الزواج السعيد الجزء الثالث
همسات القدر
بقلم مريم الحسن
كان الهواء في فيلا الأستاذ أحمد مشبعاً بترقب خفي، ممزوجاً بلمسة من الأمل. بعد مفاوضات هادئة مع خالد، تم الاتفاق على موعد للقاء السيدة أميرة. لم يكن اللقاء مجرد موعد عابر، بل كان بمثابة اختبار، وجسر سيبنى فوق فراغ السنوات.
قرر أحمد أن يكون اللقاء في مطعم فاخر، ولكن هادئ، يتيح لهم فرصة التحدث والتعارف بعمق. اختار مطعم "نسمة البحر" المطل على الشاطئ، المعروف بأجوائه الراقية وخصوصيته.
في مساء اليوم المحدد، وقفت ليلى أمام خزانة ملابسها، تتأمل الخيارات. لم يكن الأمر سهلاً. كانت ترغب في الظهور بأفضل شكل، ولكنها كانت تخشى أن تبدو متكلفة أو مبالغة.
"ما رأيك في هذا الثوب يا أبي؟" سألت ليلى، وهي تعرض ثوباً أزرق سماوياً، بسيطاً ولكنه أنيق، من قماش الحرير الخفيف.
نظر أحمد إلى ابنته. كانت تبدو كعروس ملكة، رقيقة وساحرة. "إنه رائع يا حبيبتي. سيبدو عليكِ جميلاً جداً."
ابتسمت ليلى، وشعرت ببعض الثقة. كانت تعلم أن والدها يريد لها السعادة، وأن هذه السيدة أميرة قد تكون هي الشخص المناسب.
في الوقت نفسه، في فيلتها، كانت أميرة تتأهب للقاء. اختارت ثوباً بلون الزمرد، يبرز جمال عينيها. كانت ترتدي قلادة فضية بسيطة، تحمل نقشاً إسلامياً.
"ريما،" قالت أميرة لابنتها، "هل أنتِ مستعدة؟"
ريما، فتاة في الثانية عشرة من عمرها، ذات شعر مجعد وعينين ذكيتين، هزت رأسها. "نعم يا أمي. أنا متحمسة جداً للقاء الأستاذ أحمد وليلى."
"أتمنى أن تكون صداقة قوية بينكم." قالت أميرة، وهي تمسك بيد ابنتها.
وصل أحمد وليلى إلى المطعم قبل الموعد بدقائق. جلسا على طاولة بالقرب من النافذة، والشمس تغرب، وترسم لوحة ساحرة في السماء.
"هل أنتِ متوترة يا ليلى؟" سأل أحمد.
"قليلاً يا أبي." اعترفت ليلى. "ولكنني واثقة بك."
"وأنا واثق بكِ أيضاً." قال أحمد. "تذكري، نحن هنا لنتعرف على السيدة أميرة، ولنرى ما إذا كانت مناسبة. لا تضغطي على نفسكِ."
وصلت السيدة أميرة مع ابنتها ريما، بعد دقائق قليلة. عندما رأى أحمد أميرة، شعر بشيء يدفعه نحوها. كانت امرأة تملك هالة من الوقار والجمال الهادئ.
"السلام عليكم." قال أحمد، واقفاً لتحيتها.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." ردت أميرة، وابتسامة لطيفة على وجهها.
"تفضلوا بالجلوس." قال أحمد، مشيراً إلى الكراسي الفارغة.
جلست أميرة، وجلست ريما بجانبها. جلست ليلى أمام أحمد، وعيناها تتبعان كل حركة.
بدأ الحديث بينهم تدريجياً. بدأ بالتعارف، ومن ثم تحدثوا عن أعمال أحمد، وعن أحلام أميرة. كانت أميرة تتحدث عن دار الأيتام بشغف، وعن رؤيتها لمستقبل الأطفال. كانت كلماتُها تحمل صدقاً وإيماناً عميقاً.
"ما شاء الله." قال أحمد، مفتوناً بكلامها. "حلمكِ نبيل جداً."
"شكراً لك يا أستاذ أحمد. أعتقد أن الأطفال هم أمانة في أعناقنا. ويجب أن نوفر لهم كل ما يحتاجونه." قالت أميرة.
نظرت ليلى إلى أميرة، وبدأت تشعر بالارتياح. كانت السيدة أميرة تتحدث معها بلطف، وتسألها عن دراستها، وعن اهتماماتها. لم تكن تشعر بأنها تحاول أن تحل محل والدتها، بل كانت تشعر بأنها صديقة جديدة.
"وماذا عنكِ يا ليلى؟" سألت أميرة. "ما هي أحلامكِ؟"
ترددت ليلى قليلاً، ثم قالت: "أنا... أحلم بأن أعمل في مجال التصميم. أرغب في تصميم ملابس أنيقة، ولكن محتشمة."
ابتسمت أميرة. "هذا حلم جميل جداً. أعتقد أنكِ ستنجحين فيه."
"ولكنني لست متأكدة بعد." قالت ليلى.
"لا تقلقي. كل بداية صعبة." قالت أميرة. "والشيء الأهم هو أن تبدئي. وأن تعملي بجد."
كانت ريما، ابنة أميرة، تستمع إلى الحوار باهتمام. كانت تراقب ليلى، وتقارنها بما سمعته عنها. بدأت تشعر بأنها ستجد في ليلى صديقة.
"السيدة أميرة،" قال أحمد، "هل لديكِ أي ابنة أخرى؟"
"نعم، لدي ابنة اسمها ريما." قالت أميرة، مشيرة إلى ابنتها. "وهي هنا معنا."
"ما شاء الله." قال أحمد. "هي تبدو فتاة لطيفة جداً."
"وهي كذلك." أكدت أميرة. "هي قطعة من قلبي."
"يا أبي،" قالت ليلى، "هل تحدثت مع أميرة عن... ريما؟"
"نعم، تحدثنا." قال أحمد. "وأنا سعيدة جداً بأن ريما معنا اليوم."
"هل يمكنني أن أتحدث مع ريما؟" سألت ليلى.
"بالتأكيد." قالت أميرة، مبتسمة.
بدأت ليلى تتحدث مع ريما، وسرعان ما اندمجتا في حديث ممتع. اكتشفتا اهتمامات مشتركة، وتشاركت كل منهما أحلامها.
مر الوقت بسرعة. انتهى العشاء، وبدا الجميع يشعرون بالرضا.
"شكراً جزيلاً لكِ يا سيدة أميرة." قال أحمد، وهو يرافقها إلى سيارتها. "لقد استمتعنا بوقتنا كثيراً."
"الشكر لك يا أستاذ أحمد." ردت أميرة. "لقد كان لقاءً ممتعاً حقاً."
"أتمنى أن نكرره قريباً." قال أحمد، وشعر بتفاؤل حقيقي.
"إن شاء الله." قالت أميرة.
عندما غادرت أميرة، التفت أحمد إلى ليلى. "ما رأيكِ يا حبيبتي؟"
"إنها رائعة يا أبي. لطيفة جداً، وطيبة القلب. وأحلامها كبيرة." قالت ليلى، وشعرت بسعادة حقيقية.
"وماذا عن ريما؟"
"ريما أيضاً جميلة جداً. أعتقد أننا سنكون صديقات." قالت ليلى، وشعرت بأن عبئاً ثقيلاً قد أزيح عن كاهلها.
عاد أحمد وليلى إلى المنزل، وقلوبهما مليئة بالأمل. كانا يعلمان أن الطريق لم ينتهِ بعد، ولكن هذه الخطوة الأولى كانت ناجحة.
*
في سيارتها، كانت أميرة تنظر إلى ابنتها ريما. "ما رأيكِ يا ريما؟"
"إنها رائعة يا أمي! ليلى جميلة جداً، وطيبة. أعتقد أننا سنكون أفضل صديقات." قالت ريما، وعيناها تلمعان.
"ووالدها؟" سألت أميرة، تتفحص وجه ابنتها.
"الأستاذ أحمد رجل محترم جداً. وهو يحب ليلى كثيراً." قالت ريما. "أعتقد أنه رجل مناسب لكِ يا أمي."
ابتسمت أميرة. "شكراً لكِ يا غاليتي. أنتِ دائماً تجعلينني أشعر بالرضا."
"هل تعتقدين أنكِ ستتزوجين منه يا أمي؟" سألت ريما.
"لا أعرف يا حبيبتي. ولكننا سنرى. المهم أننا وجدنا أشخاصاً طيبين." قالت أميرة. "المهم أننا وجدنا احتمالاً للسعادة."
في تلك الليلة، نامت أميرة وقلبها هادئ. شعرت بأن الله قد فتح لها باباً جديداً. باب قد يقودها إلى تحقيق أحلامها، وإلى استعادة شعورها بالسكن والسكينة.
*