حب من نظرة
المواجهة والمفاجأة الكبرى
بقلم فاطمة النجار
كانت أشعة الشمس الصباحية تتسلل عبر النوافذ المفتوحة، تلقي بظلالٍ طويلةٍ على أرضية الغرفة، ترسم خطوطاً ذهبيةً تزداد وضوحاً مع مرور الوقت. جلست سارة على مقعدها المفضل قرب النافذة، تتأمل حديقة المنزل التي اكتست بوشاحٍ أخضرٍ زاهٍ، تزينها ألوان الزهور المتنوعة. كانت تحمل في يدها كوب قهوةٍ ساخن، تتنفس عبيره الذي يبعث على الاسترخاء، لكن قلبها كان يضطرب بتوترٍ خفيف. رسالة فهد بالأمس قد تركت أثراً عميقاً في نفسها، وأثارت فيها مزيجاً من الترقب والأمل.
بعد قليل، سمعت طرقاً خفيفاً على باب الغرفة. رفعت رأسها، فرأت فهد يقف عند الباب، يرتدي ثوباً عربياً أنيقاً، وتزين وجهه ابتسامةٌ واسعةٌ تبعث على الراحة. كان يحمل في يده باقةً من الزهور البيضاء، رقيقةٌ كرقّة روحها.
"صباح الخير يا سارة،" قال بصوته الهادئ والدافئ. "أتمنى أن تكوني بخير."
"صباح النور يا فهد،" أجابت بصوتٍ فيه بعض الارتباك. "تفضل بالدخول."
دخل فهد، وقدم لها باقة الزهور. "هذه لكِ. رأيتها اليوم، فذكرتني بجمالكِ ونقائكِ."
ابتسمت سارة، وشعرت ببعضٍ من توترها يتلاشى. "شكراً لك. إنها جميلةٌ جداً."
جلس الاثنان على الأريكة، وبدأت سارة تطرح عليه بعض الأسئلة العامة، في محاولةٍ منها لكسر حاجز الصمت الذي بدأ يخيم بينهما. سألته عن عمله، وعن أحوال عائلته. وكان فهد يجيب بصراحةٍ وصدق، يروي لها قصصاً عن طفولته، وعن علاقته بوالده.
"لقد تحدثت مع الحاج محمود بالأمس،" قال فهد فجأة، وقد اختفت الابتسامة من وجهه، وحل محلها جادةٌ خفيفة. "لقد أخبرني عن حبكِ، وعن رغبتي في التقدم لكِ رسمياً."
تجمدت سارة للحظة، وشعرت بدماءٍ تجري في عروقها بسرعة. لقد جاء الأمر أسرع مما توقعت. "آه... نعم. الحاج محمود أخبرني."
"سارة،" قال فهد، ونظر إليها بعينين تحملان الكثير من الصدق والعمق، "لقد أحببتكِ منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها. أحببت نقاء روحكِ، طيبة قلبكِ، وقوة شخصيتكِ. رأيت فيكِ الزوجة الصالحة، الأم الحنون، وشريكة الحياة التي ترضي الله. ولكنني أعلم أنكِ مررتِ بتجارب صعبة، وأعلم أنكِ قد تخشين الارتباط مرةً أخرى. ولذلك، أريد أن أقدم لكِ وعداً، وعداً بأن أكون سنداً لكِ، وحمايةً لكِ. سأكون بجانبكِ في كل خطوة، وسأعمل بجدٍ لأجعلكِ سعيدةً، ولنبني معاً حياةً هانئةً ترضي الله."
شعرت سارة بأن الكلمات تخرج من فم فهد بصعوبةٍ، وكأنها عبءٌ ثقيلٌ يلقيه عن كاهله. كانت ترى في عينيه صدقاً لا يشوبه شك. "فهد،" قالت بصوتٍ مرتعشٍ قليلاً، "أنا... أنا ممتنةٌ جداً لكلماتك. وأنا أيضاً، أحترمك كثيراً، وأرى فيك خيراً كثيراً. ولكن..."
"ولكن؟" سأل فهد، وشعر بقليلٍ من القلق.
"ولكن،" أكملت سارة، "لا يمكنني أن أنكر أنني ما زلت أشعر ببعض الخوف. الخوف من المستقبل، والخوف من تكرار الماضي."
"أتفهم خوفكِ،" قال فهد، ونطق بهدوءٍ حاول أن يعكس ثقته. "ولكن، هل تثقين بي؟ هل تثقين في قدرتي على حمايتكِ؟ وعلى جعل حياتكِ أفضل؟"
نظر فهد إلى سارة بترقب، منتظراً إجابتها. كانت سارة تفكر ملياً. لقد تحدثت ليلى، والحاج محمود، والشيخ إبراهيم عن فهد. وكان كل ما رأته وسمعته عنه يبشر بالخير. لقد رأى فيه زوجاً صالحاً، ورجلاً يعتمد عليه.
"أنا... أنا أثق بك يا فهد،" قالت سارة أخيراً، وشعرت بأن ثقلاً قد أزيح عن صدرها. "أنا أثق في حسن نواياك، وأثق في طيبة قلبك. وآمل أن تكون هذه الخطوة بدايةً لحياةٍ جديدةٍ لنا."
ابتسم فهد ابتسامةً واسعة، وارتسمت على وجهه علامات الفرح والراحة. "الحمد لله. هذا كل ما أتمناه. سأتحدث مع والدي، ومع الحاج محمود، وسنحدد موعداً لزيارة عائلتكِ، لتقديم طلب الخطبة رسمياً."
في تلك الأثناء، كان الحاج محمود يجلس في مكتبه، يتفحص بعض الأوراق المتعلقة بتركة والد سارة. كان يدرك أن هناك بعض الأطراف التي قد تستغل ضعف سارة، وتسعى للاستيلاء على ثروتها. وبينما هو منهمكٌ في عمله، طرق الباب شخصٌ لم يتوقعه أبداً. كان رجلاً طويل القامة، ذو وجهٍ قاسي الملامح، وشعرٌ بدأ بالشيب.
"من أنت؟" سأل الحاج محمود بدهشة.
"اسمي أحمد،" قال الرجل بصوتٍ أجش. "أنا أخو المرحوم، والد سارة."
تجمد الحاج محمود للحظة. لقد تحدث الشيخ إبراهيم عن عودته، ولكنه لم يتخيل أن لقاءهما سيكون بهذه السرعة، وبهذه الطريقة. "أهلاً بك،" قال الحاج محمود بصوتٍ حاول أن يجعله طبيعياً. "لم نتوقع عودتك."
"نعم، لقد عدت،" قال أحمد، وعيناه تتجولان في المكتب، وكأنه يبحث عن شيء. "لقد سمعت عن وفاة أخي. وعن سارة. بصفتي أقرب الناس إليه، أريد أن أشارك في ترتيب أموره."
"بالطبع،" قال الحاج محمود. "ولكن، كل شيءٍ تحت السيطرة. لقد توليت أنا والشيخ إبراهيم ترتيب كل شيء."
"وأنا أقدر ذلك،" قال أحمد. "ولكن، لدي بعض الحقوق التي يجب أن أستردها. فقد ترك أخي لي ديوناً كثيرة."
شعر الحاج محمود بقليلٍ من الشك. لقد كان يعلم أن والد سارة كان رجلاً ميسور الحال، ولم يكن معروفاً بمديونياته. "ديون؟" سأل باستغراب. "لم أسمع عن أي ديون."
"ربما لم تسمع،" قال أحمد بنبرةٍ تحمل بعض التهديد. "لكنني سمعت. وأنا هنا لاستلام ما هو لي. وأريد أن أرى سجلات والد سارة المالية. أريد أن أتأكد من أن كل شيءٍ سار على ما يرام."
في تلك اللحظة، دخل فهد إلى مكتب الحاج محمود، ليباركه على الخطوة التي اتخذها. رأى فهد أحمد، وشعر بارتياحٍ غريبٍ بداخله.
"من هذا الرجل؟" سأل فهد الحاج محمود.
"هذا أحمد، أخو والد سارة،" أجاب الحاج محمود.
"آه،" قال أحمد، ونظر إلى فهد بنظرةٍ فيها تقييم. "وهذا الشاب من يكون؟"
"هذا فهد، ابن الحاج أحمد،" قال الحاج محمود. "وهو... خطيب سارة."
اتسعت عينا أحمد بصدمة. "خطيب سارة؟ أنت؟" نظر إلى فهد بنظرةٍ تحمل الكثير من الشك. "وهل أنت متأكدٌ من ذلك؟ هل لديك القدرة على حمايتها؟ وهل تعرف ما هي المخاطر التي تحيط بها؟"
قبل أن يتمكن فهد من الرد، تدخّل الحاج محمود. "فهد رجلٌ طيبٌ وصالح، وسيحمي سارة. وهو من عائلةٍ محترمة."
"عائلة محترمة،" ضحك أحمد ضحكةً خافتةً باردة. "قد تكون العائلة محترمة، ولكن هل سارة نفسها في مأمن؟"
شعر فهد بالغضب يتصاعد في داخله. كان أحمد يثير لديه شعوراً بالخطر. "لا أعرف ما تقصده،" قال فهد بهدوءٍ حاول أن يخفي به غضبه. "ولكني أؤكد لك أنني سأبذل كل ما في وسعي لحماية سارة، ولجعلها سعيدة."
"هذا ما سنراه،" قال أحمد بنبرةٍ تحمل تحدياً. "ولكن، قبل كل شيء، أريد أن أتأكد من أموري المالية. وأريد أن أرى سجلات والد سارة. وإلا، فقد أضطر لاتخاذ إجراءاتٍ أخرى."
شعر الحاج محمود بأن الأمور بدأت تتعقد. كانت عودة أخو والد سارة مفاجأةً غير سارة، وكان هدفه غير واضح. لقد شعر بأن هناك شيئاً ما يخفيه أحمد، وأن كلامه عن الديون ليس إلا ذريعةً.