الفصل 6 / 25

حب من نظرة

ظلال الماضي وأسرار العائلة

بقلم فاطمة النجار

في منزل العائلة الكبير، الذي تفوح منه رائحة البخور الهندي القديم وعبق التاريخ، كان الحاج أحمد، والد عمر، يجلس على أريكته الوثيرة، يحتسي قهوته المرة، ويتأمل صور أحفاده المعلقة على الجدران. كانت صورهم تبتسم له، تذكره بمسؤولياته تجاه هذه العائلة العريقة. ولكن قلبه كان مثقلاً بهمومٍ أخرى.

همومٌ تتعلق بابنه الأكبر، عمر. كان الحاج أحمد يرى في عمر ما يرى في استمراريةٍ لمجد العائلة. أراد له أن يتزوج من عائلةٍ تليق بهم، عائلةٍ تشاركهم قيمهم، عائلةٍ تزيدهم رفعةً ومكانة. ولم يكن عمر، في نظره، قد وضع هذا الأمر على محمل الجد. كان يبدو غارقاً في عالمه الخاص، مشغولاً بأمورٍ لا يفهمها.

"يا أبا عمر،" قالت زوجته، السيدة فاطمة، وهي تحمل صينية الشاي، "لقد اقترب موعد زفاف ابنة السيد عبد الرحمن. هل سنذهب لتقديم التهاني؟"

رفع الحاج أحمد بصره عنها، وقال بصوتٍ فيه جفاءٌ خفيف: "بالتأكيد سنذهب. لكنني أتمنى أن يكون عمر قد فهم أهمية هذه المناسبات. لا نريد أن نُظهر أمام الناس وكأننا لا نهتم بعلاقاتنا الاجتماعية."

تنهدت السيدة فاطمة، وهي تعلم جيداً أن زوجها لا يقصد إلا الخير. لكنها كانت ترى في ابنها شيئاً مختلفاً. كانت تلمس فيه حياءً، ورقةً، وقلباً طيباً، ولكنه كان أيضاً قوياً، طموحاً. كانت تتمنى لو أن زوجها يرى هذه الجوانب فيه، بدل التركيز على ما تراه نقصاً.

"عمر شابٌ طيب، يا سيدي،" قالت بهدوء. "وهو يسعى دائماً لرضاك."

"الطيب لا يكفي في هذا العالم، يا فاطمة،" قال الحاج أحمد بصرامة. "نحن نحتاج إلى رجلٍ يعرف كيف يبني، وكيف يحافظ. والزواج هو لبنةٌ أساسيةٌ في بناء الأسرة والمجتمع. ولا يمكن بناء هذا إلا على أسسٍ متينةٍ من التوافق، والتكافؤ، والاحترام المتبادل."

ثم توقف قليلاً، ونظر إلى زوجته بعمق. "لقد سمعت بعض الهمسات، يا فاطمة. همساتٌ عن علاقةٍ قد تجمع عمر ببعض الفتيات ممن لا نعرفهن. وهذا أمرٌ لا أقبله. يجب أن تكون زوجة عمر من العائلات المحافظة، التي تعرف دينها، وتعرف حق الزوج، وحق الأسرة."

شعر قلب السيدة فاطمة يخفق بقلق. كانت تعلم أن عمر لديه أحلامٌ ربما لا تتوافق مع آمال زوجها. كانت تتمنى أن يكون ابنها سعيداً، ولكنها كانت تخشى أن تتسبب رغباته في خلافٍ كبيرٍ بينه وبين والده.

في نفس الوقت، كان عمر، في مكتبه، يتلقى اتصالاً هاتفياً. كان المتصل صديقاً قديماً، بل كان زميلاً له في الجامعة، يدعى خالد. خالد، الشاب الوسيم، ذو الشخصية الجذابة، ولكنه كان أيضاً معروفاً بثرثرته، وحبه للشائعات.

"يا عمر، كيف حالك؟" قال خالد بصوتٍ فيه حماسٍ زائد. "سمعت أخباراً عنك، وأردت أن أتأكد. هل صحيحٌ ما يقال عن اهتمامك الشديد بـ ... (صمت لحظة) ... بنت الحاج سعيد؟"

تجمد عمر في مكانه. لم يكن يتوقع هذا السؤال، ولم يكن يتوقع أن تصل الأخبار إلى هذا الحد. الحاج سعيد، الرجل المعروف بثروته الكبيرة، ولكن أيضاً بنمط حياته الذي كان يراه الحاج أحمد بعيداً عن القيم التي يؤمن بها.

"ماذا تقصد، خالد؟" سأل عمر بحذر.

"يا رجل، لا تخف. أرى أنك قد وقعت في الحب. الجميع يتحدث عن ذلك. يقال إنك تراها في أماكن معينة، وأنك تبذل جهداً كبيراً لرؤيتها. ولكن، بصراحة، هل فكرت في رد فعل والدك؟ الحاج أحمد، كما تعرف، لديه معاييرٌ عاليةٌ جداً في الزواج."

شعر عمر ببرودةٍ تتسلل إلى أطرافه. لم يكن يريد أن تكون حياته الشخصية حديث الناس، خاصةً بهذه الطريقة. كان يحاول أن يكون حذراً، أن يتجنب أي شيءٍ قد يجلب له المشاكل، خاصةً مع والده.

"الأمر ليس كما تظن، يا خالد،" قال عمر بنبرةٍ حاولت أن تكون هادئة. "هذه مجرد صداقةٌ، وأنا أهتم ببعض الأنشطة الخيرية التي تشارك فيها."

"صداقة؟" ضحك خالد بصوتٍ عالٍ. "يا عمر، أعرفك جيداً. هذا ليس مجرد اهتمامٍ بالأعمال الخيرية. أنت مفتونٌ بها. ولكن، كن حذراً. هذه العائلات، عائلة الحاج سعيد، لها طبيعةٌ مختلفة. وقد لا يكونون سهلين في منح ابنتهم لرجلٍ من خلفيةٍ مختلفة."

كانت كلمات خالد أشبه بلسعاتٍ موجعة. لقد وضع عمر في موقفٍ صعب. لقد كشف عن ما كان يحاول أن يخفيه، وأضاف طبقةً أخرى من التعقيد إلى وضعه.

"شكراً على النصيحة، يا خالد،" قال عمر، محاولاً إنهاء المكالمة. "ولكن، أرجو أن تحافظ على خصوصية هذا الأمر."

"بالطبع، يا صديقي. كلامي لك وحدك."

بعد إنهاء المكالمة، شعر عمر بالضيق. كان يعلم أن والده لن يرضى أبداً. كان يعلم أن عائلته، بعاداتها وتقاليدها، ستكون حاجزاً كبيراً. ولكن، هل يمكنه حقاً أن يتخلى عنها؟ هل يمكنه أن ينسى تلك النظرة، وذلك الابتسام؟

تذكر حديثاً له مع والده قبل سنوات، عندما كان يتحدث عن الزواج. كان الحاج أحمد قد قال له: "يا بني، اختيار الزوجة هو اختيارٌ للعمر كله. يجب أن تكون شريكة حياتك، وليست مجرد زينة. يجب أن تكون من تخاف الله، ومن تعينك على طاعته، ومن تربي أبناءك تربيةً صالحة."

كانت كلمات والده تحمل حكمةً، ولكنه في نفس الوقت، كان يشعر بأنّ الحاج أحمد يحدد المواصفات بشكلٍ ماديٍ بحت، ناسياً أن القلب هو الأساس.

فجأة، طرق باب مكتبه. كان أحد مساعديه، شابٌ اسمه فهد، يبدو عليه القلق. "يا أستاذ عمر،" قال فهد بصوتٍ مرتجف. "السيد سامي يريد مقابلتك. وهو يبدو غاضباً جداً."

تجمد عمر مرةً أخرى. سامي. المنافس اللدود. لماذا يأتي الآن؟ وماذا يريد؟ هل له علاقةٌ بما سمعه من خالد؟ هل له يدٌ في نشر الشائعات؟

"دعنا نراه، يا فهد،" قال عمر، محاولاً استجماع رباطة جأشه. كان يعلم أن عاصفةً أخرى على وشك الانقضاض عليه. ظلال الماضي، وأسرار العائلة، والشائعات، كلها تتكالب عليه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%