الفصل 18 / 25

حب من نظرة

الفجر الأخير قبل العاصفة

بقلم فاطمة النجار

ارتعشت يد ليلى وهي تضع فنجان القهوة على الطاولة الخشبية العتيقة. كان صوت أمها وهي تناديها من المطبخ أشبه بصوت طائر يغرد قبل أن ينقض عليه صقر. كل نبضة قلب كانت تحمل معها ثقل اللحظة، ثقل الكلمات التي تجمعت في حلقها كحصاة صغيرة. منذ اللحظة التي قرأت فيها تلك الرسالة، شعرت أن الأرض قد انشقت وابتلعتها، وأن السماء قد غطت وجهها بغمام كثيف. "ليلى! هل انتهيتِ من ترتيب الكتب؟" نادى صوت أمها مرة أخرى، أكثر إلحاحًا هذه المرة.

"قادمة يا أمي!" أجابت بصوت بالكاد مسموع، ثم قامت بخطوات ثقيلة نحو المطبخ. كانت رائحة الهيل والقرنفل تملأ المكان، لكنها لم تمنحها أي شعور بالراحة. جلست على المقعد المعتاد، وحاولت أن ترسم ابتسامة مطمئنة لوالدتها. "صباح الخير يا أمي."

"صباح النور يا حبيبتي. ما بكِ؟ تبدين شاحبة اليوم." سألتها والدتها وهي تضع أمامها طبقًا من الفاكهة الطازجة.

ارتعش جسد ليلى قليلاً. كيف لها أن تخبر أمها الحنونة، أمها التي عاشت حياتها كلها في خدمة عائلتها، أن كل شيء على وشك الانهيار؟ كيف تخبرها أن مستقبلها، الذي تخطط له بجد، قد يصبح سرابًا؟ "لا شيء يا أمي، مجرد قليل من الإرهاق." قالتها محاولة أن تبدو طبيعية.

"الإرهاق لا يجعل الوجنتين تفقدان لونهما هكذا. هل هناك ما يزعجك؟ هل حدث شيء مع يوسف؟" سألت والدتها بقلق، عيناها الفضوليتان تتفحصان وجه ابنتها.

تنهدت ليلى تنهيدة عميقة. لم يكن بإمكانها إخفاء الأمر عن أمها. لطالما كانت نافذتها التي ترى بها العالم، ومرآتها التي تعكس صدق مشاعرها. "يا أمي، هناك أمر أود أن أحدثكِ فيه."

توقفت والدتها عن تناول فاكهتها، ورفعت حاجبيها بانتظار. "تفضلي يا بنيتي. أذناي صاغية."

جلست ليلى وظلت صامتة للحظات، تبحث عن الكلمات المناسبة. الرسالة كانت في جيب سترتها، باردة وثقيلة كحكم إعدام. "لقد وصلني... وصلني بريد من المحكمة. بخصوص قضية عمي."

تسارعت أنفاس والدتها. "ماذا؟ وماذا يقولون؟ هل هناك أخبار جديدة؟"

"الأخبار ليست جيدة يا أمي." قالت ليلى بصوت مرتجف. "يبدو أن... يبدو أن هناك شهادة جديدة تم تقديمها. شهادة تدين عمي بشكل قاطع."

ارتسمت علامات الذهول على وجه والدتها. "شهادة جديدة؟ وما هذه الشهادة؟ ومن قدمها؟"

"الرسالة لم توضح هوية الشاهد. ولكن... ولكن ما ذكر فيها كان مفصلاً للغاية. تفاصيل لا يعرفها إلا القريبون جداً." شعرت ليلى بالدوار. لقد كانت تعرف هذه التفاصيل. كانت تعرفها لأنها استمعت إليها من فم عمها نفسه.

"وماذا يعني هذا؟" سألت والدتها، وصوتها أصبح يرتجف. "هل سيسجن؟"

"هذا ما يبدو. إن كانت الشهادة موثوقة..." بدأت ليلى، ثم قاطعتها والدتها.

"موثوقة؟ كيف لا تكون موثوقة؟ لقد قضى عمره يحاول إثبات براءته! ومن يقدم شهادة الآن، بعد كل هذه السنوات؟" انتاب الأم غضب شديد، لكنه كان غضبًا ممزوجًا بالخوف.

"هذا ما أحاول فهمه يا أمي." قالت ليلى، وعيناها بدأت تدمعان. "ولكن هناك شيء آخر... شيء يجعلني أشعر بأن هذه الشهادة ليست مجرد دليل."

"ما هو؟"

"الرسالة... هناك جزء صغير في الرسالة، مكتوب بخط مختلف. كأن شخصًا أراد أن يضيف معلومة سرًا."

"وما هو هذا الجزء؟"

"يقول... يقول إن من قدم الشهادة هو شخص كان يتمنى لها... يتمنى لي ولعائلتي الخير."

اتسعت عينا والدتها. "هذا غريب. لماذا يقول ذلك؟ ومن قد يتمنى لنا الخير وهو يدين أخا زوجي؟"

"لا أعرف يا أمي. ولكن... ولكن هناك كلمة واحدة ذكرت في هذا الجزء الإضافي، كلمة كانت المفتاح. كلمة لا يمكن أن تكون عادية."

"وما هي الكلمة؟"

"ذكرت الرسالة أن الشاهد... أن الشاهد تربطه بوالد عمي صلة قديمة. صلة... تتعلق بـ 'صندوق أسرار'."

تجمدت والدتها في مكانها. "صندوق أسرار؟ أي صندوق أسرار؟"

"لا أعرف يا أمي. لم أسمع بهذا من قبل. ولكن... ولكن عندما قرأت هذه الكلمة، شعرت بأن شيئًا ما قد انفتح في ذهني. كأن الذاكرة قد عادت."

"ماذا تتذكرين؟" سألت الأم، وبدأت عيناها تلمعان بوميض من الأمل الممزوج بالارتباك.

"أتذكر... أتذكر أن والدي... والدي كان يخفي دائمًا شيئًا. صندوقًا صغيرًا، خشبيًا، مزخرفًا. كان يقول إنه مليء بذكريات قديمة. وكان يخفيه دائمًا في مكان آمن. لم يرَه أحد سواه."

"وهل رأيتِ هذا الصندوق؟"

"نعم. رأيته مرة واحدة عندما كنت صغيرة جدًا. وكان والدي يفتحها وينظر إلى ما فيها ثم يعود ليغلقها بسرعة. لم أكن أفهم لماذا. لكنني أتذكر نقشًا عليه... نقشًا يشبه... يشبه النجمة بخمسة رؤوس."

بدأت والدتها بالبكاء بصوت خافت. "يا إلهي... هل يمكن أن يكون ذلك الصندوق هو المقصود؟ وماذا يحتوي؟"

"لا أعرف. ولكن يبدو أن هذا الشاهد... الشاهد مرتبط بهذا الصندوق. وربما... وربما هذا الصندوق يحتوي على دليل لبراءة عمي."

"ولكن من يكون هذا الشاهد؟ ولماذا يخفي هويته؟ ولماذا يرسل الرسالة بهذه الطريقة؟" سألت والدتها، تلاحق أفكارها المتشعبة.

"لا أعرف. ولكن يجب أن أجد هذا الصندوق. يجب أن أعرف ما بداخله. هذا هو الأمل الوحيد لعمي."

"وكيف ستجدينه؟"

"هذا ما جعلني قلقة. والدي... لم يترك أي أثر لمكان إخفائه. أعرف أنه كان حريصًا جدًا."

في هذه الأثناء، كان يوسف يراقب ليلى من خلف زاوية الباب. لم يكن يقصد التجسس، ولكن صوتهما المرتفع بعض الشيء جعله يسمع جزءًا من الحديث. سمع كلمة "المحكمة" و"عمي" و"شهادة" و"صندوق أسرار". شعر بقلبه يدق بعنف. كان يعرف عن صندوق أسرار والده. كان يعرف أنه يحتوي على أشياء تخصه، ولكنه لم يعرف تفاصيلها. لقد كان والده دائمًا غامضًا بشأنها.

خرج يوسف من مخبئه. "ليلى؟ أمي؟ ما الذي يحدث؟"

نظرت ليلى إلى يوسف، وبدأت تشعر بأن العبء يزداد ثقلاً. لقد كان الجميع على وشك أن تتغير حياتهم. "يوسف... أخبار ليست جيدة."

"ما هي؟" سأل يوسف، وبدأت يشعر بقلق شديد.

"وصلتني رسالة... تتعلق بقضية عمك. هناك شهادة جديدة... قد تدينه."

تجمد يوسف. "تدينه؟ لكنه بريء!"

"نعم، هذا ما كنا نؤمن به. ولكن يبدو أن هذه الشهادة قوية. والأمر الأكثر غرابة... أن هناك معلومة سرية أضيفت للرسالة، تشير إلى أن الشاهد لديه صلة بـ 'صندوق أسرار' كان والدي يملكه."

اتسعت عينا يوسف. "صندوق أسرار والدي؟"

"نعم. يبدو أن والدك كان يحتفظ فيه بشيء مهم."

"ولكن... أعرف أن والدي كان يخفي أشياء. ولكني لم أعرف أبدًا عن صندوق بهذا الاسم."

"هذا ما يجعل الأمر أكثر غموضًا." قالت ليلى. "ولكن هذه الكلمة، 'صندوق أسرار'، استدعت في ذهني ذكرى. ذكرى والدي، وهو يخفي صندوقًا خشبيًا مزخرفًا. أعتقد أنه هو المقصود."

"وإذا كان كذلك، فماذا بداخله؟" سأل يوسف.

"ربما... ربما دليل على براءة عمك." قالت ليلى، وعيناها لمعت بالأمل. "ولكن لا نعرف أين هو."

"صندوق والدي... كان دائمًا حريصًا على إخفاء أغراضه. ولكني أتذكر أنه كان دائمًا يحمل شيئًا معدنيًا في جيبه، شيئًا يلمع. وكان يستخدمه أحيانًا، ثم يعيده إلى مكان ما."

"ما هو هذا الشيء؟" سأل يوسف.

"لم أره عن قرب. ولكنه كان يشبه... يشبه مفتاحًا صغيرًا."

"مفتاح؟" تكررت ليلى الكلمة. "مفتاح لاي شيء؟"

"لا أعرف. ولكني أتذكر أنه كان يختفي دائمًا بعد استخدامه."

"إذاً، ربما هذا المفتاح هو دليل لمكان الصندوق. أو ربما هو مفتاح للصندوق نفسه!" قالت ليلى، وبدأت تنهض من مقعدها، وعيناها تبرقان بتصميم جديد. "يجب أن نبحث في مقتنيات والدي. ربما نجد هذا المفتاح."

"ولكن هذا يعني أننا سنبحث في أماكن قديمة. ربما في الغرفة التي كان يستخدمها والدي كمكتب." قال يوسف، وبدأت مشاعر جديدة تتسلل إليه. كان يعرف أن والده كان لديه ماضٍ معقد، ولكنه لم يدرك أن هذا الماضي قد يكون مفتاحًا لحل قضية كبيرة.

"هذا ما سنفعله. يجب أن نفعل كل ما في وسعنا." قالت ليلى، وشعرت بأن زمام الأمور قد انقطع من بين يديها، وأنها تغوص في بحر من الشكوك والأسرار، وأن الصراع الحقيقي قد بدأ للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%