الزواج السعيد الجزء الثالث

رياح التغيير

بقلم مريم الحسن

كانت الشمس قد بدأت تنسحب خيوطها الذهبية الأولى فوق بحر جدة الهادئ، ترسم لوحة متلألئة على صفحة الماء. لكن هدوء الفجر لم يمسّ سكون روح الأستاذ أحمد، فقد كان قلبه يخفق بإيقاع محموم، أشبه بضربات طبل الحرب قبل المعركة. وقف على شرفة فيلته المطلة على البحر، يرتشف قهوته المرة، وعيناه تجولان في الأفق كمن يبحث عن إجابات لا يجدها إلا في الغيب. لم تكن مجرد صباح عادي، بل كان فجر يوم يفصل بين زمنين، بين حياة عرفها بكل تفاصيلها، وبين مرحلة مجهولة تتخفى خلف ستائر الغموض.

قبل ثلاث سنوات، ودّعته زوجته الحبيبة، فاطمة، إلى دار البقاء. ثلاث سنوات مرت كأنها دهور، ثقيلة، مليئة بالفراغ الذي تركه رحيلها. تركته وحيداً مع ابنته الوحيدة، ليلى، التي كانت شعلة حياته. ليلى، ابنة العشرين ربيعاً، فتاة جمعت بين جمال أمها الرقيق وعقل أبيها المتوقد. كانت نبض قلبه، وسر ابتسامته، وشريكة وحدته. لكن هذه الوحدة، التي حاول أحمد جاهداً أن يملأها بحكمته وصبره، بدأت تئن تحت وطأة الزمن.

اليوم، استيقظ مبكراً، ليس كهده، بل لشعور غريب تسرب إلى نخاعه. شعور بالمسؤولية، وبالحاجة الملحة لتأمين مستقبل ابنته، وبضرورة استعادة الفرحة إلى قلبه وقلبها. نظر إلى يديه، يديه اللتين عملتا بجد لعقود، يديه اللتان بنت إمبراطورية تجارية، تدفعانه الآن لقرار مصيري. قرار لم يكن هيناً أبداً، قرار يتعلق بالزواج مرة أخرى.

لم يكن أحمد من النوع الذي يتسرع في قراراته. فهو رجل عرفت عنه الحكمة والرزانة في أروقة الأعمال وفي مجالس العائلة. لكن في مسألة ليلى، وفي مسألة حياته الخاصة، كان يجد نفسه أمام مفترق طرق. هل يبحث عن زوجة ثانية لتكون أماً بديلة لابنته؟ أم عن رفيقة درب تعينه على ما تبقى من حياته؟ أم كلاهما؟

تنهد بعمق، وأغلق عينيه. صورة فاطمة، بابتسامتها الحانية وعينيها اللامعتين، استحضرت ذكريات لا تُنسى. كانت شريكته في كل شيء، في النجاح والفشل، في الحب والحياة. لم يكن يتخيل يوماً أن يجد بديلاً لها، لكن الحياة، بسنتها، لا تتوقف.

"أبي؟"

صوت ليلى الناعم قطع صمته. استدار أحمد ليجدها تقف عند مدخل الشرفة، وقد ارتدت ثوباً أبيض بسيطاً، وشعرها الأسود ينسدل على كتفيها كشلال. كان وجهها لا يزال يحمل بقايا النوم، لكن عينها كانت صافية كصفاء الفجر.

"صباح الخير يا بنيتي." قال أحمد بابتسامة حاولت أن تخفي توتره.

"صباح النور يا أبي. أراك مستيقظاً باكراً." قالت ليلى، واقتربت منه، احتضنته احتضاناً دافئاً. "هل هناك ما يقلقك؟"

تردد أحمد للحظة. كيف يبدأ؟ كيف يضع أمامه ثقل هذا القرار؟ "لا شيء يا حبيبتي. مجرد تفكير في أمور العمل." كذب، وهو يشعر بوخزة خفيفة في قلبه. لم يعتد أن يخفي عن ابنته شيئاً.

"لكن عينيك يا أبي تبدو وكأنها تحمل سراً." قالت ليلى بنبرة قلق. "أتمنى ألا يكون شيئاً خطيراً."

"لا يا غاليتي، لا تقلقي. كل شيء سيكون على ما يرام." طمأنها، وهو يربت على كتفها. "هل أنتِ جائعة؟ سأطلب لكِ شيئاً للفطور."

"سأذهب لأرى ماذا يوجد في المطبخ. ربما أجد شيئاً شهياً." قالت ليلى، وابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم غادرت الشرفة.

بمجرد أن غابت ليلى عن الأنظار، عاد أحمد إلى تفكيره. كان يعلم أن ليلى تحترمه وتقدره، لكنها كانت أيضاً قادرة على قراءة ما يدور في ذهنه. كيف سيتقبل فكرة زواجه مرة أخرى؟ هل سيشعر بأنها تخيانة لذكرى والدتها؟ أم هل سيفرح لها؟

كانت لديه بعض الأفكار، بعض الأسماء التي طرأت على باله. سيدات جادات، من عائلات معروفة، يتمتعن بالأخلاق والتدين. لكن أي واحدة منهن ستكون الأنسب؟ هل سيقبلن به، هو الرجل الذي تجاوز الستين من العمر، ولديه ابنة في سن الزواج؟

في الأيام القليلة الماضية، كان يتحدث مع صديقه المقرب، الشيخ إبراهيم، حول هذا الأمر. الشيخ إبراهيم، رجل دين حكيم، كان دائماً مصدر إلهام له.

"يا أبا محمد،" قال له الشيخ إبراهيم في اللقاء الأخير، "الحياة لا تدوم على حال. والزواج شرع الله، وهو سنة نبيه. البحث عن الرفقة الصالحة، وعن من يعينك على طاعة الله، هو أمر محمود."

"ولكن يا شيخ، أنا لست شاباً. وابنتي..."

"وابنتك يا أبا محمد، تحتاج إلى أم. ربما تكون الزوجة الجديدة هي الأم التي لم تعرفها ليلى حقاً، أو هي من يعوضها عن فراغ أمها. وإن أردت زوجة تكون لك رفيقة، فالله تعالى يقول: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة." السكن والمودة والرحمة لا يقتصران على الشباب."

كانت كلمات الشيخ إبراهيم تبعث الطمأنينة في قلبه، لكن الشكوك كانت لا تزال تتصارع بداخله.

في ذلك الصباح، قرر أحمد أن يتخذ الخطوة الأولى. اتصل بالشيخ إبراهيم ليحدد موعداً. ثم، في لحظة شجاعة، قام بتجهيز نفسه. ارتدى أجمل ما لديه من ملابس، وبخّ عطرًا خفيفًا، وتوجه إلى مكتبه.

على مكتبه، كانت هناك صورته مع فاطمة، ولحظة زفافهما، تحمل ابتسامة الشباب والبهجة. نظر إليها طويلاً، وقال في نفسه: "يا فاطمة، سامحيني. سأحاول أن أكون سعيداً، وأن أجعل ليلى سعيدة. هذه هي الحياة."

كان أحمد رجل أعمال ناجحاً، لكنه كان أيضاً أباً حنوناً، ورجلاً مؤمناً. كان يعلم أن قراره هذا لن يكون سهلاً، ولكنه كان يعتقد أنه القرار الصحيح. بدأ يكتب قائمة بأسماء السيدات اللواتي يعرفهن، أو سمع عنهن. كان يبحث عن الصفات التي تجعل الزواج مباركاً: الدين، الخلق، العقل، والرحمة.

بينما كان يكتب، كان يتخيل وجه ليلى وهي تستمع إلى قراره. هل ستبكي؟ هل ستتفهم؟ كان يدرك أن تربية ابنة شابة في هذا السن تتطلب حكمة إضافية.

في لحظة إلهام، أمسك بقلمه مرة أخرى. كانت لديه فكرة. فكرة لم تخطر بباله من قبل. فكرة قد تكون مربكة، ولكنها قد تكون أيضاً الحل.

كانت عقارب الساعة تشير إلى التاسعة صباحاً. استيقظت ليلى متأخرة قليلاً، شعرت بالجوع. اتجهت إلى المطبخ، وجدت والدها قد ترك لها إفطاراً شهياً. كانت هناك كعك بالفستق، ولبن طازج، وفواكه مقطعة. ابتسمت، عرفت أن والدها أراد أن يفرحها.

جلس أحمد في مكتبه، يراجع قائمة الأسماء. كان يفكر في "أميرة". أميرة، أرملة شابة، ابنة صديق قديم لوالده. سمع عنها الكثير. سمع عن حلمها بامتلاك دار حضانة للأطفال الأيتام. سمع عن أخلاقها العالية، وعن طيبة قلبها. كانت لديه بعض التحفظات، فهي أصغر منه بكثير، ولديها حياة خاصة بها. لكن شيئاً ما في قصتها كان يشدّه.

ثم تذكر "سارة". سارة، ابنة خاله، مطلقة، ولديها طفلان. كانت سارة دائماً فتاة مرحة، تحب الأطفال، ولديها حس دعابة قوي. لكنها كانت أيضاً معروفة بعنادها. هل ستكون مناسبة؟

أغلق أحمد عينيه مرة أخرى، مستحضراً صورة فاطمة. لم يكن يريد أن يستبدلها، بل أن يكمل حياته. أن يجد سكناً ورفقة. أن يجد من يشاركها هموم الحياة وأفراحها.

"يا رب," دعا بصوت خفيض، "اهدني إلى ما فيه الخير. اجعل هذا القرار مباركاً لي وليلولى."

كان الصباح قد امتد، والشمس قد بلغت ذروتها. كان أحمد يشعر بعبء القرار يثقل كاهله، ولكنه كان أيضاً يشعر بأمل يتسلل إلى قلبه. كانت رياح التغيير قد بدأت تهب، ولم يكن يعرف إلى أين ستحمله. ولكنه كان مستعداً. مستعداً لمواجهة المستقبل، مهما كان.

فجأة، سمع صوتاً يأتي من الخارج. صوت سيارة تقف أمام المنزل. صوت مألوف. صوت ابن أخيه، خالد. خالد، الشاب الطموح، الذي يعمل معه في شركاته. ابتسم أحمد، ربما كان خالد سيأتيه بنبأ جديد، أو ربما جاء ليطمئن عليه.

وقف أحمد، ونظر من النافذة. رأى خالد ينزل من سيارته، وبدا وكأنه يحمل شيئاً في يده. شيئاً يبدو وكأنه علبة هدايا. شعر أحمد بفضول مفاجئ. ماذا يحمل خالد؟ وماذا يريد؟

لم يكن يدري أن زيارة خالد هذه، تحمل في طياتها مفاجأة لم يكن يتوقعها أبداً. مفاجأة ستغير مجرى حياته، وربما مجرى حياة ليلى أيضاً.

*

كانت ليلى في غرفتها، تحاول أن تقرأ كتاباً، ولكن أفكارها كانت تتطاير بعيداً. كانت تراقب والدها منذ الصباح، وتلاحظ توتره. كان الأمر غير معتاد بالنسبة له. كان دائماً هادئاً، واثقاً من نفسه.

"هل أبي حقاً يفكر في الزواج مرة أخرى؟" تساءلت بصوت خفيض. كان هذا السؤال يراودها منذ شهور. سمعت بعض الأحاديث من قريباتها، عن ضرورة أن يتزوج والدها، وأن تجد هي أماً. لكنها لم تكن مستعدة لهذه الفكرة.

فكرت في أميرة، أرملة شابة سمعت عنها. كانت تبدو لطيفة، ولكنها كانت صغيرة جداً. هل ستستطيع أن تتفهم وضعها، وضع والدها؟

وفكرت في سارة، ابنة خاله. كانت مرحة، ولكنها كانت شديدة العناد. هل يمكن أن تكون أماً حنونة؟

جلست على سريرها، وأخذت نفساً عميقاً. كانت تحب والدها حباً جماً. وتريد له السعادة. ولكنها كانت تخشى أن يحل محلها في قلبه. أو أن تأتي زوجة أبٍ قاسية.

"يا رب،" دعت بصوت خفيض، "احفظ لي أبي. واجعل له السعادة، ولكن لا تنساني."

سمعت صوت سيارة تقف أمام المنزل، ثم صوت باب يفتح. صوت خالد، ابن عمها. خالد، الشاب الوسيم، الذي كان دائماً لطيفاً معها. ابتسمت، ربما سيأتي ليطمئن عليها، أو ليخبرها بآخر أخبار العمل.

كان خالد دائماً بمثابة الأخ الأكبر لها، وكان يخبرها دائماً بكل شيء. ربما سيخبرها بما يقلق والدها.

نهضت من سريرها، ونظرت في المرآة. رتبت شعرها، وعدلت ثوبها. ثم اتجهت نحو غرفة والدها.

"هل أبي هنا؟" سألت خادمة المنزل.

"نعم يا سيدة ليلى، هو في مكتبه."

توجهت ليلى نحو مكتب والدها. فتحت الباب برفق، ورأت والدها يجلس على مكتبه، ويبدو شارد الذهن.

"أبي؟"

رفع أحمد رأسه، وابتسم ابتسامة متعبة. "تعالي يا ليلى. كنت أفكر بك."

"كنت أعرف أن هناك شيئاً. تبدو قلقاً." قالت ليلى، وجلست على كرسي مجاور له.

"لا تقلقي يا حبيبتي. إنه فقط... بعض القرارات المصيرية." قال أحمد، وهو ينظر إلى عين ابنته.

"قرارات مصيرية؟ هل لها علاقة بالعمل؟"

"لها علاقة بالعمل، ولها علاقة بالحياة." قال أحمد، وهو يدرك أن الوقت قد حان. حان الوقت ليقول لها الحقيقة.

"ما هي يا أبي؟" سألت ليلى، وبدا عليها القلق.

"ليلى،" بدأ أحمد، وصوته كان هادئاً ولكنه يحمل وزناً، "لقد قضيت سنوات طويلة وحيداً بعد رحيل والدتك. ولكنني الآن أشعر بأن الوقت قد حان لكي أستعيد بعضاً من سعادتي. ولكي أجد رفيقة."

جمدت ليلى في مكانها. لم تتوقع هذا.

"رفيقة؟" كررت بصوت خفيض.

"نعم يا ليلى. أريد أن أتزوج مرة أخرى." قال أحمد، وهو يراقب رد فعل ابنته.

*

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%