الفصل 2 / 25

حب من نظرة

همسات الماضي في أروقة الذاكرة

بقلم فاطمة النجار

استقرت ليلى بجانب أحمد على الرمال، وشعرت بأن الجو المحيط بهما قد اكتسى بطبقة إضافية من السحر. لم يكن مجرد شاطئ، ولم يكن مجرد غروب، بل كان مسرحًا تتشابك فيه الأقدار. أحمد، ذلك الغريب الذي ظهر فجأة، كان يتمتع بقدرة غريبة على جعلها تشعر بأنها أمام شخص تعرفه منذ زمن طويل. لم يكن في حديثه تملق أو تصنع، بل كان هناك صدق وبساطة جعلت جدران الحذر التي بنتها حول قلبها تتصدع قليلاً.

"حقًا، لقد أتيت إلى هنا لأفكر في قرارات مصيرية"، بدأ أحمد حديثه، وعيناه ما زالتا تحدقان في الأفق، وكأنما يبحث عن إجابات بين أمواج البحر. "أشعر بأنني في مفترق طرق، وأبحث عن اليقين."

"أتمنى أن تجد اليقين الذي تريده"، قالت ليلى بصوت هادئ، وهي تشعر بأنها تشاركه شيئًا من عبء تفكيره. "هل هي أمور تتعلق بالعمل؟ أم بالحياة الشخصية؟"

ابتسم أحمد بسخرية خفيفة. "كل شيء. الحياة كلها. أتتساءلين لماذا يجلس رجل مثلي، يبدو أنه يعيش حياة مستقرة، على هذا الشاطئ ليواجه مخاوفه؟"

"ربما لأن الإنسان مهما بلغ من نجاح، يظل لديه روحه التي تحتاج إلى التأمل والتساؤل. الكمال لله وحده."

"كلمات حكيمة. هل هذه قناعاتك الشخصية، أم مستقاة من حكم الأجداد؟"

"ربما الاثنان. الحياة تعلم الكثير، والقراءة تفتح الأبواب. وأنا أؤمن بأن السعادة الحقيقية ليست في ما نملكه، بل في ما نكونه، وفي علاقتنا بمن حولنا، وقبل كل شيء، علاقتنا بخالقنا."

"علاقتنا بخالقنا..." تكرر أحمد، وكأن الكلمات تلامس وترًا حساسًا فيه. "لقد كنت أفكر كثيرًا في هذا الأمر مؤخرًا. أشعر بأنني ابتعدت قليلًا، وانغمست في صخب الحياة، ونسيت ما هو أهم. ربما هذا هو ما دفعهني إلى هنا، إلى هذا المكان الذي يشعرني بقرب أكبر من كل شيء."

"أحيانًا، تكون هذه الأماكن هي بوصلتنا للعودة إلى الطريق الصحيح"، قالت ليلى، وهي تشعر بأن الحديث معه يتعمق شيئًا فشيئًا. "تذكرنا بما هو جوهري، وما هو زائل."

"وما هو الجوهري في نظرك يا ليلى؟"

فكرت ليلى قليلاً. كيف تصف جوهر حياتها لرجل لا تعرفه إلا منذ دقائق؟ لكنها شعرت بأنه يستحق الإجابة الصادقة. "القيم. الأخلاق. الإيمان. الحب الحقيقي الذي يبنى على الاحترام والتقدير. العائلة. كل ما يجعل الإنسان إنسانًا حقًا، بعيدًا عن المظاهر الزائفة."

"الحب الحقيقي..." قال أحمد، وصوته أصبح أكثر هدوءًا. "هل أنتِ تؤمنين بالحب من أول نظرة؟"

فوجئت ليلى بالسؤال المباشر. لم تكن تفكر في هذا الأمر كثيرًا. الحب كان دائمًا بالنسبة لها شيئًا يبنى ببطء، ويتجذر في الروح. "لا أدري. ربما هناك ما يمكن أن نسميه انجذابًا أوليًا، إحساسًا بالتقارب. لكن الحب العميق، الذي يدوم، أعتقد أنه يتطلب وقتًا ومعرفة."

"لكن أليس الجاذبية الأولى هي الشرارة التي قد تشعل لهيبًا؟ إذا كانت هذه الشرارة صادقة، ونقية، ومتوافقة مع القيم التي ذكرتها، ألا يمكن أن تكون بداية لشيء عظيم؟"

شعر أحمد ببعض الشغف في صوته، وكأنه يدافع عن فكرة لطالما آمن بها. نظرت ليلى إلى عينيه، ورأت فيهما بريقًا خاصًا. "ربما. لكنني أخشى من أن تكون الشرارة مجرد وهم، وأن يتبخر اللهيب مع أول نسمة ريح."

"أخشى أن أكون قد فقدت فرصًا عظيمة بسبب هذا الخوف"، قال أحمد، وهو يتنهد. "كانت هناك لحظات، لقاءات... ربما لم أمنحها الفرصة الكافية. ربما استعجلت الأحكام، أو قيدت نفسي بتوقعات صارمة."

"التوقعات ليست سيئة دائمًا، طالما أنها تحمينا من الخيبات، وتوجهنا نحو ما هو صحيح"، قالت ليلى. "خاصة في أمور الزواج والارتباط. يجب أن تكون هناك رؤية واضحة لما نريده في شريك الحياة."

"بالتأكيد. لكن ألا يمكن أن تكون الرؤية الواضحة تلك هي الحاجز الذي يمنعنا من رؤية ما هو أمامنا مباشرة؟" نظر أحمد إلى ليلى مباشرة، وكأنما كان يقصدها هي. "ربما أبحث عن صفات معينة، ثم أجدها في مكان لم أتوقعه، مع شخص لم أكن أبحث عنه بهذه الطريقة. ثم أقول في نفسي، 'هذه ليست ما كنت أبحث عنه'، بينما الحقيقة هي أن ما كنت أبحث عنه كان يبحث عني."

صمتت ليلى. كانت كلماته تلامس شيئًا عميقًا بداخلها. هل كانت تبحث عن رجل معين، أم كانت تبحث عن شعور؟ شعور بالأمان، بالرفقة، بالمحبة النقية.

"ربما أنت محق"، قالت ليلى بصوت خفيض. "ربما يجب أن نكون أكثر انفتاحًا على ما يقدمه لنا القدر."

"وهل تعتقدين أن القدر قد قدم لي شيئًا اليوم؟" سأل أحمد، ونظرته تحمل مزيجًا من الأمل والتساؤل.

شعرت ليلى بأن قلبها يخفق بقوة. كانت هذه المحادثة تأخذ منحى لم تكن تتوقعه أبدًا. لم تكن تبحث عن قصة حب، لكنها وجدت نفسها تتفاعل مع هذا الرجل بطريقة لم تحدث لها من قبل. "القدر يلعب أدواره في الوقت المناسب. علينا أن نكون مستعدين لاستقباله."

"وأنا مستعد"، قال أحمد، وبدت نبرة صوته تحمل تصميمًا جديدًا. "مستعد لاستقبال ما يأتي، خاصة إذا كان يحمل هذا القدر من الجمال والصفاء."

رفعت ليلى نظرها لتلتقي بنظرته. في تلك اللحظة، لم تكن مجرد غرباء على شاطئ البحر. كانا كائنين روحيين يتحدثان بلغة تتجاوز الكلمات. كان هناك شيء في عيني أحمد، شيء يدعو إلى الثقة، إلى التفكر، إلى فتح القلب.

"الغيم بدأ يتجمع في الأفق"، قالت ليلى، محاولة كسر حدة اللحظة. "أتوقع أن تبدأ السماء بالبكاء قريبًا."

"ربما ستبكي فرحًا"، قال أحمد بابتسامة. "أو ربما ستمطر علينا بركات جديدة."

"أتمنى ذلك."

"هل تعتقدين أنني سأجدك هنا مرة أخرى؟" سأل أحمد، ونبرته تحمل رجاءً.

نظرت ليلى إلى البحر، ثم إلى السماء. كانت الأمسية قد قاربت على الانتهاء، وعليها العودة إلى منزلها. لكن شيئًا ما جعلها تتردد. "ربما. إن سمح الوقت والظروف."

"سأدعو الله أن تسمح"، قال أحمد بجدية. "لم أحظ بهذه الرفقة الطيبة منذ زمن طويل. لم أجد هذه السكينة وهذه الروح النقية إلا نادرًا."

شعرت ليلى ببعض الارتباك، لكنها لم تنكره. كان هناك شيء مشترك بينهما، شعور بالانتماء، بالتفهم.

"حان وقت الرحيل"، قالت ليلى، وهي تقف. "عليّ العودة."

"أتمنى أن يكون لقاؤنا هذا بداية لشيء جميل"، قال أحمد وهو يقف بجانبها. "شيء مبارك. في إطار ما يرضي الله."

"هذا ما نتمناه جميعًا"، قالت ليلى، وهي تشعر بكلماته كمواساة لطيفة. "تصبح على خير، يا أحمد."

"وأنتِ على خير، يا ليلى. سأحتفظ بذكرى هذه الأمسية في قلبي."

ابتسمت ليلى، وهي تشعر بأن هناك حبكة جديدة قد بدأت تتكشف في حياتها. غادرت الشاطئ، وقلبها مليء بمشاعر متضاربة، لكنها كانت تحمل دفئًا لم تشعر به من قبل. لم تكن تعلم أن أول لقاء عند شاطئ الغروب، سيفتح لها بابًا على عالم من المشاعر والأفكار التي لم تتوقعها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%