الزواج السعيد الجزء الثالث

ظلال الماضي وقرارات مصيرية

بقلم مريم الحسن

كانت أشعة الشمس تتسلل بصعوبة عبر الغيوم الرمادية التي غطت سماء المدينة، وكأنها تعكس الحالة المزاجية التي تسود منزل ليلى وأحمد. لم تعد السعادة الصافية التي كانت تغمرهما قبل أيام بنفس الوضوح، بل بدأت تتسلل إليها ظلال الشك والقلق. كانت كلمات أمينة، وإن بدت غامضة، قد تركت أثراً عميقاً في نفس ليلى، وبدأت تتساءل عن مدى صدق أحمد وعن تفاصيل حياته التي لم تشاركها إياها.

بعد محادثتهما مع مالك، حاول أحمد أن يعود إلى طبيعته، أن يجدد الحياة الهادئة التي كانا يعيشانها. ولكن ليلى كانت تبدو شاردة الذهن، وتجيب على أسئلته بإجابات مقتضبة. كان يبدو عليها أنها تفكر في شيء ما، شيء يتعلق بأمينة.

في أحد الأيام، وبينما كان أحمد في عمله، تلقت ليلى اتصالاً هاتفياً. كان الرقم غير معروف. ترددت قليلاً قبل أن تجيب.

"مرحباً؟" قالت ليلى بصوت متردد.

"ليلى؟" سمعت صوتاً أنثوياً، بدا مألوفاً ولكنه كان يحمل نبرة غريبة.

"من معي؟" سألت ليلى، وقلبها بدأ يدق بقوة.

"أنا أمينة." جاء الرد.

شعر ليلى بالبرد يسري في عروقها. لم تكن تتوقع أن تتصل بها أمينة. "كيف حصلتِ على رقمي؟" سألت ليلى بحدة.

"لا يهم كيف. المهم أنني أردت أن أتحدث معكِ. أريد أن أكشف لكِ حقيقة ماضيكِما." قالت أمينة بنبرة تحمل تحدياً.

"حقيقة ماضيكما؟ عن أي حقيقة تتحدثين؟" سألت ليلى، وعيناها تبحثان عن إجابات لا تجدها.

"عن علاقة أحمد بكِ. عن ماضيه الذي لم يخبركِ به كاملاً." قالت أمينة.

"أحمد أخبرني بكل شيء." قالت ليلى، محاولة إظهار الثقة، رغم أن قلبها كان ينقبض.

"هل أنتِ متأكدة؟ هل أخبركِ عن تلك اللحظة؟ عن تلك الليلة؟" قالت أمينة، وبدأت نبرتها تتحول إلى نبرة اتهام.

"أي ليلة؟" سألت ليلى، وشعرت بأن الأرض تميد بها.

"ليلة قرر فيها أحمد أن يتخلى عني. ليلة قال لي فيها أنه لن يستطيع أن يستمر معي، ولكنه لم يذكر السبب الحقيقي. السبب الذي يجعله يفضل شخصاً آخر." قالت أمينة.

"شخصاً آخر؟ من تقصدين؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها قد سقطت في فخ.

"أقصد نفسكِ يا ليلى. لقد كان لديه مشاعر قوية نحوي، ولكن مع ظهوركِ، تغيرت الأمور. هل أخبركِ عن ذلك؟ هل أخبركِ بأنه كان يتخلى عني لأجلكِ؟" سألت أمينة، وصوتها يعلو.

"لم يتخل عنكِ يا أمينة. لقد كانت علاقتكما مجرد صداقة لم تكتمل. هكذا قال أحمد." قالت ليلى، ولكن صوتها كان يرتجف.

"صداقة لم تكتمل؟ هل هذه هي الحقيقة التي يريدكِ أن تصدقيها؟ هل حقاً تصدقين أن علاقة تستمر لشهور، وينتهي بها الأمر بكلمات بسيطة، كانت مجرد صداقة؟" سألت أمينة بسخرية.

"أحمد قال إن الظروف كانت أقوى من مشاعرهما." قالت ليلى، وهي تشعر بأنها تدافع عنه، رغم الشكوك التي بدأت تسيطر عليها.

"ظروف؟ ما هي هذه الظروف؟ هل هي ظروف تجعله يتخلى عن حب حقيقي؟ أم ظروف تجعله يبحث عن حياة أسهل، حياة خالية من التعقيدات؟" قالت أمينة.

"أحمد لم يكن يبحث عن حياة سهلة. لقد كان يبحث عن السعادة الحقيقية. وقد وجدها معي." قالت ليلى، ولكنها لم تكن مقتنعة تماماً.

"السعادة الحقيقية؟ هل تعتقدين ذلك حقاً؟ هل أنتِ متأكدة أنه لم يكن مضطراً لإنهاء علاقتنا؟ هل أنتِ متأكدة أنه لم يكن مضطراً للتضحية بشيء كبير؟" سألت أمينة، وكل كلمة كانت كلسعة لسعة.

"ما الذي تقصدينه؟" سألت ليلى، وقد بدأت الدموع تنهمر من عينيها.

"أحمد لم يخبركِ بالحقيقة كاملة يا ليلى. لقد كانت هناك ضغوط. ضغوط عائلية. ضغوط اجتماعية. ضغوط جعلته يتخذ قراراً قاسياً." قالت أمينة، وبدأت تكشف عن الخيوط.

"ضغوط عائلية؟" سألت ليلى، وبدأت تتذكر حديث والدتها عن أهمية الزواج من عائلة مرموقة.

"نعم. كان لديه ارتباطات معينة. وعائلته كانت ترفض فكرة علاقتي به. لم يكن الأمر يتعلق بالمشاعر، بل بالسمعة والتقاليد. لقد أجبر على الاختيار." قالت أمينة.

"أجبر؟ هل أنتِ متأكدة؟" سألت ليلى، وشعرت بقلبها يرتجف.

"مئة بالمئة. لقد كنت حاضرة. لقد تحدثت إلى والده. وكان موقفه صلباً. لم يرضَ به. ولذلك، اضطر أحمد لاتخاذ قرار. قرار لم يكن يريده، ولكنه كان مضطراً له. وفضل الاستقرار والراحة على حب كان يخشى أن يجلب له المتاعب." قالت أمينة.

"ولكن أحمد قال إنه لم يكن سعيداً معك." قالت ليلى، محاولة التمسك بما قاله.

"بالطبع لم يكن سعيداً. ولكنه كان خائفاً. وكان يخشى أن يخسر كل شيء. كان يخاف من رد فعل عائلته. ولذلك، اختار الطريق الأسهل. اختار أن يتخلى عن الحب، ويختار الراحة." قالت أمينة.

"هل تقصدين أنه تخلى عنكِ لأجل المال أو المكانة؟" سألت ليلى، ولم تستطع أن تخفي صوتها المرتجف.

"لم يتخل عني لأجل المال أو المكانة بشكل مباشر. ولكنه تخلى عن علاقة حب كان يخشى أن تؤثر على مستقبله المهني والاجتماعي. لقد اختار طريقاً آمناً، طريقاً يرضي عائلته. وبذلك، أصبح 'هو نفسه' الذي عرفته، ولكنه بطريقة مختلفة. بطريقة فقد فيها جزءاً من روحه." قالت أمينة.

"ولماذا تخبرينني هذا الآن؟" سألت ليلى، وصوتها ضعيف.

"لأني أريدكِ أن تعرفي الحقيقة. لأنني لا أريد أن تعيشي في وهم. لأن أحمد قد يكون يحبكِ الآن، ولكنه في الماضي، اتخذ قراراً جباناً. قرار جعلني أشك في كل ما كان بيننا. وأريدكِ أن تفهمي أن هذا النوع من القرارات يمكن أن يتكرر." قالت أمينة.

"هل تقصدين أنه قد يتخلى عني؟" سألت ليلى، وبدأت دموعها تتساقط بغزارة.

"لا أعرف. ولكن أعتقد أن الرجال الذين يتخذون قرارات من هذا النوع، قد يعودون إلى نفس الطريق عندما يواجهون ضغوطاً مماثلة." قالت أمينة.

"ولكن أحمد قال إن ظروفه مختلفة الآن." قالت ليلى، وهي تشعر بانهيار وشيك.

"ظروفه مختلفة، ولكن طبيعته البشرية قد لا تتغير. إن كان قد اضطر للتخلي عن حب حقيقي في الماضي خوفاً من العواقب، فقد يضطر لذلك مرة أخرى إذا رأى أن ذلك يخدم مصلحته. عليكِ أن تكوني مستعدة يا ليلى. عليكِ أن تفهمي أن أحمد ليس كما تظنين تماماً." قالت أمينة، وبدا صوتها يحمل شيئاً من الانتصار.

"شكراً لكِ يا أمينة." قالت ليلى بصوت مختنق، ثم أغلقت الهاتف.

جلست ليلى على كرسي، تشعر بأن العالم كله قد اهتز من حولها. كلمات أمينة كانت كالصاعقة، دمرت كل ما بنته مع أحمد. هل كان أحمد قد تخلى عن حبه الحقيقي لأجل ضمان مستقبله؟ هل كانت علاقته

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%