الفصل 5 / 25

حب من نظرة

همس الشوق في زحام المدينة

بقلم فاطمة النجار

كانت قهوة الصباح في مقهى "الندى" تمتزج برائحة الياسمين المتسلق على جدرانه العتيقة، لكن لعمر، لم تكن هذه القهوة إلا مجرد طقس فارغ. عيناه، اللتان اعتادتا أن تبحثا عن أثر بسمةٍ اختفت، كانتا تائهتين بين وجوه المارة في السوق المزدحم. كان يبحث عنها، يبحث عن هالةٍ نورانيةٍ ميّزت وجهاً في خضمّ زحامٍ لا ينتهي. لقد مرت أيامٌ منذ رأى نور وجهها، ولكن صورتها المنقوشة في جوف روحه كانت أكثر حضوراً من أي شيءٍ آخر.

عاد إلى مكتبه، حيث أكوام الأوراق والملفات تنتظره كجبالٍ صماء. كان يحاول التركيز، يقرأ سطوراً لم يعد يفهم معناها، ويرد على مكالماتٍ تحكي عن صفقاتٍ خاسرةٍ أو مكاسبَ مؤجلة. لم يكن له قلبٌ مع هذه الأمور. كل ما في الأمر أن شغفه القديم، شغفه بترك بصمةٍ في عالم التجارة، قد خبا نوره خلف وهجٍ آخر. وهجٌ كان يتقد كلما استحضر خيالها، كلما تذكر تلك اللحظة الفارقة.

نظرةٌ واحدة. تلك كانت كافية. نظرةٌ التقته في معرض الكتاب، حينما كانت تتصفح ديوان شعرٍ قديم. كان يتذكر لون عينيها، الذي امتزج فيه سحر العسل مع خضرة الربيع، وكان يتذكر كيف ارتسم على وجهها مزيجٌ من الحياء والفضول البريء. وفي تلك اللحظة، شعر بأن نبضات قلبه، التي ظنها قد خمدت، قد عادت لتنبض بقوة، كأنها اكتشفت لحناً جديداً.

لكن هذه المشاعر، التي كانت كالنسمة العليلة في أيامٍ قاحلة، بدأت تتحول إلى عبءٍ ثقيل. كان يعلم أن هذه العلاقة، إن كانت علاقةً أصلاً، فهي بعيدة المنال. هي ابنة رجلٍ مرموق، وله مكانته في المجتمع، وهو، وإن كان ناجحاً، إلا أن بداياته كانت متواضعة. عائلته، التي تفتخر بأصولها المتجذرة، قد لا ترى في هذه العلاقة ما يتناسب مع قيمها.

كان والده، الحاج أحمد، رجلاً تقليدياً، يقدس التقاليد والعادات، ويؤمن بأن الزواج هو رباطٌ مقدّسٌ يبنى على التكافؤ في النسب والمكانة. لم يتحدث عمر مع والده عن رغبته هذه، فهو يعلم جيداً ما سيقابله من اعتراضات. كان يشعر بأنّه يسير في طريقٍ محفوفٍ بالمخاطر، وأنّ كل خطوةٍ يخطوها تقرّبه من دائرةٍ مغلقةٍ من الصراع.

في أحد الأيام، وبينما كان يتصفح هاتفه، وقع بصره على صورةٍ قديمةٍ جمعته بصديقٍ قديم، سامي. سامي، الذي كان يوماً ما صديقه المقرب، أصبح الآن منافساً له في العمل، بل وخصماً لدوداً. كانت بينهما خلافاتٌ قديمة، تجذرت مع مرور الزمن، وتحولت إلى عداءٍ صامت. كان سامي يمتلك طموحاً لا يعرف حدوداً، ويسعى بكل قوته للوصول إلى القمة، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين.

تذكر عمر كيف حاول سامي أن يسيطر على مشاريعهم المشتركة سابقاً، وكيف حاول أن يستغل نفوذه وعلاقاته لصالحه. كان يعلم أن سامي لا يعرف الرحمة، وأنّه مستعدٌ للتضحية بكل شيءٍ من أجل تحقيق أهدافه. وهذا ما جعله يشعر بالقلق. هل يمكن أن يكون لسامي يدٌ في ابتعاده عنها؟ هل يمكن أن يكون قد استغل نفوذه لابعادها عنه؟

هذا الشك، الذي بدأ كذرة غبار، بدأ يكبر ويتضخم داخل صدره، ليتحول إلى عاصفةٍ هوجاء. بدأ يحلل كل كلمةٍ قيلت، كل نظرةٍ تبادلت، وكل موقفٍ حدث. هل كانت صدقةً تلك اللقاءات المتكررة التي جمعتها برجلٍ لا يعرفه؟ هل كان ذلك مصادفةً أن يسمع اسمها يتردد على مسامع أقاربها في مناسباتٍ اجتماعيةٍ حضرها؟

كان الأمر أشبه بالوقوع في بئرٍ عميق، كلما حاول أن يخرج، زاد سقوطه. كان يعلم أنّه مدمنٌ على صورةٍ معينةٍ لها، مدمنٌ على أحلامٍ نسجها خياله، مدمنٌ على أملٍ بعيد. وهذا الإدمان بدأ يستهلكه، يسرق منه تركيزه، يزرع الشك في قلبه، ويجعله يرى الأمور بمنظارٍ مشوّه.

في المساء، بينما كان يقف أمام نافذة غرفته، يتأمل سماء المدينة المضاءة، قرر أنّه لا يستطيع الاستسلام. إن كانت هناك أي فرصة، مهما كانت ضئيلة، فعليه أن يتمسك بها. لكن كيف؟ كيف يصل إليها في عالمٍ تبدو فيه المسافات شاسعة، والعوائق لا حصر لها؟

تذكر حديثاً قديماً مع جدته، رحمها الله. كانت تقول له دائماً: "يا بني، إذا أردت شيئاً، فلا تدع اليأس يتسلل إلى قلبك. استخر الله، واسعَ، وابذل جهدك. أما الباقي، فإلى الله."

كلمات الجدة، البسيطة والعميقة، بدأت ترن في أذنيه. كان عليه أن يجد طريقةً للتواصل معها، طريقةً بريئةً، كريمةً، لا تخالف شرع الله. لكن كيف؟ هل يرسل لها رسالة؟ هل يحاول أن يلتقي بها مجدداً؟ لكن كل هذه الأفكار كانت تبدو محفوفةً بالمخاطر.

ثم تذكر شيئاً. شيئاً بسيطاً، ولكنه قد يكون مفتاحاً. كان قد سمع من أحد معارفه أنها تشارك في بعض الأنشطة الخيرية، وأنها مهتمةٌ بجمعيةٍ ترعى الأيتام. هذه الجمعية، كان يعرفها جيداً، فهو يساهم فيها منذ سنوات. ربما تكون هذه هي الفرصة. فرصةٌ للقاءٍ بريء، تحت غطاء عملٍ نبيل، فرصةٌ لرؤيتها مرةً أخرى، ولربما، لعلّ الله يفتح له باباً.

شعر ببعض الأمل يتسلل إلى روحه، لكن الشك لم يفارقه تماماً. هل يمكن أن تكون هذه الجمعية مجرد ستارٍ لشيءٍ آخر؟ هل يمكن أن يكون وراء كل هذا تدبيرٌ؟ لم يكن يعرف، لكنه كان على استعدادٍ للمخاطرة. كانت الصورة لا تزال تلاحقه، تلك النظرة، وذلك الابتسام. وكان يعلم، في قرارة نفسه، أنّه لن يستطيع العيش دون محاولة.

جمع ما تبقى من شتات تفكيره، واستجمع قوته، وقرر أن يبدأ. سيبدأ رحلةً شاقة، رحلةً قد تقوده إلى ما يصبو إليه، أو قد تغرقه في المزيد من التعقيدات. لكنه كان مستعداً. كان مدمن حبها، وكان هذا الإدمان أقوى من أي خوف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%