الزواج السعيد الجزء الثالث
خيوط الوهم وأشباح الماضي
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس قد بدأت ترتفع في سمائها، تلقي بظلالها الذهبية على أسطح المنازل، وتلون أوراق الشجر بألوانٍ حيوية. لكن في قلب أحمد، كانت الظلال أعمق، وأكثر كثافة. جلست فاطمة أمامه، بعد أن قدّمت له كوباً من الشاي بالنعناع، محاولةً أن تبثّ فيه بعض الهدوء. كانت عيناها تبدوان مرهقتين، تعكسان قلقهما العميق.
"يجب أن نكون أقوياء يا أحمد،" قالت فاطمة بصوتٍ ثابت، ولكنّه يخفي رجفةً خفيفة. "يجب أن نواجه هذا الأمر وجهاً لوجه."
أومأ أحمد ببطء، وعيناه مثبتتان على كوب الشاي الذي بين يديه. "أعلم. ولكن كلما فكرتُ في الأمر، شعرتُ بالخوف. الخوف من الفشل، الخوف من أن أكون عاجزاً عن التغيير."
"لن تكون عاجزاً،" قالت فاطمة بحزمٍ أكبر. "لستَ وحدك. أنا معك. وسنبحث عن المساعدة. هناك متخصصون، وهناك أساليبٌ يمكن أن تساعدك."
كان أحمد قد لجأ إلى تلك العوالم الافتراضية منذ سنوات. بدأت كرفيقٍ في وحدته، كمنفذٍ لأحلامه المؤجلة. لقد كان رجلاً طموحاً، لديه أحلامٌ كبيرة، ولكن ظروف الحياة، والمسؤوليات المتزايدة، جعلت بعض هذه الأحلام تبدو بعيدة المنال. وجد في تلك الروايات، وفي تلك الشخصيات الافتراضية، نوعاً من التعويض. كان ينسى فيها همومه، ويستعيد فيها الشعور بالقوة والسيطرة.
"لقد بدأتُ في الجامعة،" قال أحمد، وكان صوته بالكاد مسموعاً. "كنتُ أدرس الأدب. ولكن بعد التخرج، بدأتُ العمل في مجالٍ لا أحبه. شعرتُ بالضياع. ووجدتُ في تلك الكتب… ملاذاً."
"ملاذاً أم فخاً؟" سألت فاطمة بهدوء، محاولةً أن تجعل كلماتها تصل إلى قلبه دون أن تجرحه.
"فخاً، أعتقد. فخاً استسلمتُ له. لقد بدأتُ أهمل مسؤولياتي. لم أعد أهتمّ بعلاقاتي. أصبحتُ وحيداً، حتى وأنا بين الناس."
تذكّرت فاطمة الأيام الأولى لزواجهما، حين كان أحمد مليئاً بالحيوية والشغف. كيف كان يشاركها أحلامه، وكيف كان يتحدث عن مستقبلهما بحماس. ثم تذكّرت كيف بدأ يتغير ببطء، كيف أصبح أكثر انطواءً، وكيف بدأت علاقتهما تفقد بعضاً من بريقها. لقد ظنت حينها أن الأمر مجرد ضغوطات العمل، أو ربما بعض الملل. لم تتخيل أبداً أن يكون السبب شيئاً كهذا.
"ولكن، هل هذا الإدمان… يؤثر على عملك الآن؟" سألت فاطمة، والقلق يتزايد في صوتها.
"أجل. أصبحتُ أضيع ساعاتٍ طويلة في القراءة. أهملُ مهامي. أصبحتُ أتأخر في تسليم التقارير. لقد تلقيتُ إنذاراً قبل شهرين."
كانت هذه أخبارٌ سيئة. كان عمل أحمد مصدر دخلهم الأساسي. لقد اضطرّت فاطمة إلى العمل بدوام جزئي منذ أن تزوجا، لتساعد في مصاريف البيت، ولتوفير نفقاتٍ إضافيةٍ لرعاية الأطفال. فقدان وظيفته سيكون كارثة.
"يجب أن نفكر في خطة، يا أحمد،" قالت فاطمة. "خطةٌ لاستعادة السيطرة. ربما يمكننا أن نجد لكَ مستشاراً نفسياً. أو ربما تنضمّ إلى مجموعات دعم."
"لقد فكرتُ في ذلك،" قال أحمد. "ولكنني أخجل. أشعر أنني ضعيف. وأنّي بخذلانكِ."
"أحمد،" قالت فاطمة، ومدّت يدها لتشابك أصابعه. "الحبّ الحقيقي هو أن نكون صادقين مع بعضنا البعض. وأن ندعم بعضنا البعض في أوقات الضعف. أنت لستَ خاذلاً لي. أنتَ في معركةٍ، وأنا معكِ، أقاتل بجانبك."
شعرت فاطمة بقلبها يمتلئ حزناً وألماً، ولكن أيضاً، شعرت بتصميمٍ وقوة. لقد كان عليها أن تكون سنداً لأحمد، وأن تساعده في الخروج من هذا المستنقع.
"لقد وجدتُ كتاباً قديماً،" تابع أحمد، وصوته أصبح أكثر هدوءاً، وكأنه بدأ يتجاوز مرحلة الاعتراف. "كتابٌ كنتُ أعتبره مرجعاً لي. وعندما رأيته، شعرتُ بأنّي عدتُ إلى أيامي الأولى. إلى تلك الأيام التي كنتُ فيها أشعر بالقوة والسيطرة."
"وماذا كان في هذا الكتاب؟" سألت فاطمة، تحاول أن تفهم طبيعة هذا الإدمان.
"كانت فيه قصصٌ قديمة، عن أبطالٍ عظماء، وشخصياتٍ غامضة. ولكنه كان أيضاً… يتحدث عن أساليبٍ للتأثير على الآخرين، وعن كيفية الحصول على ما تريد بطرقٍ غير مباشرة."
نظرت فاطمة إلى أحمد بدهشة. "هل تقصد… سحر؟ أو شيءٌ كهذا؟"
"ليس تماماً سحر. ولكنه كان يتحدث عن علم النفس، وعن فهم طبيعة البشر. لقد بدأتُ أطبّق بعض هذه الأساليب في حياتي. في العمل، وحتى في علاقاتي."
"وهل نجحت؟" سألت فاطمة، وبدأت تشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدها.
"أحياناً. شعرتُ بأنّي أصبحتُ أكثر قدرةً على إقناع الناس، وعلى الحصول على ما أريد. ولكن، في نفس الوقت، شعرتُ بأنّي ابتعدتُ عن نفسي، عن مبادئي."
لقد كان هذا الجزء هو الأكثر إثارةً للقلق. لم يكن الأمر مجرد إدمانٍ على القراءة، بل كان استغلالاً للمعرفة، واستخداماً لها لأغراضٍ أنانية.
"أحمد،" قالت فاطمة، وحاولت أن تكون هادئة. "هذا أمرٌ خطير. هذه ليست أخلاقنا. أنتَ رجلٌ طيب، ولديك قلبٌ كبير. لا تدع هذا الكتاب يفسد عليكَ."
"أحاول، يا فاطمة. أحاول. ولكن، كلما شعرتُ بالضعف، عدتُ إليه."
"يجب أن نتخلّص منه،" قالت فاطمة بحزم. "يجب أن نحرق هذا الكتاب. أو ندفنه. لا أريد له أن يكون موجوداً في حياتنا."
تردد أحمد. كان هذا الكتاب بالنسبة له بمثابة عصا سحرية، وسيف ذو حدين. كان يمنحه القوة، وفي نفس الوقت، كان يجعله يشعر بالذنب.
"إنه… إنه يحتوي على الكثير من المعلومات،" قال أحمد، محاولاً المماطلة.
"المعلومات وحدها لا تصنع الخير يا أحمد. يجب أن يكون هناك توجيهٌ أخلاقي، وقيمٌ نبيلة. وهذا الكتاب، يبدو أنه يفسد عليكَ هذه القيم."
كانت فاطمة تشعر بأنّها في معركةٍ لا تقتصر على شفاء زوجها من إدمانه، بل تتعداها إلى حماية روحه، وإعادة بناء مبادئه.
"ما رأيك،" قالت فاطمة، بعد لحظةٍ من التفكير. "أن نبدأ بخطواتٍ صغيرة؟ ربما، كل يوم، تقرأ صفحةً واحدةً من كتابٍ آخر. كتابٍ إيجابي، يدعم قيمنا."
"وماذا عن هذا الكتاب؟" سأل أحمد، يشير برأسه نحو الغرفة التي كان فيها الكتاب.
"سنواجهه. سنواجهه معاً. ربما، عندما نقرأه معاً، يمكننا أن نحلله، ونتعرّف على أفكاره، ثم نرفضه. ولكن، لا أريد له أن يكون له سيطرةٌ عليكَ، أو علينا."
كانت فاطمة ترى في عيني أحمد صراعاً. كان يعلم أن ما تقوله فاطمة صحيح، ولكنه كان أيضاً يخاف من فقدان تلك القوة التي كان يشعر بها.
"حسناً،" قال أحمد أخيراً، بصوتٍ خافت. "سنحاول. سنواجه هذا معاً."
كان هذا انتصاراً صغيراً، ولكنه انتصارٌ مهم. كانت فاطمة تعلم أن الطريق لا يزال طويلاً، وأنّ الشياطين الداخلية لأحمد قد لا تستسلم بسهولة. ولكن، كان لديها إيمانٌ قويٌّ بحبّه، وبإرادته، وبقدرته على التغيير. لقد كانت تلك الروح التعاونية، وتلك الثقة المتبادلة، هي السلاح الأقوى الذي يمكن أن يستخدموه ضدّ هذا الإدمان الخبيث.
كانت الشمس قد ارتفعت تماماً الآن، تضيء كل زاوية. وبدأت فاطمة تشعر بأنّ هناك بصيصَ أملٍ يتسلل إلى قلبها، أملٌ بأنّ النور يمكن أن ينتصر على الظلام، وأنّ الحبّ يمكن أن يشفي الجراح. ولكن، كان عليها أن تكون مستعدةً لكل الاحتمالات. فالأشباح القديمة، حين تستيقظ، لا تعود أدراجها بسهولة.