأفكار. اسمي 'أحمد'."
مد يده ليمصافحتها، وترددت ليلى للحظة. كانت تعرف أن المصافحة بين الرجال والنساء غير المسلمات أمر مرفوض شرعًا، لكنها في ذات الوقت لم ترغب في أن تبدو متصلبة أو متعالية.
"ليلى"، أجابت، واكتفت بالإشارة بابتسامة رقيقة.
لم يبدُ على أحمد الاستياء، بل ابتسم ابتسامة أوسع. "اسم جميل، كاسم وردة الياسمين التي تتفتح في الأمسيات."
ضحكت ليلى بخجل. "شكرًا لك."
"هل تقرأين شيئًا مفيدًا؟" سأل، مشيرًا إلى الكتاب الذي كانت تحمله.
"شعر عربي قديم. أحاول أن أستعيد روح الأجداد من خلال كلماتهم."
"الشعر بحر عميق، مليء بالحكمة والمعاني. هل لي أن أعرف أي بحرٍ أبحر فيه قلمك اليوم؟"
ترددت ليلى مرة أخرى. لم تكن معتادة على هذا النوع من الحوارات السريعة مع الغرباء. لكن هناك شيء في أحمد جعلها تشعر بالراحة، وكأنها تعرفه منذ زمن. "أبو الطيب المتنبي. قصائده دائمًا ما تبعث في النفس القوة والعزيمة."
"المتنبي! اختيارات موفقة. 'على قدر أهل العزم تأتي العزائم...'" أنشد أحمد بصوت قوي ورخيم، ثم توقف، وابتسم. "أتراه يصفنا في هذه اللحظة؟"
ابتسمت ليلى بصدق. "ربما. من يدري؟"
"لقد أتيت لأجد الهدوء، ولكنني وجدت ما هو أهم. وجدت فرصة لمحادثة روحٍ نقية، ورؤية جمالٍ ينسجم مع جمال الطبيعة. هل لي أن أشاركك بعض الوقت، يا ليلى؟ ربما يمكننا التحدث عن الشعر، أو عن هذه الأمسية الساحرة."
كان طلباً بسيطاً، لكنه حمل ثقلاً لم تستطع ليلى تجاهله. كانت تشعر بشيء غريب يتملكها، مزيج من الرهبة والفضول. لم تكن تخطط للقاء أحد، لكن هذه الصدفة، وهذا الرجل، كانا يحملان سرًا لا يبدو مؤذيًا.
"إن كان وقتك يسمح"، قالت ليلى، وهي تشعر بارتباك لطيف.
"وقت الدنيا كله لا يساوي لحظة كهذه"، أجاب أحمد، ثم مد يده نحو الشاطئ، "تفضلي بالجلوس."
جلسا على الرمال، وشمس الأصيل تلفهما بدفئها الأخير. بدأت ليلى تشعر أن هذه اللحظة، التي بدأت كهروب من الواقع، قد تتحول إلى بداية فصل جديد، فصل لم تخطط له، ولكنه بدا واعدًا. لم تكن تعرف أن نظرة واحدة عند شاطئ الغروب، تحمل بين طياتها قدرًا لم يكن في حسبانها.