الفصل 11 / 25

حب من نظرة

لقاءٌ في مساحات الأمل

بقلم فاطمة النجار

بعد أيامٍ من التفكير العميق، وبعد أن استمدّت القوة من كلمات جدتها العطوفة، ومن دعم عمتها نجلاء، قررت سارة أن تخطو خطوةً جريئة. لم تعد قادرةً على انتظار أن يذوب الجليد بينها وبين والدها، ولم تعد ترغب في أن تكون مجرد دميةٍ في لعبةٍ لا تفهم قوانينها. كان عليها أن تبدأ بمسؤوليتها الخاصة.

"سأقابل عاصم،" قالت لوالدتها بصوتٍ حازم، ولكن مع مسحةٍ من التردد، "نريد أن نتحدث."

نظرت إليها الأم بعينين فيها مزيجٌ من القلق والتقدير. كانت تعرفُ أنّ ابنتها ليست متهورة، وأنّ قرارها هذا ليس نابعاً من نزوة، بل من حاجةٍ ماسةٍ للفهم، وللتعبير عن الذات.

"هذا حسنٌ يا ابنتي،" قالت الأم بصوتٍ هادئ، "تحدثي معه بصراحة، ولكن احرصي على أن تكوني لبقةً ومهذبةً. تذكري أن احترام الآخرين هو مفتاحٌ لكلّ باب."

جهزت سارة نفسها للقاء. لم تكن تعلم ما الذي سيقوله عاصم، أو كيف سيتلقى حديثها. هل سيتقبلُ وجهة نظرها؟ هل سيكون لديه هو الآخر شكوكٌ ورغبات؟ هل هو سعيدٌ بهذا الزواج الذي رآه والدها مناسباً؟

اتفقا على اللقاء في مقهى هادئ، بعيدٍ عن الأعين المتطفلة، في مكانٍ يوفرُ خصوصيةً تسمحُ بحديثٍ صريح. اختارت سارة حديقةً خضراء، تفوحُ منها رائحةُ القهوة وعبقُ الزهور، كأن الطبيعة نفسها تساندُ محاولتها لخلق مساحةٍ من الأمل.

عندما وصلت، وجدت عاصم جالساً على أحد المقاعد، ينتظرها. كان يبدو عليه بعض التوتر، ولكنه كان يبتسمُ ابتسامةً تحملُ لطفاً لا تخطئه العين. ارتدت سارة ثوباً بسيطاً، يعكسُ أناقتها الهادئة، وشعرها المنسدلُ على كتفيها، وعينيها اللتين تحملانُ عمقاً وذكاءً.

"مساء الخير يا أستاذة سارة،" قال عاصم بصوتٍ فيه احترامٌ واضح. "مساء النور يا أستاذ عاصم،" أجابت سارة، وشعرت بأنّ توترها بدأ يخفّ تدريجياً.

طلبوا القهوة، وجلسوا في صمتٍ لبرهة، يتأمل كلٌ منهما الآخر. لم يكن الأمر لقاءً عادياً، بل كان لقاءً بين شخصين، قدرٌ جمعهما، ولكنهما كانا يملكانُ الحقّ في رسمِ طريقهما.

"شكراً لاستجابتك لدعوتي،" بدأت سارة الحديث، "كنتُ أرغبُ في أن نتحدث، بعيداً عن أيّ ضغوطٍ أو تأثيراتٍ خارجية." ابتسم عاصم: "وأنا كذلك. أرى أنكِ فتاةٌ واعية، وأنا أحترمُ ذلك." "اسمح لي أن أكون صريحةً معك،" قالت سارة، وهي تنظرُ في عينيه مباشرةً، "أنا لستُ متأكدةً تماماً من مشاعري تجاه هذا الزواج."

صمت عاصم للحظة، ثم قال: "هذا أمرٌ طبيعي، أليس كذلك؟ الزواج قرارٌ كبير، يتطلبُ وقتاً وتفهماً." "أعلم، ولكنّ الأمر يتجاوزُ مجرد الوقت. أنا أشعرُ بأنّ هذا القرار اتُخذَ دون استشارتي، ودون الأخذِ في الاعتبارِ ما أريده أنا."

شعر عاصم بأنّ سارة تحدثت من أعماق قلبها. كان يرى فيها شجاعةً وصدقاً. "أتفهمُ شعوركِ تماماً،" قال عاصم، "وربما يكون والدي قد بالغ في سرعة الأمر. ولكني أؤكد لكِ، أني لا أريدُ أن أكون سبباً في تعاستكِ."

توقفت سارة عن التنفس للحظة. هل كان هذا هو ما تنتظره؟ اعترافٌ بأنّ الأمر قد لا يكون مثالياً؟ "لم أكن أعرفُ أنك تشعرُ بهذه الطريقة،" قالت سارة، "والدي أخبرني بأنّك رجلٌ مناسبٌ جداً، وأنّ هذا الزواج سيكونُ سعيداً."

ضحك عاصم ضحكةً خفيفة، فيها شيءٌ من المرارة: "والدي أيضاً قال لي الكثير عنكِ، عن جمالكِ، وأخلاقكِ، وعن كونكِ الابنة المثالية. ولكن، هل يمكنُ للجمالِ والأخلاقِ أن تُبنى عليها سعادةٌ كاملةٌ إذا لم يكن هناك توافقٌ روحيٌّ؟"

كانت كلماته تلامسُ قلب سارة. كان هذا هو ما كانت تبحثُ عنه، التوافق، الشراكة الحقيقية. "بالضبط هذا ما أشعرُ به،" قالت سارة، "أريدُ أن يكونَ زواجنا مبنياً على أسسٍ متينة، على فهمٍ متبادل، وعلى حبٍّ يتجاوزُ مجرد المظهرِ أو النسب."

"وأنا أؤمنُ بذلك أيضاً،" قال عاصم، "أنا لا أريدُ زواجاً يقومُ على الإجبار، أو على تلبيةِ رغباتِ الأهلِ فقط. أريدُ أن أبنيَ بيتاً مع امرأةٍ أحبها، وتُحبني، ونستطيعُ أن نتشاركُ الأحلامَ والمصاعب."

بدأت سارة تشعرُ بأنّ ثقلاً كبيراً قد أُزيحَ عن صدرها. كان عاصم رجلاً واعياً، يفهمُ أبعادَ الحياة، وروحَ الزواج. "إذاً، ما الذي تراهُ مناسباً؟" سألت سارة، وقد تغلغلَ الأملُ في صوتها.

فكر عاصم ملياً، ثم قال: "ربما يمكننا أن نعطيَ الأمرَ وقتاً. يمكننا أن نواصلَ التواصل، أن نتعرفَ على بعضنا البعض بشكلٍ أعمق. يمكننا أن نجعلَ والدنا يرى أنّ السعادةَ لا تأتي بالقسر، بل بالقبولِ المتبادل."

"هذا اقتراحٌ رائع،" قالت سارة، وهي تشعرُ بأنّها أمامَ فرصةٍ حقيقية. "يمكننا أن نعقدَ خطبةً، تكونُ بمثابةِ وعدٍ بالمستقبل، ولكنها تمنحنا أيضاً مساحةً لنعرفَ بعضنا البعض قبلَ أن نتخذَ قراراً نهائياً."

"أوافقكِ تماماً،" قال عاصم، وقد بدت ابتسامتهُ أوسع وأكثرُ صدقاً، "الخطبةُ ستكونُ فرصةً لنا، ولأهلنا، لرؤيةِ ما إذا كانت هذهِ الشراكةُ ممكنةً حقاً."

استمرّ حديثهما لبعض الوقت، تبادلا فيه الأفكار، والأحلام، وحتى المخاوف. شعرت سارة بأنّها تتحدثُ مع صديقٍ قديم، مع شخصٍ يفهمها حقاً. كان عاصم رجلاً ذا مبادئ، يحترمُ قيمَ المجتمع، ولكنه لا يخشى التفكيرُ خارجَ الصندوق.

في نهاية اللقاء، شعرت سارة بارتياحٍ لم تعهده منذُ شهور. لم تحلّ جميعُ المشاكل، ولكنّ البابَ الذي كان مغلقاً بإحكام، بدأ يُفتحُ ببطء، ليكشفَ عن مساحاتٍ من الأمل.

"شكراً لكَ يا أستاذ عاصم،" قالت سارة، وهي تنهضُ من مقعدها، "لقد كانَ هذا الحديثُ مهماً جداً بالنسبةِ لي." "الشكرُ لكِ أنتِ يا أستاذة سارة،" أجاب عاصم، "لقد أعطيتِني أملاً جديداً."

عندما عادت سارة إلى منزلها، وجدت والدتها في انتظارها. "كيف كانَ اللقاء؟" سألت الأمُ بلهفة. ابتسمت سارة ابتسامةً مشرقة: "كانَ جيداً يا أمي. أعتقدُ أنّ الأمورَ بدأت تتغير."

لم تفصحْ عن كلّ التفاصيل، ولكنّ نظرةَ الأملِ في عينيها، وراحةَ البالِ التي ارتسمت على وجهها، كانت كافيةً لتطمئنَ الأم. لقد بدأت المعركةُ تأخذُ منعطفاً جديداً، منعطفاً يحملُ وعداً بحياةٍ تُبنى على الاختيار، وعلى الحبّ الصادق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%