الزواج السعيد الجزء الثالث
عبق الذكرى ولظى الشك
بقلم مريم الحسن
كانت رائحة القهوة العربية، الممزوجة بعبق الهيل، تتسلل من المطبخ حاملة معها ذكرياتٍ غابرة، ذكرياتٌ كان يودّ أحمد أن يدفنها عميقاً تحت ثرى النسيان. جلس على طرف الأريكة الوثيرة في صالة البيت الفسيح، يقلّب بصره في أركانها المتزينة بذوق رفيع، علّها تخفف عنه وطأة ما يعتمل في صدره. كانت فاطمة، زوجته، قد أعدت الفطور بلمساتها المعهودة، تلك اللمسات التي طالما كانت تبعث في نفسه السكينة والاطمئنان. لكن اليوم، غابت تلك المشاعر. اليوم، كان يرى في كل زاوية، في كل تفصيل، صدىً لأيامٍ مضت، أيامٍ كان يظن أنها ولّت إلى الأبد.
تسللت فاطمة بخطواتٍ وادعة، تحمل طبقاً صغيراً فيه تمرٌ خلاصٌ فاخر، وآخر فيه قطعٌ صغيرة من كعكٍ هشّ. ابتسمت له ابتسامةً بريئة، تلك الابتسامة التي طالما أحبها، والتي كانت تضيء وجهها كشمس الصباح. "صباح الخير يا حبيبي،" قالت بصوتٍ ناعمٍ كالحرير.
ردّ أحمد على ابتسامتها بابتسامةٍ باهتة، بالكاد تخفي ما يعصف به. "صباح النور يا أم عمر."
ناولته قطعةً من التمر، وتناولت مثلها. كان الصمت يلفّ المكان، صمتٌ ثقيلٌ يكسره فقط صوتُ الملعوفِ في الخارج. كان أحمد يشعر بأنّ شيئاً ما قد تغير، وأنّ البوصلة التي كانت توجّه حياته قد انحرفت عن مسارها. لم تعد رؤية فاطمة، بحجابها الشرعي ووقارها الذي يغلفها، تبعث فيه ذاك الشعور بالأمان المطلق. بل أصبحت تذكّره بشيءٍ آخر، بشيءٍ كان قد ظنه قد انتصر عليه.
"هل أنت بخير يا أحمد؟" سألت فاطمة، لاحظت شرود ذهنه وقلقاً بدأ يرتسم على ملامحها.
تنهد أحمد بعمق. "نعم، بخير. مجرد إرهاقٍ قليل."
كانت هذه كذبة، وهو يعلم أنها كذبة. لم يكن الأمر مجرد إرهاق. كان الأمر أكبر من ذلك بكثير. كان صراعاً داخلياً، معركةً شرسةً يخوضها ضدّ وحشٍ قديمٍ استيقظ من سباته. لقد عاد ذلك الشعور الخبيث، تلك الرغبة المُلِحّة التي كان يعتقد أنه قد تخلّص منها إلى الأبد. عادت أيامُ السهر على شاشاتٍ خافتة، أيامُ العزلة، أيامُ التعلّق بما كان يظنه مجرد وهمٍ جميل، ولكنه في حقيقته كان سمّاً بطيئاً.
"هل تذكرين عندما التقينا أول مرة، يا فاطمة؟" قال أحمد فجأة، محاولاً تغيير مجرى الحديث، ولكن كلماته بدت كقذائفٍ تخترق الصمت.
رفعت فاطمة حاجبيها قليلاً، مستغربةً من هذا التحول المفاجئ في حديثه. "كيف أنسى؟ كنتِ أجمل فتاةٍ في ذلك المعرض للكتاب الإسلامي. رائحة الورق الجديد، وابتسامتكِ التي بدت كنورٍ هادئٍ في زحام الناس."
ابتسم أحمد تلك الابتسامة التي كانت تخفي الكثير. "كنتُ حينها شاباً طائشاً، تبحث عن معنىً لحياتي. وحين رأيتكِ، شعرتُ أني وجدتُ ضالتي."
"ووجدتها بالفعل،" ردّت فاطمة، وبدأت ملامحها تلين. "لقد كانت فترةً جميلةً، بدايةُ حياتنا معاً."
"جميلةٌ جداً،" وافقها أحمد، ولكن صوته كان يحمل نبرةً من الأسى. "ولكن، هل تعلمين يا فاطمة، أن بعض الأماكن، وبعض الروائح، يمكن أن تعود بنا إلى الماضي؟ تعيد إلينا أشياءً كنا نظن أننا دفناها."
بدأت نظرات فاطمة تتابع حركاته، وتزداد حيرةً. "ماذا تقصد يا أحمد؟"
أخذ نفساً عميقاً، وكأنه يستجمع قواه لمواجهة واقعٍ مؤلم. "أتذكرين ذلك الكتاب الذي اشتريتُه في ذلك المعرض؟ كتابٌ عن تاريخ الأدب العربي. كنتُ شغوفاً به، أمضيتُ ساعاتٍ طويلةً أقرأ فيه، أستمتعُ بجمال اللغة، وبحكمة الشعراء."
"نعم، أتذكره. لقد كنتَ سعيدةً جداً بذلك الكتاب."
"لم يكن الكتاب هو الشيء الوحيد الذي كنتُ شغوفاً به،" قال أحمد، وصوته بدأ يخفت. "كان هناك شيءٌ آخر. شيءٌ كنتُ أخفيه عنكِ، وعن نفسي أحياناً."
احمرّ وجه فاطمة قليلاً، وشعرت بارتباكٍ غامض. "ما هو هذا الشيء يا أحمد؟"
"منذ فترة، وجدتُ كتاباً قديماً، كان بين أغراضي القديمة. كتابٌ لم أعد إليه منذ سنوات. ولكن، عندما فتحته، عادت تلك الرغبة القديمة. رغبةٌ قويةٌ، تكاد تكون إدماناً."
كانت فاطمة تستمع إليه بصمت، وعيناها اتسعت من القلق. كانت تعرف أن أحمد كان لديه شغفٌ بالأدب، ولكنها لم تكن تعرف أن الأمر قد يصل إلى حدّ الإدمان.
"ما هو هذا الكتاب؟ وماذا فيه؟" سألت بصوتٍ مرتجف.
"إنه كتابٌ يتحدث عن… عن شخصياتٍ خيالية، ورواياتٍ قديمة. ولكنه ليس مجرد قراءة. لقد وجدتُ لنفسي عالماً افتراضياً، عالماً كنتُ أغوص فيه لساعات. كنتُ أعتبره هروباً من ضغوط الحياة، من مسؤولياتي."
كان أحمد يتحدث الآن بلغةٍ غريبة، بلغةٍ لا تستطيع فاطمة فهمها تماماً. لم تفهم كيف يمكن لشغفٍ بالقراءة أن يتحول إلى إدمان، وكيف يمكن لشخصٍ متزوجٍ أن يلجأ إلى هذا الهروب.
"ولكن… أنت متزوجٌ الآن، يا أحمد. لديك حياةٌ، لديك عائلة. ألا ترى أن هذا… غير صحي؟" قالت فاطمة، محاولةً أن تتخيل الوضع.
"أعلم، أعلم ذلك. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة،" قال أحمد، وشعرت فاطمة باليأس يتسلل إلى قلبها. "لقد حاولتُ التوقف. ولكن كلما حاولتُ، شعرتُ بفراغٍ كبير، وكأنّ جزءاً منّي قد فُقِد."
كانت كلماته كسهامٍ تخترق وجدان فاطمة. إنها ترى زوجها، الرجل الذي أحبته، والذي بنى معه مستقبلها، يغوص في بحرٍ من الوهم، بحرٍ قد يبتلعه.
"ولكن، أنت لا تبدو متفائلاً. هل أنت… هل أنت مدمنٌ على هذا؟" سألت فاطمة، والكلمة خرجت من فمها بصعوبة.
تردد أحمد قليلاً، ثم أومأ برأسه ببطء. "ربما. لا أعرف. كل ما أعرفه هو أن هذا الشيء يسيطر عليّ. ويجعلني أشعر بالذنب تجاهكِ، وتجاه كل ما بنيناه."
"أحمد،" قالت فاطمة، ومدّت يدها لتلمس يده. كانت يده باردةً قليلاً. "نحن نحتاج أن نتحدث عن هذا. بصدقٍ وصراحة. لا يمكنكَ أن تدع هذا الشيء يدمر حياتنا."
نظر إليها أحمد، ورأى في عينيها مزيجاً من الحزن والقلق، ولكن أيضاً، رأى فيها ذلك الحبّ الذي طالما كان ملاذه. "أعلم يا فاطمة. ولكن الأمر أصعب مما تتخيلين."
"لا شيء أصعب من فقدان السيطرة على النفس، يا حبيبي. ولا شيء أجمل من استعادة هذه السيطرة، وبناء حياةٍ سليمةٍ معاً. نحن سنواجه هذا معاً، إن كنتَ تسمح لي بالمساعدة."
كانت فاطمة تقف على أعتاب مرحلةٍ جديدة، مرحلةٍ لم تتوقعها أبداً. لقد كانت تظن أن التحديات التي واجهتها في بداية زواجها مع أحمد كافية. ولكن يبدو أن الحياة لديها خططٌ أخرى. كان عليها الآن أن تواجه ظلاً قديماً، ظلاً كان يطارد زوجها، وظلاً قد يهدد سعادتهما. كانت تعلم أن الأمر لن يكون سهلاً، وأنّ الطريق سيكون مليئاً بالعقبات. ولكنها كانت مستعدة. مستعدةٌ للقتال من أجل حبه، من أجل أسرته، ومن أجل مستقبلهما.
ارتعش صوتها وهي تكمل: "أنا أحبك يا أحمد. وسأكون بجانبك، مهما كان الثمن."
نظر إليها أحمد، وفي عينيه لمعت بصيصُ أمل. ربما، ربما كانت كلماتها هي الشرارة التي يحتاجها ليبدأ رحلة التعافي. ولكن الطريق كان طويلاً، ومليئاً بالأشواك. وشبح الإدمان، ذلك الشبح اللعين، كان يتربص به، ينتظر لحظة ضعفه ليعود ويسيطر عليه مجدداً.