حب من نظرة
بوح القلوب وبذور الشك
بقلم فاطمة النجار
كانت رائحة القهوة العربية الأصيلة تفوح في أرجاء المجلس، ممزوجةً بعبق بخور العود الذي كان يملأ الأجواء بالفخامة والسكينة. جلس الحاج محمود مع فهد، يتجاذبان أطراف الحديث في جوٍ من المودة والاحترام. كان الحاج محمود يراقب فهد بعينٍ تحمل الكثير من التقييم، يبحث عن النقاء والطيبة التي يحملها هذا الشاب في قلبه.
"يا فهد،" بدأ الحاج محمود بصوته العميق، "أعلم أنك تحب ابنة أخي، سارة. وإنني سعيدٌ جداً لسماع ذلك. فالفقيد، والدها، كان رجلاً صالحاً، وكان يتمنى لها أفضل الأزواج. وأنا أرى فيك ما تمناه."
رفع فهد رأسه، ونظر إلى الحاج محمود بامتنان: "أشكرك يا عمي. سارة فتاةٌ كريمةٌ، طيبة القلب، وتتقي الله. وقد أحببتها من كل قلبي. أسعى لأن أكون زوجاً صالحاً لها، وأباً لأبنائها، وأن أبني معها أسرةً سعيدةً ترضي الله."
"هذا كلامٌ طيب،" قال الحاج محمود، "ولكن، كما تعلم، سارة مرت بظروفٍ صعبة. وهناك بعض الأمور التي يجب أن نتأكد منها. لا أريد أن أرى هذه الفتاة الطيبة تتعرض لأذىً مرةً أخرى."
"وما هي هذه الأمور يا عمي؟" سأل فهد، وشعر بقليلٍ من القلق يتسلل إلى نفسه.
"هناك بعض الأطراف تحاول التقرب منها،" أوضح الحاج محمود، "وهي لا ترى حقيقتهم. فهم يسعون خلف مال أبيها، وليس خلفها. أريد أن أتأكد من أنك لست واحداً منهم، وأن حبك خالصٌ وصادق."
ابتسم فهد ابتسامةً واسعة: "يا عمي، لو كنت أعرف أن سارة تتطلع إلى المال، لما تجرأت على النظر إليها. أنا شابٌ ولله الحمد، أعمل بيدي، وأسعى لرزقي الحلال. حب سارة لم يأتِ من مالها، بل من روحها الطيبة، ومن خلقها الرفيع. إنني أحبها لأنها إنسانةٌ فريدة، لأنها تذكرني بوالدتي في طيبتها وحنانها. وإن كانت هناك أي مخاوف، فأنا مستعدٌ لتقديم أي دليلٍ يطمئن قلبك وقلبها."
كان الحاج محمود ينظر إلى فهد، ويشعر بأن صدقه يتغلغل في روحه. لقد رأى في عينيه بريقاً مختلفاً، بريقاً لا يمكن تزييفه. "حسناً يا بني. سأتحدث معها، وسأخبرها بكل ما سمعته منك. الأمل بالله كبير."
في تلك الأثناء، كانت سارة تتحدث مع صديقتها المقربة، ليلى، عبر الهاتف. كانت ليلى، شابةٌ مرحةٌ وفطنة، تعيش في مدينةٍ أخرى، لكن صداقتهما كانت متينةً كمتانة الجبال.
"وماذا عن فهد؟" سألت ليلى بحماس. "هل أخبركِ بشيءٍ؟ هل هناك تطورات؟"
تنهدت سارة: "لم يخبرني شيئاً رسمياً، لكنني أشعر بأن هناك شيئاً ما. الحاج محمود والشيخ إبراهيم يتحدثان كثيراً عن المستقبل، وعن ضرورة تأمين مستقبلي."
"وهذا شيءٌ جيد، أليس كذلك؟" قالت ليلى. "يا سارة، أنتِ جميلة، وطيبة، وتستحقين كل السعادة. لا تجعلي تجارب الماضي تحول دون سعادتكِ. فهد يبدو شاباً محترماً. هل تشعرين نحوه بشيء؟"
ترددت سارة قليلاً قبل أن تجيب: "أنا... أنا أحترم فهد كثيراً. وأرى فيه صفاتٍ رائعة. إنه لطيفٌ، مهذبٌ، ويحرص على إرضاء الآخرين. ولكني... ولكني ما زلت أشعر بالخوف. أخاف أن أتعلق به، ثم يتبين لي أنه ليس كما أظن."
"أتفهم خوفكِ،" قالت ليلى بصوتٍ حنون. "لكن يا سارة، لا يمكنكِ أن تعيشي حياتكِ كلها في خوف. الحياة لا بد أن تمضي. وأن تسيري نحو المستقبل بخطواتٍ ثابتة. إذا استمررتِ في النظر إلى الخلف، فلن تري ما هو أمامكِ. حاولي أن تثقي بقلبكِ، وبحكمتكِ. أحياناً، نحتاج إلى أن نمنح الفرصة لأنفسنا، وللآخرين."
"أتمنى ذلك يا ليلى،" قالت سارة، وعيناها تدمعان قليلاً. "لكن ما يقلقني أكثر هو أنني بدأت أشعر بأنه... بشيءٍ نحوه. شيءٌ يتجاوز مجرد الاحترام. وهذا ما يخيفني أكثر."
"وهذا هو الشيء الأجمل يا سارة!" هتفت ليلى. "هذا هو بداية الحب. لا تخافي منه. بل احتضنيه. وإن كان فيكِ شيءٌ نحوه، فليكن. ولكن، كوني حذرةً أيضاً. لا تتسرعي. خذي وقتكِ. تحدثي معه، واعرفيه أكثر. وكوني متيقظةً لأي علامةٍ تدل على عدم صدقه."
بعد انتهاء المكالمة، جلست سارة وحدها، تتأمل كلمات ليلى. كانت تشعر بصراعٍ داخليٍ كبير. من جهة، كانت ترغب في أن تمنح قلبها فرصةً للسعادة. ومن جهةٍ أخرى، كانت مخاوف الماضي تلقي بظلالها على حاضرها.
في تلك الأثناء، كان الحاج محمود يجلس مع الشيخ إبراهيم. "لقد تحدثت مع فهد،" قال الحاج محمود، "ورأيت في عينيه الصدق. يبدو أنه رجلٌ طيبٌ حقاً."
"الحمد لله،" قال الشيخ إبراهيم. "الفقيد كان يتحدث عنه كثيراً. كان يرى فيه الشاب الذي يحفظ عرضه، ويصون ماله، ويحسن معاملة زوجته. ولكن، يجب أن نتذكر، أن هناك أخاً للفقيد، غاب عن البلاد منذ زمنٍ طويل. وقد سمعت أن له ديوناً قديمةً على الفقيد، وأنه قد عاد مؤخراً. وهذا قد يسبب بعض التعقيدات."
اتسعت عينا الحاج محمود: "أخو الفقيد؟ لم يخطر ببالي. هل له علاقةٌ بسارة؟"
"لا أعتقد أنه لديه علاقةٌ مباشرةٌ بسارة،" أجاب الشيخ إبراهيم، "ولكنه قد يسعى للوصول إلى ثروة الفقيد. ويجب أن نحتاط. سارة فتاةٌ طيبةٌ، ولكنها قد تكون ضعيفةً أمام من يتقنون فن الخداع."
تنهد الحاج محمود: "إن الله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يجب أن نكون على حذرٍ، وأن نساعد سارة في حماية حقوقها. وأن نحثها على اختيار الزوج الصالح الذي يكون سنداً لها."
في المساء، وبينما كانت النجوم تتلألأ في سماءٍ صافية، تلقت سارة رسالةً نصيةً من فهد. كانت الرسالة قصيرةً لكنها حملت معاني عميقة: "أتمنى أن تكوني بخير. أود أن أراكِ غداً، إذا كان لديكِ وقت. لدي أمرٌ هامٌ أود أن أبوح به لكِ."
شعرت سارة بدقات قلبها تتسارع. هل سيصارحها بمشاعره؟ هل سيتحدث عن خططهم المستقبلية؟ هل ستتمكن من التغلب على مخاوفها، وتمنح قلبها فرصةً ليعيش الحب الحلال؟ بدأت بذور الشك تتناثر في عقلها، ممزوجةً ببذور أملٍ جديدة.