حب من نظرة
الوضوح في بحر الشك
بقلم فاطمة النجار
كانت قاعة مركز "الأمل" لتمكين الأيتام تعج بالحياة. الأطفال يضحكون ويلعبون، بينما تتفقد المتطوعات احتياجاتهم، وتوزعن الهدايا والحلويات. كانت الأجواء مفعمةً بالسعادة والإيجابية، وكان عمر يشعر بأنّ قلبه قد خفّ حمله قليلاً بمجرد دخوله.
وقف عمر يتأمل المشهد، ثم لمحها. كانت تقف بجانب طاولةٍ لتوزيع الكتب، تبتسم لطفلةٍ صغيرةٍ تختار لها رواية. كانت تبدو أجمل من أي وقتٍ مضى، هالةٌ من النقاء والرحمة تحيط بها. تردد قليلاً، هل يقترب منها الآن؟ هل يتحدث إليها؟
ثم تذكر الرسالة الغامضة التي تلقاها. "إذا أردت الحقيقة، فكن مستعداً للقائها." هل يمكن أن تكون هي الحقيقة؟ هل يمكن أن تكون عيناها هما المكان الذي سيجد فيه إجابةً لشكوكه؟
بينما كان يتقدم نحوها، لمح رجلاً يقف على مقربةٍ منها، يتحدث معها بنبرةٍ هادئة، ولكن يبدو عليه التركيز. كان الرجل يرتدي ملابس أنيقة، ويبدو عليه الثراء. لم يعرفه عمر.
وصل عمر إلى ليلى، وابتسم لها. "السلام عليكم، ليلى."
التفتت ليلى إليه، وقد اتسعت عيناها بمزيجٍ من المفاجأة والفرح. "وعليكم السلام، عمر. ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
"حضرت لأرى الأطفال، وأشارك في هذه المبادرة الطيبة،" قال عمر. "ولكن، لا أخفيكِ، أنني كنت أتمنى أن ألتقي بكِ."
تبادلت ليلى نظرةً مع الرجل الواقف بجانبها، ثم عادت لتنظر إلى عمر. "نحن أيضاً سعداء لرؤيتك. هل تسمح لي بتقديمك لشخصٍ مهم؟"
"بالتأكيد،" قال عمر، وهو يشعر ببعض القلق.
"عمر، هذا السيد طارق، أحد أبرز داعمي المركز،" قالت ليلى. "والسيد عمر، رجل أعمالٍ شابٌ ناجح، ومتطوعٌ مخلصٌ للمركز."
صافح عمر السيد طارق، الذي كان يبدو لطيفاً وودوداً. "أهلاً بك، يا سيد عمر. سمعت عن عملك، ويسعدني أن ألتقي بشخصٍ مثلك."
"الشرف لي، يا سيدي،" قال عمر. "جهودكم في دعم هذه الجمعية رائعة."
في تلك اللحظة، مرت والدة ليلى، السيدة هالة، بالقرب منهم، ورأت عمر. بدا عليها الامتعاض. "ليلى، هل ما زلتِ تتحدثين مع هذا الشاب؟"
شعرت ليلى بالارتباك. "أمي، هذا السيد عمر، متطوعٌ معنا."
"لا يهمني،" قالت السيدة هالة بنبرةٍ فيها حدة. "أنا أريد أن أتحدث معكِ على انفراد. هيا بنا."
نظرت ليلى إلى عمر بعينين تعتذران. "عذرني يا عمر، يجب أن أذهب مع والدتي. سنتحدث لاحقاً."
بعد أن ابتعدت ليلى مع والدتها، اقترب السيد طارق من عمر. "لا تأخذ الأمر على محمل الجد، يا سيد عمر. السيدة هالة، كما تعلم، لديها وجهة نظرٍ مختلفةٍ بشأن الأمور."
"هل تقصد...؟" سأل عمر بحذر.
"الحاج سعيد، والد ليلى، يريد لابنته أن تتزوج من ابن عمها، صلاح،" قال السيد طارق بوضوح. "وهو يرى أن هذا الزواج سيكون مفيداً للعائلة من جميع النواحي. ولذلك، فإنه لا يرى أي جدوى من علاقةٍ أخرى."
شعر عمر بضربةٍ قوية. لقد تأكدت شكوكه. "ولكن... هل ليلى موافقةٌ على هذا؟"
ابتسم السيد طارق ابتسامةً هادئة. "ليلى فتاةٌ صالحة، وابنتنا. وهي تحترم رأي والدها، ولكن قلبها... قلبها يبدو أنه يبحث عن طريقه الخاص. ولكن، أمام إرادة الحاج سعيد، يصعب الأمر كثيراً."
"هل أنت... هل أنت مقربٌ من العائلة؟" سأل عمر.
"أنا صديقٌ قديمٌ للحاج سعيد،" قال السيد طارق. "وعلاقتي بليلى، هي علاقةٌ صداقةٌ ودعم. أنا أرى فيها الخير، وأرى فيها قلبها الطيب. وأتمنى لها السعادة، أياً كان اختيارها. ولكن، الأمر معقدٌ جداً."
"وماذا عن سامي؟" سأل عمر فجأة. "هل سمعت عنه؟"
"سامي؟" قال السيد طارق بتعجب. "سامي، الشاب الذي يسعى دائماً لفرض نفسه. نعم، سمعت عنه. هو يحاول التقرب من الحاج سعيد، ولكنه لا يملك ما يملكه عمر، من احترامٍ لذاته، ومن قيمٍ رفيعة."
شعر عمر بأنّ شيئاً ما بدأ يتضح. السيد طارق لم يكن يملك مصلحةً مباشرةً في هذه القضية، ولكنه كان يرى الأمور بوضوح، ويقدم له نصيحةً صادقة.
"شكراً جزيلاً لك، سيدي،" قال عمر بامتنان. "لقد أوضحت لي الكثير."
"لا شكر على واجب، يا سيد عمر،" قال السيد طارق. "أتمنى لك كل التوفيق. تذكر، لا شيء مستحيلٌ أمام الإصرار، والإيمان بالله."
بعد أن ذهب السيد طارق، وقف عمر وحيداً، يفكر. لقد تأكد من حقيقةٍ مؤلمة. ليلى وعدة لابن عمها. والدها لا يرضى بهذه العلاقة. ولكن، في نفس الوقت، شعر ببعض الأمل.
إذا كانت ليلى لا تميل لابن عمها، وإذا كانت ترى في عمر شيئاً جيداً، فقد تكون هناك فرصة. ولكن، يجب أن يكون واضحاً