حب من نظرة
همس الذكريات وخيط الأمل
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمة الهواء العليل التي داعبت وجهها تحمل معها عبق ذكرياتٍ لا تزال حية في روحها. جلست سارة على الشرفة المطلة على بستان الزيتون، تتأمل أشعة الشمس وهي تتسلل بين أغصان الشجر، ترسم لوحاتٍ ذهبية على الأرض. كانت تفكر في والدها، رجلٌ طيبٌ رحيم، وفي كلماته الأخيرة التي تركت أثراً عميقاً في نفسها: "الحياة يا بنيتي، تحمل في طياتها ما لا نتوقعه، فاصبري، واحتسبي، واجعلي رضا الله غايتك." تلك الكلمات كانت كالبلسم لجراحها، ومرساةٌ لأحلامها المتلاطمة.
فهد، الشاب الوسيم ذو العينين النجلاوين والقلب الطيب، كان يتابع سارة من نافذة مكتبه الصغيرة، يراقب شغفها وهي تغرس بذور الزهور في الأصيص، تضع عليها قطرات الماء برفقٍ كأنها تمنحها قبلة حياة. كان يرى فيها قوةً لا تتزعزع، وجمالاً روحانياً يتجاوز وصف الكلمات. منذ أن رآها لأول مرة في معرض الكتاب، شعر بأن روحه قد ألفت روحها، وأن قدراً خفياً يجمعهما. لكنه كان يعلم أن طريقهما لم يكن مفروشاً بالورود.
في تلك الأثناء، كان عم سارة، الحاج محمود، يستمع إلى أخبارٍ لم تكن سارة تتوقعها أبداً. كان يجلس مع الشيخ إبراهيم، صديق والده القديم، يناقشان أموراً تخص ثروة والد سارة المتوفى. قال الحاج محمود بصوتٍ خفيضٍ فيه مزيجٌ من الحزن والأسى: "لقد ترك الفقيد لنا أمانةً عظيمة، لكن يبدو أن هناك من يسعى للاستيلاء عليها. هناك بعض الأطراف التي تحاول التقرب من سارة باسم العاطفة، وهي لا ترى ما تراه عيوننا الخبيرة."
كان الشيخ إبراهيم، شيخٌ وقورٌ يرتدي عمامةً بيضاء، ينظر إلى الحاج محمود بجدية: "يجب أن نحميها يا محمود. هي غريبةٌ في هذه المدينة، وقد استغل البعض طيبة قلبها. هل تذكر ما قاله لي الفقيد قبل وفاته؟ عن شابٍ طيبٍ رأى فيه ابنتي؟"
أومأ الحاج محمود برأسه: "نعم، أتذكر. كان يتحدث عن فهد، ابن الحاج أحمد. لكن هل تثق به سارة؟ هل هم على وفاق؟"
"أعتقد أن الوقت قد حان لنتحدث معها بصراحة،" أجاب الشيخ إبراهيم. "لقد سمعت أن فهد يزورها بين الحين والآخر. هذا مؤشرٌ جيد."
عاد فهد إلى مكتبه، وقبل أن يمسك بقلمه، طرق بابه الحاج أحمد، والده. دخل الحاج أحمد، رجلٌ كريمٌ له هيبةٌ خاصة، وجلس مقابله. قال وهو يتأمل ابنه: "يا بني، لقد علمت أنك تلتقي بسارة كثيراً. هل هناك شيءٌ في قلبك تخبئه عني؟"
تلعثم فهد للحظة، ثم نظر إلى والده بعينين صادقتين: "نعم يا أبي. لقد أحببت سارة، وأرى فيها الزوجة الصالحة التي تتمناها لكل أبٍ لابنه. لكنني أخشى أن ظروفها الحالية قد تجعل الأمور معقدة."
ابتسم الحاج أحمد ابتسامةً دافئة: "لا تقلق يا بني. لقد تحدثت مع الحاج محمود والشيخ إبراهيم. الكل معجبٌ بخلقك وطيبتك. المهم الآن هو أن تتحدث أنت معها بوضوح. وأن تتقدم لخطبتها أمام أهلها، وأن تجعل الأمر رسمياً. لا شيء يرضيني أكثر من أن أرى ابني يعيش سعيداً مع زوجةٍ صالحةٍ تتقي الله."
شعرت سارة بوخزةٍ في قلبها حين تذكرت نظرات فهد الحانية، وابتسامته التي كانت تبعث الطمأنينة في نفسها. كانت تدرك أن وجوده في حياتها كان هبةً من الله. لكنها كانت تخشى أن يتعلق قلبها بشخصٍ قد لا يكون مقدراً لها. كانت ترى في الحاج محمود والشيخ إبراهيم أعمامها، وسندها في هذه الدنيا. وكلماتهما كانت كافيةً لتزرع بذرة الأمل في أرضٍ كانت تبدو قاحلة.
حينما نظرت سارة إلى الشمس التي كانت تغرب، تاركةً وراءها سماءً مزدانةً بألوانٍ برتقاليةٍ وردية، شعرت بأن الظلام الذي كان يخيم على حياتها بدأ يتلاشى. كانت ترى في فهد نوراً، وكانت مستعدةٌ لاتباع هذا النور، حتى لو كان الطريق مليئاً بالعقبات. لكنها كانت تعلم أن عليها أن تتأكد من صدق هذا النور، وأن تتأكد من أن قلبه متعلقٌ بها حقاً، وليس بمجرد ظلالٍ عابرة.
في تلك الليلة، حين كانت الغرفة تغرق في هدوء الليل، وبصوتٍ خفيضٍ، همست سارة في دعائها: "يا رب، إن كان في فهد خيرٌ لي، فاجعله لي. وإن كان غير ذلك، فارزقني ما هو خيرٌ لي." كانت تلك دعوةٌ صادقة، تعكس نقاء روحها، ورغبتها في اختيار ما يرضي الله.
في المقابل، كان فهد يشعر بتوترٍ خفيف. كان يعلم أن عليه أن يتخذ خطوةً جريئة. لقد حان الوقت ليصارح سارة بما في قلبه، ولينتقل بعلاقتهما إلى مستوىً جديد. كان يفكر في الكلمات المناسبة، في الوقت الملائم. لقد استمد قوته من دعم والده، ومن رؤية الأمل في عيني سارة. كان يريد أن يبني معها حياةً هانئةً، حياةً تبدأ بالحب الحلال، وتستمر في رضى الله.
بعد أن رتبت سارة شرفة منزلها، ودخلت إلى غرفتها، وجدت رسالةً صغيرةً موضوعةً بعنايةٍ على وسادتها. كانت الرسالة بخطٍ أنيقٍ، لم تعرفه سارة من قبل، لكنها شعرت بدفءٍ غريبٍ ينبعث منها. فتحتها ببطء، وقرأت: "إلى النجمة التي تضيء سمائي، أتمنى أن يكون يومكِ جميلاً كجمال روحكِ. سأنتظر لقاءنا القادم بفارغ الصبر. فهد." ابتسمت سارة ابتسامةً خفيفة، وشعرت بأن خيط الأمل قد امتد ليصل إليها.