حب من نظرة
في رحاب المكتبة وعبق الكتب
بقلم فاطمة النجار
مرت الأيام، لكن صورة أحمد ظلت محفورة في ذهن ليلى. لم تكن تعلم لماذا، لكن حديثه المباشر والصادق، مع نظرته العميقة، تركا أثرًا لا يُمحى. حاولت أن تعود إلى روتينها المعتاد، لكنها كانت تجد نفسها تتذكر تفاصيل تلك الأمسية عند الشاطئ. هل كان مجرد لقاء عابر، أم كان له معنى أعمق؟
كانت ليلى تعمل كأخصائية مكتبات في جامعة عريقة، وكان هذا المكان ملاذها الذي تجد فيه السكينة والراحة. كانت تحب رائحة الورق القديم، وهدوء القاعات، وسحر المعرفة المكنونة بين رفوف الكتب. في أحد الأيام، بينما كانت ترتب بعض المخطوطات النادرة في قسم التراث العربي، سمعت صوتًا مألوفًا.
"هل تسمحين لي بالدخول؟"
رفعت ليلى رأسها ببطء، وقلبها قفز. إنه أحمد! لم تتوقع رؤيته هنا أبدًا. كان يقف عند مدخل القاعة، يرتدي قميصًا أبيض أنيقًا، ويحمل في يده كتابًا. بدت عيناه أكثر إشراقًا، وابتسامته أكثر دفئًا.
"أحمد! تفضل"، قالت ليلى، وهي تشعر بارتباك لطيف. "ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
"جئت أبحث عن إجابات"، قال أحمد وهو يدخل القاعة، "وجئت أبحث عنكِ."
"عني؟" تساءلت ليلى بدهشة.
"نعم. لقد قضيت أيامًا أفكر في تلك الأمسية. في حديثنا. في كلماتك. وشعرت بأنني أريد أن أستكمل هذا الحوار. وأين أجدكِ أفضل من هنا، في مملكتك؟"
ابتسمت ليلى، وشعرت بأن دفءًا يتسلل إلى قلبها. "مملكتي متواضعة، لكنها ترحب بك. أي كتاب تبحث عنه؟"
"في الحقيقة، أي كتاب يتحدث عن الحب الحقيقي. عن الزواج المبارك. عن القيم التي تحدثتِ عنها."
"هذا بحث شريف"، قالت ليلى، وهي تشير إلى رفوف قريبة. "لدينا قسم خاص بالأسرة والتنمية البشرية من منظور إسلامي. ولكن إذا كنت تبحث عن الشعر، فالأمر يختلف."
"أبحث عن الشعر الذي يلامس الروح، وليس فقط عن القصائد المنمقة"، قال أحمد، وهو يتقدم نحو الرفوف. "الشعر الذي يحمل معاني صادقة، وقيمًا نبيلة. مثل تلك التي تحدثتِ عنها. القيم التي تجعل من الحب بناءً متينًا، لا مجرد عاطفة عابرة."
"إذاً، علينا أن نبحث في كتب الفقه، وفي كتب السيرة، وفي كتب الأخلاق... وفي بعض الشعر الذي تغنى بالحب العفيف، والارتباط المقدس."
بدأ أحمد وليلى في تصفح الكتب معًا. كانت أجواء المكتبة الهادئة، مع وجودهما سويًا، تبعث شعورًا بالانسجام. كان أحمد يتعلم منها عن أهمية البحث عن المعرفة، وعن القيمة الحقيقية للكتب. وليلى، كانت تشعر بأنها تشارك ما تحب مع شخص يقدره.
"هذا الكتاب يبدو مثيرًا للاهتمام"، قال أحمد، وهو يخرج كتابًا بعنوان "تزكية النفس في بناء الأسرة". "أتصدقين، أنني لم أفكر في قراءة مثل هذه الكتب من قبل؟ كنت دائمًا أميل إلى كتب التاريخ، أو الأدب العالمي."
"ولكن التاريخ يصنع المستقبل، والأدب يعكس الروح"، قالت ليلى. "ولكن في أمور كهذه، نحتاج إلى بوصلة، ونحن نعرف أن ديننا هو خير بوصلة."
"لقد كنت بعيدًا عن هذه البوصلة لفترة"، اعترف أحمد، وصوته يحمل نبرة حزن خفيفة. "لكنني أشعر بأنني أريد أن أعود. أريد أن أبني حياتي على أسس سليمة. وأعتقد أنكِ... أعتقد أنكِ مثال لهذه الأسس."
ازدادت حمرة خدي ليلى. كانت مجاملاته تحمل صدقًا يجعلها لا تستطيع تكذيبها. "أنا لست مثالاً، أنا بشر أخطئ وأصيب. لكنني أحاول. أحاول أن أعيش حياتي بما يرضي الله."
"وهذا هو الأهم. إرضاء الله. هذا ما يمنح الحياة معنى حقيقيًا. كنت أفكر كثيرًا في ما قلتِ لي عن العلاقة بخالقنا. لقد شعرت بأنني أفقد هذا الارتباط. ربما لهذا السبب كنت أشعر بهذا الفراغ."
"الغفلة عن الذكر، والتعلق بالدنيا، هما من أسباب هذا الفراغ"، قالت ليلى. "لكن التوبة والعودة دائمًا مفتوحتان."
"وهل يمكن أن تكون عودتي هذه بداية لشيء أكبر؟" سأل أحمد، ونظرته تحمل ترقبًا. "ربما بداية لحياة جديدة، بعلاقة مباركة؟"
شعرت ليلى بأن قلبها يدق بعنف. كان الأمر يتطور بسرعة، أسرع مما توقعت. لم تكن تبحث عن حب، لكنها وجدت نفسها تشعر بانجذاب قوي نحو هذا الرجل، وهذا الشعور كان ينمو مع كل لقاء.
"الأمر ليس بيدي فقط"، قالت ليلى بصوت خفيض. "الأمر بين العبد وربه، وبين شخصين يتقبل كل منهما الآخر."
"وأنا أتقبلكِ، يا ليلى. أتقبل روحكِ الطيبة، وكلماتكِ الحكيمة، وقلبكِ النقي. لقد رأيت فيكِ ما لم أره في غيرك. رأيت الصدق، والأمانة، والجمال الذي لا يذبل."
"وأنا... وأنا أرى فيك الرغبة في التغيير، والصدق في المشاعر، والبحث عن الحق. وهذا ما يجعلني أثق بك."
"إذاً، هل نمنح القدر فرصة ليصنع لنا قصة؟ قصة حب حلال، تليق بما نحن عليه؟"
نظرت ليلى إلى أحمد. في عينيه، رأت وعدًا بمستقبل مشرق، بعلاقة مبنية على الحب والاحترام، ومرضاة الله. لم تكن هذه سوى البداية. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن هناك تحديات تنتظرهما، لكنها شعرت بشجاعة جديدة تتملكها.
"لنمنح القدر فرصة"، قالت ليلى، وابتسامة واسعة ارتسمت على وجهها.
"هذا ما كنت أنتظر أن أسمعه!" قال أحمد بفرح، ثم اقترب منها قليلاً، "هل يمكن أن نخرج لتناول فنجان قهوة؟ لنتحدث عن هذه القصة التي سنصنعها معًا."
"بالتأكيد. لكن بشرط، أن يكون المكان مناسبًا، وأن يكون حديثنا دائمًا فيما يرضي الله."
"وهذا هو شرطي الأهم."
غادرا المكتبة معًا، وقلوبهما تعزف لحنًا جديدًا، لحن الحب الذي بدأ همسًا عند شاطئ الغروب، ويتصاعد الآن قوة في رحاب المعرفة واليقين. لم تكن ليلى تعلم أن زيارة أحمد لمكتبتها، ستكون بداية لرحلة أجمل، رحلة بحث عن حب يرضي الله، ويدوم للأبد.