حب من نظرة
صدى الماضي وركض نحو الحقيقة
بقلم فاطمة النجار
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغرب، تلقي بظلال طويلة وذهبية على جنبات المنزل. في غرفة والد يوسف، التي أصبحت الآن مركز الأحداث، كان الجو مشحونًا بتوتر ممزوج بالأمل. الأوراق مبعثرة على الطاولة، وصورة سارة، الزوجة الأولى لوالد يوسف، تنظر إليهما بعينين غامضتين.
"إذاً، والدي... كان له ماضٍ لم نعرفه." قال يوسف، وصوته كان متهدجًا. "وكان متزوجًا من سارة. ومن المحتمل أنها هي التي قدمت الشهادة لتبرئة عمي."
"وهذا يعني أن عمك بريء حقًا." قالت ليلى، وهي تقلب في الرسائل القديمة. "ولكن السؤال الأهم الآن: أين سارة؟ وكيف سنجدها؟"
"هذا هو التحدي الأكبر." قال يوسف. "ليس لدينا أي معلومات عنها. والدي لم يذكرها أبدًا لأمي أو لنا. يبدو أنه كان يريد دفن هذا الماضي."
"ولكن والدك ترك لنا رسالة." قالت ليلى. "رسالة اعتراف. ورسالة طلب للمساعدة. 'ابحث عن سارة. إنها مفتاح الحقيقة'."
"كيف نبدأ؟" سأل يوسف، وهو يشعر بالإحباط يتسلل إلى روحه. "ليس لدينا عنوان، لا اسم عائلتها بعد الزواج... كل ما لدينا هو اسم 'سارة'."
"ربما هناك شيء آخر في الصندوق." قالت ليلى، وهي تبحث في الأوراق المبعثرة. "ربما هناك تفاصيل عن حياتها. أو عن طريقة تواصلها."
بدأ الاثنان يتفحصان كل ورقة بعناية فائقة. رسائل الحب، عقد الزواج، وورقة أخرى كانت تبدو كإيصال قديم.
"ما هذا؟" قالت ليلى، وهي تمسك بالورقة. "هذا يبدو كإيصال لدفع فاتورة... ولكنها فاتورة لشقة. وعنوانها..."
قرأت ليلى العنوان ببطء. كان عنوانًا في حي قديم من المدينة، حي لم يعودوا يتذكرونه جيدًا.
"هذا قد يكون عنوان سكنها القديم." قال يوسف. "ولكن هل ما زالت تعيش هناك؟"
"لا نعرف. ولكنها نقطة انطلاق." قالت ليلى. "علينا أن نذهب إلى هناك. ربما نجدها، أو نجد شخصًا يعرفها."
"ولكن الوقت يداهمنا." قال يوسف. "قضية عمي على وشك الانتهاء. يجب أن نصل إلى المحكمة بالأدلة قبل فوات الأوان."
"إذن، لن ننتظر." قالت ليلى. "سنذهب إلى هناك الآن. وسنحاول البحث عن أي معلومات."
توجه الاثنان إلى الحي القديم. كان الحي أشبه بمدينة مهجورة. البيوت قديمة، وشوارعها ضيقة. الغبار يغطي كل شيء، وكأن الزمن قد توقف فيها. وصلوا إلى العنوان المذكور في الإيصال. كانت هناك شقة صغيرة، في بناية قديمة، تبدو وكأنها لم تُرمم منذ سنوات.
"هل تعتقدين أنها ما زالت هنا؟" سأل يوسف، وهو ينظر إلى الباب المتآكل.
"لا أعرف. ولكن علينا أن نسأل." قالت ليلى.
طرقا الباب. بعد لحظات، سمعا صوت خطوات قادمة، ثم فتح الباب. وقفت امرأة مسنة، ترتدي ملابس بسيطة، وعيناها تحملان آثار الزمن.
"نعم؟" قالت المرأة بصوتها الهادئ.
"مساء الخير سيدتي." قالت ليلى، محاولة أن تبدو ودودة. "نحن نبحث عن سيدة تدعى سارة. هل تعرفينها؟"
نظرت المرأة إليهما بتشكك. "سارة؟ سارة التي كانت تسكن هنا؟"
"نعم. هي."
"إنها... لقد رحلت. رحلت منذ سنوات." قالت المرأة، ببعض الحزن في صوتها.
"رحلت؟ إلى أين؟" سأل يوسف، وقلبه يخفق بقلق.
"ذهبت لتعيش مع ابنتها. في بلدة أخرى. لم أعد أتذكر اسمها." قالت المرأة. "ولكنها كانت دائمًا تبدو حزينة. لم تكن سعيدة أبدًا."
"ابنتها؟" سأل يوسف. "هل تعرفين اسمها؟"
"لا. ولكنها كانت تذكرها دائمًا. وكانت تتحدث عنها بحب كبير. ربما وجدت شيئًا يساعدها على الاستقرار." قالت المرأة، ثم أضافت: "ولكن، انتظروا. أتذكر شيئًا."
"ما هو؟" سأل يوسف.
"لقد كانت سارة تحمل دائمًا قلادة. قلادة جميلة، مصنوعة من الفضة، عليها نقش... نقش غريب. كأنه دائرة بها خطوط متقاطعة."
"شكل هندسي؟" قالت ليلى. "ربما يشبه النجمة؟"
"ربما. كانت تقول إنها هدية من زوجها الأول." قالت المرأة.
"زوجها الأول؟" كرر يوسف. "هل كان اسمها سارة؟"
"نعم. كانت متزوجة من رجل يدعى أحمد."
"أحمد بن حسن؟" سأل يوسف، وعيناه تلمعان.
"نعم! أحمد! أتذكر ذلك الاسم." قالت المرأة. "لقد كان رجلًا طيبًا، ولكن لديه بعض المشاكل. لقد تركها، وأظن أنها لم تتزوج مرة أخرى. عاشت وحيدة لفترة، ثم رحلت مع ابنتها."
"هل تعرفين أي شيء عن ابنتها؟ اسم العائلة؟ البلدة؟" سأل يوسف، وهو يشعر بأن كل خيط يؤدي إلى خيط آخر.
"لا. ولكنها كانت تتحدث دائمًا عن بلدتها. بلدة قريبة من البحر. فيها ميناء قديم. واسمها يبدأ بحرف... يبدأ بحرف 'الـ...'."
"الساحل؟" قال يوسف.
"ربما. كانت تقول إنها تحب رائحة البحر." قالت المرأة.
"شكرًا جزيلاً لكِ سيدتي." قالت ليلى، وهي تشعر بأنها على وشك الوصول إلى الهدف. "لقد ساعدتنا كثيرًا."
"أتمنى أن تجدوا ما تبحثون عنه." قالت المرأة، ثم أغلقت الباب.
عاد يوسف وليلى إلى السيارة، وقلوبهما تخفق بالأمل. "بلدة قريبة من البحر. ميناء قديم. يبدأ اسمها بحرف 'الـ...'. هذا يجب أن يكون شيئًا."
"ولكن كيف سنبحث عنها؟" سأل يوسف. "هناك العديد من البلدات الساحلية."
"ولكننا نعرف اسمها. سارة. وابنتها." قالت ليلى. "يمكننا البحث عن قوائم سكان، أو ربما في سجلات المحكمة القديمة. ربما هناك شهادة أخرى قدمتها."
"وهذا قد يستغرق وقتًا." قال يوسف، وهو ينظر إلى ساعته. "يجب أن نعود إلى المدينة. علينا أن نرى ما إذا كان هناك أي أخبار عن القضية."
عاد الاثنان إلى المدينة. عندما وصلا، كان الظلام قد خيم على الشوارع. توجهوا مباشرة إلى منزل عم يوسف. وجدوه جالساً في غرفة المعيشة، يبدو عليه القلق الشديد.
"ما الأخبار؟" سأل عم يوسف فور رؤيتهما.
"نحن قريبون جدًا من إيجاد الحقيقة." قال يوسف، وبدأ يحكي له ما اكتشفوه.
استمع العم إلى القصة بإنصات. في كل مرة كان يسمع فيها معلومة جديدة، كانت عيناه تتسع، وتتعالى أنفاسه. عندما سمع عن رسالة والده، وعن سارة، وعن الصندوق، انفجر عم يوسف في البكاء.
"إذن، أحمد... أحمد هو من تسبب في ذلك؟" قال العم، وصوته كان مكسورًا. "لقد عشت سنوات في الظلام، وأنا أؤمن بأني مذنب."
"لا تقلق يا عمي." قالت ليلى. "لقد وجدنا دليلًا. الآن، علينا فقط أن نجد سارة. وأن نثبت براءتك."
"ولكن كيف؟" سأل العم. "الوقت ينفد."
"لدينا فكرة." قال يوسف. "لدينا اسم بلدة ساحلية. سنذهب إلى هناك غدًا. ونتمنى أن نجد سارة. أو نجد دليلًا منها."
"والآن، علينا أن ننتظر." قالت ليلى، وهي تشعر بتعب شديد، ولكنه تعب مصحوب ببعض الأمل. "غدًا، سنبدأ رحلة جديدة. رحلة نحو الساحل."
تسللت أشعة القمر إلى الغرفة، ملقية بضوء خافت على وجوههم. كان كل منهم يفكر في الغد، في هذه السيدة المجهولة، سارة، التي قد تحمل في يدها مفتاح الحرية.