الزواج السعيد الجزء الثالث
همسات الليل وأسرار مكشوفة
بقلم مريم الحسن
كانت نسمات المساء تداعب ستائر غرفة النوم الفسيحة، حاملة معها عبق الياسمين المتسلق على جدار المنزل، ورائحة الأرض الرطبة بعد زخات مطر خفيفة. جلست ليلى على حافة السرير، تتأمل انعكاس صورتها في مرآة التسريحة الطويلة. كانت عيناها، اللتان طالما انعكس فيهما بريق السعادة والشغف، تحملان الآن مسحة من القلق والتساؤل. منذ لقائها المفاجئ بـ"أمينة" في السوق، وشعور بعدم الارتياح يتملكها. لم تكن "أمينة" مجرد زميلة دراسة قديمة، بل كانت تحمل في طياتها شبح ماضٍ لم تكن ليلى ترغب في استحضاره.
تنهدت ليلى بعمق، محاولة طرد الأفكار المتنافرة التي تعصف بذهنها. أمسكت بيديها القماش الناعم لفستانها، ورددت في نفسها: "ما الذي تخفيه أمينة؟ ولماذا يبدو القلق بادياً على وجهها وهي تتحدث عن أحمد؟" لقد ذكرت أمينة اسم أحمد بطريقة أثارت ريبة ليلى. لم يكن الأمر مجرد فضول عابر، بل كان شعوراً داخلياً ينم عن خطر قادم. أحمد، زوجها، نور عينيها، وحبيبها الذي شاركته أحلامها وأسرارها. كيف يمكن أن يكون له علاقة بأمينة التي لم تسمع عنها منذ سنوات؟
كان أحمد في مكتبه، يراجع بعض الأوراق الهامة المتعلقة بمشروعه الجديد. كانت الأضواء الخافتة تبرز تقاسيم وجهه الحازمة، وتكشف عن تركيزه الشديد. لم يكن يدري أن زوجته التي يعشق كانت تعيش لحظات من الاضطراب الداخلي، سببتها رؤية شخص قديم.
في تلك الأثناء، كان مالك، صديق أحمد المقرب، قد وصل إلى منزلهم. كان يعرف أن ليلى تشعر ببعض الوحدة في غياب أحمد الدائم بسبب ظروف عمله. قرع الباب برفق، وبعد لحظات، فتحت له ليلى وهي ترتدي حجاباً فضفاضاً، وقد حاولت أن ترسم ابتسامة خفيفة على شفتيها.
"أهلاً بك يا مالك، تفضل." قالت بصوت حاول أن يكون طبيعياً.
"أهلاً بك يا ليلى. كيف حالك؟" سأل مالك وهو يدخل. "رأيت نور أحمد قريباً من هنا، فقلت أن ألقي السلام."
"نعم، إنه في مكتبه. كان لديه بعض العمل." أجابت ليلى وهي تتجه نحو المطبخ لتحضير بعض الشاي.
جلس مالك في الصالة، يتأمل لوحات والدته المعلقة على الجدران. كان يعرف ليلى جيداً، ويلمح بسهولة أي تغير يطرأ على مزاجها. شعر بوجود شيء ما، شيء أكبر من مجرد قلق عابر.
"هل حدث شيء يا ليلى؟" سأل مالك بلهجة ودية، عندما عادت إليه ليلى ومعها صينية الشاي.
ترددت ليلى للحظة. هل كان عليها أن تشاركه ما تشعر به؟ لكن مالك كان شخصاً موثوقاً به، وكان شاهداً على بداية قصة حبها مع أحمد. قد يكون لديه بعض النصائح.
"لا شيء محدد يا مالك، ولكن..." بدأت ليلى، ثم توقفت.
"ولكن ماذا؟" شجعها مالك. "لا تجعلي الهموم تتراكم. أحمد يحبك ويقدرك، وأنا كذلك. نحن هنا لك."
"اليوم، رأيت شخصاً في السوق. كانت زميلة دراسة قديمة لي، اسمها أمينة." قالت ليلى، ثم استطردت قائلة: "لم أكن أعرف أنها ما زالت في المدينة. ولكن ما أثار قلقي هو الطريقة التي تحدثت بها عن أحمد. كان حديثها غريباً، ومشوشاً. وكأنها تحمل سراً يتعلق به."
اتسعت عينا مالك قليلاً. كان يعرف أمينة، لكن علاقته بها كانت محدودة جداً. "أمينة؟ هل رأيتها منذ فترة طويلة؟"
"منذ تخرجنا. لم أتواصل معها بعدها أبداً. ولكنها بدت متوترة، وعندما ذكرت اسم أحمد، اهتزت. وقالت شيئاً جعلني أشعر بالخوف. قالت: 'ربما لم يعد أحمد هو نفسه الذي عرفته، يا ليلى. ربما تغيرت الأقدار.' لم أفهم ما تقصد."
شعر مالك ببرودة تسري في أوصاله. كان يعرف أن لأحمد تاريخاً معقدًا قبل زواجه من ليلى. تاريخ لم يكن يذكر عنه شيئاً تفصيلياً، وكان يحترمه في قراره بعدم الخوض فيه. ولكنه لم يكن يتوقع أن يعود هذا التاريخ ليظهر بهذه الطريقة.
"ربما هي مجرد مشاعر متوترة يا ليلى. بعض الناس يعبرون عن أفكارهم بطرق غامضة." قال مالك محاولاً طمأنتها، ولكنه في داخله كان يشعر بصدق قلقها.
"لا يا مالك. كان الأمر أعمق من ذلك. شعرت وكأنها تحاول أن تحذرني من شيء. ولكنها لم تستطع أو لم ترغب في البوح بما في قلبها." قالت ليلى، وعادت نظرات القلق إلى عينيها.
في تلك اللحظة، سمعا صوت خطوات تقترب. كان أحمد قد انتهى من عمله. دخل أحمد إلى الصالة، مبتسماً وهو يرى مالك وليلى.
"أهلاً بمالك! ما الذي أتى بك في هذا الوقت؟" سأل أحمد وهو يلقي التحية على صديقه.
"جئت لأطمئن عليكم. ولأشرب فنجاناً من شاي ليلى اللذيذ." قال مالك بابتسامة، ولكنه كان يراقب رد فعل أحمد.
"وأنا أرى أن ليلى قد أحسنت الضيافة." أجاب أحمد وهو يقترب من ليلى ويقبل رأسها. "هل كل شيء على ما يرام يا حبيبتي؟ تبدين متعبة قليلاً."
نظرت ليلى إلى أحمد، حاولت أن تخفي قلقها، لكن عينيها ربما خانتاها. "لا شيء يا حبيبي. ربما قليل من الإرهاق."
ابتسم أحمد، ثم جلس بجانبها. "لا تقلقي. سأعتني بك. هل تريدين أن نخرج للعشاء الليلة؟ ربما في المطعم الجديد الذي فتح أبوابه قرب النهر؟"
"فكرة رائعة يا أحمد." قالت ليلى، وهي تشعر بأن وجود أحمد بجانبها يبعث فيها بعض الطمأنينة. ولكن همسات أمينة ظلت تتردد في ذهنها.
بعد أن غادر مالك، جلست ليلى وأحمد معاً في الصالة. كان أحمد يتحدث عن تفاصيل مشروعه، بينما كانت ليلى تستمع إليه، لكن ذهنها ظل مشغولاً. كانت تعود بذاكرتها إلى لقاء أمينة. تذكرت كيف كانت أمينة تنظر إلى أحمد عند ذكره، نظرة تحمل خليطاً من الأسف والحسرة، وربما شيء أعمق.
"أحمد، هل تعرف حقاً شخصاً اسمه أمينة؟" سألت ليلى فجأة، كأنها ألقت قنبلة في هدوء اللحظة.
توقف أحمد عن الحديث، وارتسمت على وجهه علامة مفاجئة. "أمينة؟ نعم، أعرفها. كانت زميلة دراسة قديمة." قال بتردد.
"وهل علاقتكما كانت مجرد زمالة؟" سألت ليلى، بصوت ثابت ولكن داخله بركان من المشاعر.
نظر أحمد إلى ليلى، ورأى في عينيها شيئاً لم يعهده من قبل. شيئاً يوحي بالشك والتساؤل. شعر بأن شيئاً ما حدث، وأن ليلى اكتشفت شيئاً.
"ليلى، ما الذي يحدث؟ ما الذي دفعك لسؤال هذا السؤال بهذا الشكل المفاجئ؟" سأل أحمد، وبدأ القلق يظهر على وجهه.
"لقد رأيت أمينة اليوم يا أحمد. وهي تحدثت عنك. تحدثت بطريقة غريبة، وطريقة جعلتني أشعر بأن هناك شيئاً تخفيه." قالت ليلى، ثم استطردت: "لقد قالت: 'ربما لم يعد أحمد هو نفسه الذي عرفته'. ما معنى هذا الكلام يا أحمد؟"
صمت أحمد للحظة. كانت هذه اللحظة التي كان يخشاها. اللحظة التي سيتم فيها الكشف عن أجزاء من ماضيه قد لا تكون ليلى مستعدة لتحملها.
"ليلى، ما قالته أمينة... ربما كان يعكس مشاعر شخصية لديها. لا يجب أن تأخذي كلامها على محمل الجد." قال أحمد، محاولاً تبرير الموقف، ولكن في عينيه كان هناك شيء آخر. شيء من الندم.
"من كان هذا الشخص يا أحمد؟ من هي أمينة بالنسبة لك؟" سألت ليلى، صوتها يرتجف قليلاً.
"هي... كانت صديقة قديمة. وكانت تربطنا بها علاقة. علاقة معقدة." قال أحمد، وبدأ يشعر بثقل الكلمات.
"علاقة معقدة؟ هل كانت مجرد صداقة يا أحمد؟" سألت ليلى، وقد بدأت الصور تتشكل في ذهنها. صور لم تكن تتمنى رؤيتها.
"كانت هناك مشاعر في الماضي، يا ليلى. مشاعر لم تكتمل. وانتهت." قال أحمد، وهو يشعر بالضيق.
"مشاعر لم تكتمل؟ وما الذي منعها من الاكتمال؟" سألت ليلى، وصوتها يعلو قليلاً.
"ظروف، يا ليلى. وظروف أدت إلى ابتعادي. وتجنبت الحديث عن ذلك لأنه ماضٍ وانتهى. لأنني وجدت السعادة الحقيقية معك." قال أحمد، وهو ينظر في عيني ليلى.
"ولكن لماذا لم تخبرني؟ لماذا تركتني أكتشف ذلك بهذه الطريقة؟" سألت ليلى، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها. "هل هذه هي الثقة التي تبنى عليها حياتنا؟"
"كنت أحميك، يا ليلى. كنت أعتقد أن إخباري سيؤلمك. وأردت أن أبدأ حياتنا معك بصفحة بيضاء." قال أحمد، ونبرة صوته تحمل الأسف.
"صفحة بيضاء؟ وهل حقاً كل شيء كان أبيض؟ أم أن هناك بقعاً داكنة لم تخبرني عنها؟" سألت ليلى، وقد بدأت تشعر بأن عالمها يتصدع.
"لا يا ليلى. لم يكن هناك شيء. لم يكن هناك شيء جاد. كان مجرد سوء فهم، وظروف قاسية." قال أحمد، ولكنه لم يستطع أن ينظر في عيني ليلى مباشرة.
"سوء فهم؟ أم خيانة؟" قالت ليلى، وقد رفعت صوتها. "هل كانت هناك علاقة جسدية؟"
"لا! أبداً يا ليلى! أقسم لك بالله، لم يكن هناك أي شيء من هذا القبيل. علاقتي بأمينة كانت علاقة صداقة، وربما تطورت إلى ما هو أكثر من ذلك قليلاً في وقت ما، ولكنها لم تكتمل أبداً. ولم تسمح لي نفسي أبداً بأن أخون الثقة التي وهبتني إياها." قال أحمد، وبدا عليه الصدق في كلامه.
"ولكن لماذا ظهرت الآن؟ ولماذا تتحدث هكذا؟" سألت ليلى، وما زال الشك يراودها.
"لا أعرف. ربما تشعر بالندم. أو ربما أرادت أن تعكر صفو حياتنا. لا أعرف ما الذي يدور في عقلها." قال أحمد، وهو يشعر بالعجز.
"وماذا عنك يا أحمد؟ هل كنت سعيداً عندما كنت معها؟ هل كنت تشعر بنفس هذه السعادة التي تدعي أنك تجدها معي؟" سألت ليلى، وقد انهمرت الدموع من عينيها.
"لا يا ليلى. لم أكن سعيداً. كنت تائهاً. كنت أبحث عن شيء. ووجدت السعادة الحقيقية معك. أنتِ كل شيء بالنسبة لي. أنتِ حياتي، ومستقبلي، وآخرتي." قال أحمد، وبدأ يمسح دموع ليلى.
"ولكن كيف لي أن أصدقك الآن؟ كيف لي أن أتجاوز هذا الشعور بأنك أخفيت عني جزءاً مهماً من حياتك؟" قالت ليلى، وهي تبتعد قليلاً.
"الأمر لم يكن إخفاءً بقدر ما كان حماية. حماية لكِ. ولكنني الآن أدرك أن الصدق هو أساس كل شيء. وأنا مستعد لأي شيء لتثبت لكِ حبي وإخلاصي." قال أحمد، وهو يشعر بأنه قد وصل إلى نقطة اللاعودة.
"ما الذي تقصد بأنك مستعد لأي شيء؟" سألت ليلى، وقد رفعت عينيها لتنظر إليه.
"أنا مستعد لفتح كل شيء. لأشرح لكِ كل تفاصيل الماضي. حتى وإن كان مؤلماً. فقط لكي تعودي لتثقي بي." قال أحمد، وبدا عليه الجدية.
"وهل تعتقد أن شرح الماضي سيصلح ما اهتز الآن؟" سألت ليلى، بصوت ضعيف.
"لا أعرف. ولكنني مستعد للمحاولة. ولأثبت لكِ أن حبي لكِ هو الحب الوحيد الذي أعنيه. وأن كل ما سبق كان مجرد سراب." قال أحمد.
نظرت ليلى إلى أحمد، وشعرت بصدق في عينيه. ولكن الألم الذي سببه هذا الكشف كان أعمق مما تخيلت. كانت تشعر وكأنها تقف على حافة جرف، ولا تعرف إلى أين ستؤول الأمور. هل ستتمكن من تجاوز هذا؟ هل سيعود الثقة بينهما؟
"أحمد، إن ما شعرت به اليوم، وما اكتشفته، جعلني أشعر بالخوف. الخوف من المستقبل، والخوف من أن يكون ماضينا أقوى من حاضرنا." قالت ليلى، وهي تحاول أن تجمع شتات نفسها.
"ليلى، أنا هنا. ولن أتركك. سنواجه هذا معاً. مثلما واجهنا كل شيء آخر." قال أحمد، وهو يشد على يدها.
ولكن حتى في دفء يده، شعرت ليلى ببرد الشك يتسلل إلى قلبها. لم تكن تعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك. هل ستكون هذه بداية نهاية قصة حبهما، أم بداية فصل جديد مليء بالصراحة والتحديات؟ ظلت ليلى صامتة، وعيناها تبحثان عن إجابات في وجه أحمد.