الزواج السعيد الجزء الثالث
ظلال الشك ورياح الغيرة
بقلم مريم الحسن
مرت الأيام ثقيلة، محمّلة بعبء التفكير والترقب. استمرت ليلى في رعاية والدتها، وقضت معظم وقتها بجانب سريرها، تقرأ لها القرآن، وتتحدث معها عن كل ما يشغل بالها. أما عماد، فقد كان يزور منزل الحاج عبد الرحمن بانتظام، ولكنه كان يبدو شارد الذهن، أقل حماساً من ذي قبل. بدأت المسافة العاطفية تتسع بينهما، ليس بفعل الخلاف، بل بفعل الصمت والشكوك التي بدأت تنمو كالنباتات البرية في أرض جافة.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانت ليلى تتصفح هاتفها، تلقت رسالة من رقم غير معروف. كانت الرسالة قصيرة ومقلقة: "هل أنتِ حقاً ملتزمة بواجبكِ تجاه والدتكِ؟ أم أن لديكِ أسباباً أخرى لتأجيل الزواج؟"
ارتعشت يد ليلى وهي تحمل الهاتف. من يمكن أن يكون؟ ومن أين حصل على رقمها؟ لم تفكر طويلاً، فأغلقت الهاتف وتركته جانباً، محاولة تجاهل الشعور بالخوف الذي تسلل إلى قلبها. لم تكن تريد أن تخبر عماد بالأمر، خوفاً من أن يزيد من قلقه وتوتره.
من ناحية أخرى، كان خالد يراقب الوضع عن كثب. لقد أرسل تلك الرسالة، وبدأ بنشر بعض الشائعات الخبيثة بين بعض معارفهما المشتركين، يتحدث عن تردد ليلى، وعن علاقات أخرى قد تكون تربطها. كان يعلم أن كلامه هذا قد لا يكون له أساس من الصحة، لكنه كان يعتمد على أن الشك، حتى لو كان واهياً، كفيل بزرع بذور الفتنة.
"هل سمعتِ عن ليلى؟" سأل خالد أحد الأصدقاء المشتركين، وهو "علي"، في أحد المقاهي. "يقال إنها ليست سعيدة حقاً بخطبتها من عماد. بل إنها قد تكون مرتبطة بشخص آخر."
نظر علي إلى خالد باستغراب. "من أين لك هذا الكلام؟ ليلى تبدو فتاة ملتزمة جداً."
"أنا لا أخترع الكلام يا علي. أحياناً، الالتزام الظاهري يخفي حقائق أخرى. لقد رأيتها تتحدث مع بعض الشباب في الجامعة. ربما كان هناك شيء أكثر من مجرد صداقة. عماد مسكين، لا يدري ما يحدث." أضاف خالد، معبراً عن أسفه المصطنع.
بدأت هذه الكلمات تنتشر كالنار في الهشيم. لم يجرؤ أحد على مواجهة عماد بشكل مباشر، لكن الهمسات بدأت تصل إليه على استحياء.
"عماد، هل تعلم أن خالد كان يتحدث عن ليلى؟" سأل صديقه "أحمد" وهو متردد.
"ماذا كان يقول؟" سأل عماد بحدة.
"لقد كان يتحدث عن ترددها، وعن علاقات أخرى. لا أعرف إن كان هذا صحيحاً أم لا، لكنه يبدو وكأنه يحاول إثارة الشكوك." قال أحمد.
كانت كلمات أحمد بمثابة صاعقة لعماد. لقد كان يشعر بالفعل بالشك، وهذه الشائعات كانت تؤكد له مخاوفه. هل كانت ليلى تستغل فترة مرض والدتها لتنأى بنفسه عنه؟ هل كانت تلك الرسالة المجهولة التي وصلته قبل أيام دليلاً على ذلك؟
"خالد؟" تمتم عماد لنفسه، وقد بدأت ملامح الغضب تعلو وجهه. كان يعرف أن خالد يكن له بعض الغيرة، ولكنه لم يكن يتوقع أن يصل به الأمر إلى هذا الحد.
في هذه الأثناء، كانت السيدة نفيسة، والدة عماد، تشعر بقلق متزايد. كانت ترى ابنها شارد الذهن، ولم يكن يحكي لها عن السبب الحقيقي. كانت تعلم أن خطوبة عماد وليلى كانت تسير بشكل جيد، ولكنها بدأت تشعر بأن هناك ما يريب.
"يا عماد، هل أنت بخير؟ تبدو مهموماً جداً هذه الأيام." سألت والدته ذات مساء.
"أنا بخير يا أمي، لا تقلقي. مجرد بعض ضغوط العمل." أجاب عماد، متجنباً النظر إليها.
"العمل؟ أم أن الأمر له علاقة بليلى؟" سألت السيدة نفيسة بحذر. "أتمنى أن يكون كل شيء على ما يرام بينكما."
"كل شيء على ما يرام يا أمي." كرر عماد، لكن صوته كان خالياً من أي ثقة.
أما ليلى، فقد كانت تعيش صراعاً داخلياً. كانت تشعر بالوحدة، وبأن عماد بدأ يبتعد عنها. كانت تحاول أن تتواصل معه، ولكن ردوده كانت مقتضبة، وكأنها تتحدث إلى شخص غريب. حاولت أن تسأله مباشرة، لكنها لم تجد الكلمات المناسبة.
"عماد، هل تشعر بأن هناك شيئاً ما بيننا؟" سألت ذات يوم عبر الهاتف.
"لا يا ليلى، كل شيء على ما يرام." أجاب عماد بصوت بارد، سرعان ما أنهى المكالمة.
شعرت ليلى بخيبة أمل كبيرة. لقد كانت تتوقع منه دعماً وتفهماً، لكنها وجدت منه بعداً وتجنباً. لم تكن تعلم أن الشائعات التي ينشرها خالد قد وصلت إليه، وأنها تترك آثارها المدمرة.
في محاولة منها لفهم الوضع، قررت ليلى أن تتحدث إلى الحاج عبد الرحمن. كان رجلاً حكيماً، لطالما شعر بالود نحوها.
"يا حاج عبد الرحمن، أشعر بأن عماد بدأ يبتعد عني. هل هناك ما يزعجه؟" سألت ليلى بتردد، وهي تجلس أمامه في الحديقة.
نظر إليها الحاج عبد الرحمن بتمعن. "يا بنيتي، عماد يحبك كثيراً. ولكنه أيضاً شاب يحمل الكثير من الضغوط. ربما يحتاج إلى بعض الوقت. كوني صبورة."
"لكنني أشعر بأن هناك شيئاً آخر. أشعر بأن هناك شكوكاً بدأت تساوره." قالت ليلى، وقد ظهرت دموع خفيفة في عينيها.
"شكوك؟ من أين هذه الشكوك؟" سأل الحاج عبد الرحمن بجدية.
ترددت ليلى قليلاً، ثم روت للحاج عبد الرحمن عن الرسالة المجهولة التي وصلتها، وعن شعورها بالبعد المتزايد من عماد.
تنهد الحاج عبد الرحمن. "لا تقلقي يا ابنتي. سأتحدث مع عماد. سأحاول أن أفهم ما يدور في خاطره. ولكن تذكري، الثقة هي أساس أي علاقة قوية."
كان كلام الحاج عبد الرحمن بمثابة بلسم لروح ليلى، لكنها كانت تعلم أن الطريق لا يزال طويلاً. لقد كانت الرياح تدفع سفينة حبهما نحو شواطئ مجهولة، وكان القلق ينمو بداخلها. هل ستتمكن ليلى من تجاوز هذه العقبات؟ وهل سينتصر الحب على الشك والغيرة؟
في تلك الليلة، وبينما كان الجميع ينامون، كان خالد يتسلل في الظلام، يضع خططه الشريرة. لم يكن يدري أنه يلعب بالنار، وأن عواقب أفعاله قد تكون أشد وأكبر مما يتصور. كانت الشائعات التي نشرها، والرسالة المجهولة التي أرسلها، ليست سوى بداية لحرب نفسية أشد ضراوة، حرب ستحمل معها مفاجآت لم يتوقعها أحد.