حب من نظرة
متاهة الماضي والمفتاح المفقود
بقلم فاطمة النجار
كانت الشمس قد بدأت ترتفع في السماء، ملقية بظلال طويلة على أرجاء المنزل. لكن دفء أشعتها لم يصل إلى قلوب ليلى ويوسف، اللذين كانا يقفان أمام باب الغرفة التي كانت يومًا مكتب والد يوسف. الغرفة التي لم يدخلها أحد منذ سنوات، وظلت شاهدة صامتة على زمن مضى. كانت رائحة الغبار والورق القديم تفوح من تحت الباب، حاملة معها عبق ذكريات لم يجرؤا على نبشها من قبل.
"هل أنتِ مستعدة؟" سأل يوسف، وصوته كان خافتًا، يرتجف قليلاً.
أومأت ليلى برأسها. "علينا أن نفعل ذلك. لم يعد هناك وقت للتردد."
فتحت ليلى الباب ببطء. كان الظلام يخيم على الغرفة، رغم ضوء الصباح المتسلل من النافذة المغطاة بستائر سميكة. الأثاث مغطى بأغطية بيضاء، أشبه بأشباح تتجسد في الغرفة. الكتب مكدسة على الرفوف، والغبار يكسوها طبقة سميكة. كانت الأجواء ثقيلة، كأن الزمان نفسه قد توقف داخل هذه الغرفة.
"أمي قالت إن والدي كان يقضي معظم وقته هنا." همس يوسف، وبدأ يرفع الأغطية عن الأثاث.
بدأت ليلى تتحرك في الغرفة، وعيناها تتفحصان كل زاوية. كانت تبحث عن أي شيء قد يشير إلى وجود هذا المفتاح الغامض. كانت تتذكر وصف يوسف له: صغير، معدني، لامع.
"والدي كان لديه عادة غريبة." قال يوسف وهو يفتح درجًا في المكتب. "كان يحب جمع الأشياء الصغيرة. قطع النقود القديمة، أزرار غريبة، حصى ملونة... كان يضعها في علب صغيرة."
"ربما يكون المفتاح بين هذه الأشياء؟" قالت ليلى، وبدأت تساعده في تفتيش الأدراج.
قضى الاثنان الساعات التالية في نبش أسرار الماضي. كان كل شيء في الغرفة يروي قصة. صور قديمة لوالد يوسف في شبابه، رسائل بخط اليد لم يجرؤا على قراءتها، أدوات مكتبية عتيقة، وحتى بعض الرسومات الطفولية ليوسف. كانت كل قطعة تحمل في طياتها جزءًا من روح رجل لم يعرفوه جيدًا.
"هنا!" صاحت ليلى فجأة، وهي ترفع علبة معدنية صغيرة مزخرفة. "هذه تبدو كأنها تخص والدي."
فتح يوسف العلبة بحذر. كانت مليئة بالنقود القديمة، بعض الأزرار، وبعض الأحجار الصغيرة. بحث فيها بعمق، حتى اصطدمت أصابعه بشيء معدني بارد.
"وجدته!" قال يوسف، ورفع المفتاح الصغير. كان المفتاح بالفعل معدنيًا، ولامعًا، وصغيرًا جدًا، لا يشبه أي مفتاح عادي. كان مزخرفًا بنقوش دقيقة، أشبه بنقوش قديمة.
"هذا هو!" قالت ليلى، وشعرت بأن الأمل يتجدد في قلبها. "الآن، كيف سنجد الصندوق؟"
"إذا كان هذا المفتاح يخص الصندوق، فربما يكون لديه مكان مخصص له." قال يوسف، وبدأ يتجول في الغرفة مرة أخرى، وعيناه تبحثان عن أي فتحة أو تجويف غير طبيعي.
"أتذكر شيئًا." قالت ليلى فجأة. "ذكرت الرسالة أن الشاهد لديه صلة بـ 'صندوق أسرار'. وأن والدي كان يخفي الصندوق في مكان آمن. والدي كان بارعًا في إخفاء الأشياء. هل تذكر مكانًا كان يحبه أو يفضله؟"
فكر يوسف بعمق. "كان والدي يحب القراءة. وكان لديه مكان مفضل في المكتبة. كانت هناك رفوف خلفية، خلف الكتب الكبيرة. كان يقول إنها المكان الوحيد الذي يمكن أن يجد فيه الهدوء."
ذهب الاثنان إلى الرفوف الخلفية للمكتبة. كانت الكتب قديمة جدًا، وبعضها يبدو غريبًا. بدأ يوسف بتحريك الكتب، وكأنه يبحث عن شيء.
"هنا!" قال يوسف بعد دقائق. "هذه اللوحة الخشبية هنا تبدو... فضفاضة قليلاً."
حاول يوسف إزاحتها. كانت مقاومة في البداية، ثم انزلقت بسلاسة، لتكشف عن تجويف صغير في الجدار. وفي داخل التجويف، وجدوا صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مزخرفًا بنقوش دقيقة، تشبه نقش النجمة ذات الخمسة رؤوس التي ذكرتها ليلى.
"هذا هو!" قالت ليلى، وعيناها تلمعان. "هذا هو صندوق أسرار والدي. وهذا هو الصندوق الذي تحدثت عنه الرسالة."
أخذ يوسف الصندوق بحذر. كان ثقيلاً بعض الشيء. حاول فتحه، لكنه كان مغلقًا بإحكام.
"المفتاح!" قالت ليلى. "جرّب المفتاح."
أدخل يوسف المفتاح الصغير في قفل الصندوق. كان مناسبًا تمامًا. بضغطة خفيفة، سمعا صوت "طقطقة" خافتة، وفتح الصندوق.
تنفسا معًا. كان الصندوق مليئًا بأوراق قديمة، وبعض الرسائل، وصورة صغيرة. كانت الصورة لوالد يوسف وهو شاب، يقف بجانب امرأة جميلة لم يعرفها يوسف.
"من هذه؟" سأل يوسف، وهو ينظر إلى الصورة.
"لا أعرف." قالت ليلى. "ولكن هذه الرسائل... لندعنا نقرأها."
بدأت ليلى تقرأ إحدى الرسائل. كانت بخط يد والد يوسف، ولكن بأسلوب مختلف عن رسائله التي وجدوها في المكتب. كان خطًا أكثر حميمية، وأكثر عاطفية.
"يا حبيبتي،" قرأت ليلى بصوت متهدج. "لقد أتعبني هذا السفر، ولكن لقاءك ينسيني كل تعب. أخبريني متى يمكنني أن أراكِ مرة أخرى؟ لقد أصبحتُ لا أطيق البعد عنكِ."
"يا إلهي!" قالت ليلى، وهي تنظر إلى يوسف. "هذه الرسائل ليست من والدتك. هذه رسائل حب."
"ولكن لمن؟" سأل يوسف، وروحه تتسارع. "من هي هذه المرأة؟"
قرأوا المزيد من الرسائل. كانت جميعها لنفس المرأة، وتعبّر عن حب عميق ولهفة. وفي إحدى الرسائل، ذكر والد يوسف اسمًا: "سارة".
"سارة؟" قال يوسف، وكأنه يبحث عن ذكرى. "لم أسمع بهذا الاسم من قبل."
ثم وجدوا رسالة أخرى، أقدم من البقية. كانت مكتوبة بخط مختلف.
"إلى يوسف، ابني العزيز،" قرأت ليلى، والصدمة تعلو وجهها. "إذا كنت تقرأ هذا، فهذا يعني أنني قد غادرت الدنيا، ولكن قبل أن أفعل، أردت أن أترك لك شيئًا. شيئًا قد يغير حياتك. لقد ارتكبت خطأ في الماضي، خطأ كاد أن يدمر كل شيء. ولكني حاولت تصحيحه. في هذا الصندوق، ستجد دليلًا على براءة عمك. لقد تم اتهامه بجريمة لم يرتكبها. لقد قمت أنا، عن طريق الخطأ، بتقديم دليل خاطئ، وقد استغل آخرون ذلك. اعتذر لك يا بني، وأتمنى أن تسامحني. إن كان بإمكانك، فابحث عن سارة. إنها مفتاح الحقيقة. وأنقذ عمك."
"ماذا؟" تمتم يوسف. "والدي؟ هل هو من قام بهذا؟ هل هو من ورط عمي؟"
"ليس بالضرورة أن يكون ورطه عن عمد." قالت ليلى، تحاول استيعاب ما قرأت. "ولكن يبدو أن هناك جريمة، ودليلًا تم تقديمه بشكل خاطئ، وتم استغلاله."
"ولكن لمن كان يكتب والدي هذه الرسائل؟ ومن هي سارة؟" سأل يوسف، وعيناه تبحثان عن إجابات في كومة الأوراق.
وفي قاع الصندوق، وجدوا ورقة مطوية بعناية. كانت عبارة عن عقد زواج قديم. وعلى الورقة، أسماؤهما: "أحمد بن حسن" و"سارة بنت محمود". وتاريخ الزواج قبل سنوات من زواج والده بأمه.
"والدي... والدي كان متزوجًا من قبل؟" سأل يوسف، والصدمة تعلو وجهه. "هذه المرأة في الصورة... هل هي زوجته الأولى؟"
"ويبدو أنها اسمها سارة." قالت ليلى، وبدأت كل القطع تتجمع في رأسها. "إذاً، عمك لم يرتكب الجريمة. والشخص الذي قدم الشهادة... قد يكون سارة، أو شخص مرتبط بها، يحاول تبرئة عمك الآن. والدك، في الماضي، ربما ارتكب خطأ، أو كان شاهدًا زورًا، أو قدم دليلًا تم تفسيره بشكل خاطئ، وساهم في سجن عمك. وهذه الرسالة الأخيرة لوالدك... هي اعتراف منه."
"إذاً، علينا أن نجد سارة." قال يوسف، وعيناه مليئة بتصميم جديد. "يجب أن نجدها. هي الوحيدة التي يمكن أن تشرح لنا كل شيء. وهي الوحيدة التي يمكن أن تنقذ عمي."
نظرت ليلى إلى يوسف. كانت أيديهما متشابكة، وقبضتهما قوية. لقد دخلا متاهة الماضي، ولكنهما وجدا فيهما المفتاح. الآن، كانت المعركة الحقيقية تبدأ. معركة ضد الزمن، وضد أسرار دفنت طويلاً.