حب من نظرة
شبكة المؤامرات وخيوط الحقيقة
بقلم فاطمة النجار
كان الهواء في قصر الحاج محمود ثقيلاً، مثقلاً بالترقب والقلق. اجتمع الحاج محمود، والشيخ إبراهيم، وفهد، وسارة في إحدى الغرف الفسيحة، وقد عم الصمت المكان، لا يقطعه سوى صوتُ دقاتِ قلوبهم المتسارعة. كان أحمد، أخو والد سارة، قد ألقى ببذرة الشك والريبة في أرجاء القصر، وهدده المبادرة باللجوء إلى القانون لاستعادة حقوقه المالية.
"لا أصدق أن أخي كان مديوناً،" قال الحاج محمود بصوتٍ متعب، وهو يقلب أوراقاً قديمةً وجدها في مكتبه. "لقد كان رجلاً كريماً، ولم يكن معروفاً بالبذخ أو الإسراف."
"ربما كانت ديوناً قديمة،" قال الشيخ إبراهيم، وهو يتأمل وجه أحمد بنظراتٍ تحمل الكثير من الحذر. "أو ربما كانت ديوناً سريةً، لم يكن يعلم بها إلا هو. ولكن، لماذا عاد الآن؟ ولماذا كل هذا الإصرار على استلام سجلاته المالية؟"
كان فهد يشعر بغضبٍ خفيٍ يتصاعد في داخله. لقد رأى في نظرات أحمد لسارة تقييماً غريباً، نظرةً لا تليق بأخٍ رحيم. "أشعر يا عمي،" قال فهد، "أن هذا الرجل يخفي شيئاً. كلامه عن الديون قد يكون مجرد ستارٍ لأهدافٍ أخرى."
"وما هي هذه الأهداف برأيك؟" سأل الشيخ إبراهيم.
"لا أعرف بالتحديد،" أجاب فهد. "ولكن، قد يكون يسعى للاستيلاء على ثروة سارة. أو ربما لديه حسابٌ قديمٌ مع الفقيد."
نظرت سارة إلى فهد بإعجاب، فقد كانت تشعر بنفس الشكوك. لقد أدركت أن فهد ليس مجرد شابٍ طيبٍ، بل هو رجلٌ ذكيٌ وفطين، قادرٌ على رؤية ما لا يراه الآخرون. "أنا أيضاً أشعر بذلك،" قالت بصوتٍ واضح. "لم يكن أخي يتعامل مع أي شخصٍ لديه ديون. كان رجلاً حذراً جداً في أموره المالية."
"إذاً، ما هو الحل؟" سأل الحاج محمود. "لا يمكننا أن نجلس مكتوفي الأيدي، وهو يهددنا."
"يجب أن نتحقق من سجلاته المالية،" قال الشيخ إبراهيم. "ولكن، بحذر. وربما نحتاج إلى مساعدةٍ خبيرٍ في المحاسبة. ليتأكد من صحة هذه الديون المزعومة."
في تلك الأثناء، كان أحمد يمشي في أروقة القصر، يتأمل اللوحات الفنية، ويستشعر الأجواء الفخمة. كان لديه هدفٌ واضحٌ في ذهنه، وكان يعرف كيف يصل إليه. لقد كان يعلم أن والد سارة كان رجلاً ذكياً، وأن أمواله لم تكن مبعثرةً. كان عليه أن يجد الطريقة الصحيحة للوصول إليها.
"يا سارة،" قال أحمد، وهو يقابلها في إحدى الممرات. "لقد سمعت أنكِ على وشك الزواج. هذا خبرٌ مفرح."
ابتسمت سارة ابتسامةً خفيفة، فيها مزيجٌ من الأدب والحذر. "نعم، إن شاء الله."
"ومن هو سعيد الحظ؟" سأل أحمد.
"فهد، ابن الحاج أحمد،" أجابت سارة.
"آه، فهد،" قال أحمد، ونطق الاسم ببرودٍ غريب. "لقد رأيته. يبدو شاباً طيباً. ولكن، هل هو قادرٌ على حمايتكِ؟ وعلى تلبية احتياجاتكِ؟"
شعرت سارة بأن كلامه فيه شيءٌ من الاستفزاز. "فهد رجلٌ كفؤ، وسيكون سنداً لي. وهو يحبني، وأنا أحبه."
"الحب جميل،" قال أحمد، ونطق الكلمة بتهكمٍ واضح. "ولكن، الحب لا يدفع فواتير. ولا يحميكِ من أعدائكِ. سارة، يجب أن تكوني حذرةً. هناك الكثير من الذئاب في هذه المدينة، وهم يتربصون بكِ. وأنا، بصفتي أخا والدكِ، أريد أن أساعدكِ."
"شكراً لك،" قالت سارة، وهي تحاول أن تنهي الحديث. "ولكن، لست بحاجةٍ لمساعدتك. الحاج محمود والشيخ إبراهيم يقفان بجانبي."
"هم طيبون،" قال أحمد، "ولكنهم ليسوا أقوياء مثلما تعتقدين. سارة، سأقدم لكِ نصيحةً من أخٍ كبير. لا تثقي بأحد. ولا تعطي أحداً ثقته الكاملة. خاصةً هذا الشاب، فهد. أنا لا أعرف ما هي دوافعه الحقيقية. قد يكون يسعى لشيءٍ آخر وراء حبكِ."
صدمت سارة من كلام أحمد. هل كان يحاول أن يزرع الشك في قلبها؟ هل كان هذا سلوك أخٍ يريد المساعدة؟ "لماذا تقول هذا؟" سألت بغضبٍ خفي. "فهد رجلٌ كريمٌ، وهو يحبني بصدق."
"الحب يظهر، يا عزيزتي،" قال أحمد بابتسامةٍ ماكرة. "ولكن، أحياناً، يخفى خلف الستار ما لا نتوقع. سأترك لكِ هذا الأمر لتفكرين فيه."
ترك أحمد سارة وحدها، وهي تشعر بالدوار. لقد نجح أحمد في أن يزرع بذرةً صغيرةً من الشك في قلبها. ورغم أنها كانت واثقةً من حب فهد، إلا أن كلماته كانت تتردد في أذنيها.
في تلك الأثناء، كان فهد يتحدث مع والده، الحاج أحمد. "يا أبي،" قال فهد، "لقد قابلت أخا والد سارة. الرجل يبدو خطيراً. وأعتقد أنه لا يقول الحقيقة بشأن الديون."
"علمت بذلك،" قال الحاج أحمد. "وقد تحدثت مع الحاج محمود. لقد قال لي أن أحمد يصر على رؤية السجلات المالية. وأن الأمر قد يتطور إلى مشكلةٍ قانونية."
"هذا ما أريد تجنبه،" قال فهد. "ولكن، أعتقد أن أحمد يريد شيئاً آخر. شيئاً لا يتعلق بالمال."
"وماذا تعتقد أنه يريده؟" سأل الحاج أحمد.
"لا أدري،" أجاب فهد. "ولكن، يجب أن نكون على حذر. سارة لا تزال صغيرةً، وقد تكون ضعيفةً أمام هذا الرجل. أريد أن أساعدها، وأحميه."
"وأنا معك يا بني،" قال الحاج أحمد. "مهما كان الأمر، سندعم سارة. وسنتأكد من أن هذه الأمور ستنتهي بالخير. لقد سمعت أن الشيخ إبراهيم قد طلب مساعدة خبيرٍ محاسبي. هذا قرارٌ حكيم."
في تلك الليلة، وبينما كان الظلام يلف المكان، كان أحمد يجلس في غرفته، يتحدث عبر الهاتف. "لقد اقتربت،" قال بصوتٍ منخفض. "ولكن، هناك عقبات. الشاب فهد، يبدو أنه يحميها. والحاج محمود، ليس بالرجل الساذج. ولكن، لا تقلق. لدي خطةٌ بديلة. وسأجعل سارة تدفع الثمن."
كانت كلماته تحمل تهديداً واضحاً. كانت شبكة المؤامرات تكتمل، وخيوط الحقيقة بدأت تظهر. كانت سارة، وفهد، والحاج محمود، والشيخ إبراهيم، أمام معركةٍ صعبة، معركةٍ تتطلب منهم الشجاعة، والحكمة، والثقة بالله.