الزواج السعيد الجزء الثالث

صدى الجناح المكسور

بقلم مريم الحسن

كانت الأيام تمرّ كخيوطٍ متناثرةٍ من الذاكرة، تحمل معها عبق الماضي ولكن أيضاً، رائحة الحاضر القلق. أحمد، على الرغم من وعوده لفاطمة، كان يشعر بأنّ الصراع يتفاقم داخله. لم يكن الأمر يتعلق بالكتاب نفسه، بل بالوهم الذي كان يمنحه، بالشعور بالقوة والسيطرة الذي كان يفتقده في حياته الواقعية. كان يرى في انعكاس صورته في المرآة رجلاً مختلفاً، رجلاً يعيش على حافة الهاوية، يتأرجح بين عالمين، عالمٍ متخيّلٍ ملون، وعالمٍ واقعيٍ باهت.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت فاطمة في زيارةٍ لوالدتها المريضة، وجد أحمد نفسه وحيداً في المنزل. كانت الوحدة، ذلك الضيف الثقيل، قد بدأت تغذّي رغباته المكبوتة. تسلل إلى غرفته، حيث كان الكتاب لا يزال على الطاولة، يحمل بصماته، وريحة الورق القديم. فتحه، وبدأت أصابعه تتلمس الكلمات، كأنها تعود إلى أحضانٍ مألوفة.

"لماذا أفعل هذا؟" همس لنفسه، وهو يقرأ عن استراتيجيات التأثير. "لماذا أستسلم لهذا الضعف؟"

كانت فاطمة قد حاولت أن تقنعه بالتخلص من الكتاب. ولكن في كل مرة، كان يجد سبباً للتراجع. مرةً قال إنّه يحتاج إليه لدراسةٍ معينة. ومرةً أخرى، قال إنّ فيه معلوماتٍ مهمة قد يحتاجها مستقبلاً. كانت هذه حججاً واهية، وكان هو يعلم ذلك.

لقد استغلّ أحمد هذه اللحظات من الوحدة ليعود إلى عالمه الافتراضي. كان يقرأ، ويقرأ، وينغمس في الأفكار التي يقدمها الكتاب. لقد بدأ يشعر بأنّ له تأثيراً على من حوله. في العمل، بدأ يتحدث بثقةٍ أكبر، ويستخدم بعض الأساليب التي قرأها. لاحظ أن مديره بدأ يستمع إليه باهتمامٍ أكبر، وأنّ زملاءه أصبحوا أكثر تفاعلاً مع اقتراحاته.

"هل هذا حقاً أنا؟" سأل نفسه، وهو يرى نتائجه الإيجابية. "هل هذه القوة التي كنتُ أبحث عنها؟"

ولكن، سرعان ما كانت تلك النشوة تتلاشى، ليحلّ محلها شعورٌ بالذنب والتعب. لقد بدأ يتجاهل أسرته. كان يجلس لساعاتٍ طويلة، لا يرى إلا ما بين يديه، ولا يسمع إلا صدى الكلمات. عندما تعود فاطمة، كانت تجده في نفس الوضع، غالباً ما يكون غارقاً في قراءاته، غير مدركٍ لما يدور حوله.

"أحمد،" قالت له فاطمة في إحدى الليالي، بعد أن وجدته مستيقظاً في وقتٍ متأخر، وعيناه محمرتان من السهر. "أنا قلقةٌ عليك. أنت لا تنام، ولا تأكل جيداً. هل أنت بخير؟"

تنهد أحمد، وشعر بتأنيب الضمير. "أنا بخير يا حبيبتي. مجرد عملٍ كثير."

"ولكن، ألم تقل إنّك ستتوقف عن القراءة؟" سألت فاطمة، وبدأت ملامحها تظهر عليها خيبة الأمل.

"أنا أحاول،" قال أحمد، وهذه المرة كانت كلماته تحمل شيئاً من الصدق. "ولكن الأمر صعبٌ جداً. أشعر بأنّي مدمنٌ عليه."

"وماذا عن العواقب؟" قالت فاطمة، ونبرة صوتها بدأت ترتفع قليلاً. "عملك، صحتك، علاقتنا. هل هذا كلّه لا يعني شيئاً؟"

"يعني كل شيء!" ردّ أحمد، وشعر بغضبٍ مفاجئ. "ولكنني أشعر بأنّي عالقٌ. لا أستطيع التحرر."

"يجب أن نجد حلاً، أحمد. لا يمكننا الاستمرار هكذا. لقد تحدثتُ مع الدكتورة سميرة، وهي طبيبةٌ نفسيةٌ متخصصة. يمكننا أن نحدد موعداً لكَ."

تفاجأ أحمد. لم يتوقع أن تكون فاطمة قد اتخذت خطواتٍ جادة. "ولكن، أنا… أنا لا أريد الذهاب إلى طبيب نفسي. أشعر بالخجل."

"الخجل لا يشفي الأمراض، يا أحمد. الشجاعة والطلب للمساعدة، هما ما يشفيان. أنا سأكون معك في كل خطوة."

نظرت فاطمة إلى أحمد، ورأت في عينيه مزيجاً من الخوف، والاستسلام، ولكن أيضاً، شرارةً من الأمل. كانت تعلم أن معركة شفاء أحمد ستكون طويلة وشاقة، ولكنها كانت مستعدةً لخوضها.

"ماذا لو… ماذا لو لم أنجح؟" سأل أحمد بصوتٍ مرتعش.

"ستنجح،" قالت فاطمة بثقة. "لأنك لستَ وحدك. ولأنّ حبّنا أقوى من أي إدمان."

في تلك الليلة، لم يستطع أحمد النوم. كان يفكر في كلام فاطمة، وفي وعوده لها. كان يشعر بأنّ حياته تتفكك، وأنّ كل ما بناه على وشك الانهيار. لقد أصبح ذلك الكتاب، الذي كان يظنه مفتاحاً للقوة، هو سبباً لضعفه.

في صباح اليوم التالي، استيقظ أحمد مبكراً، قبل شروق الشمس. ذهب إلى غرفة جلوسه، حيث كان الكتاب لا يزال على الطاولة. أمسكه بين يديه، وشعر بثقله، وبوجوده الكابوسي. لقد رأى فيه ليس فقط مجموعةً من الكلمات، بل تجسيداً لكل إخفاقاته، ولكل لحظات ضعفه.

"هذا كافٍ،" قال أحمد بصوتٍ قوي، لم تعتده فاطمة منه.

أخذ أحمد الكتاب، وذهب به إلى الخارج، إلى ساحة البيت الخلفية. وجد علبةً قديمة، وبعض الحطب. بدأ يجمع الحطب، ويرتبها فوق بعضها البعض. كانت فاطمة تراقب من النافذة، وقلبها يخفق بقوة.

ثم، وضع أحمد الكتاب فوق الحطب. أشعل عود ثقاب، ورأى النار تشتعل، تتصاعد، وتبتلع الورق القديم. كانت الدموع تتساقط من عينيه، دموعٌ ممزوجةٌ بالألم، وبالراحة، وبالحرية. لقد كان يحرق جزءاً من ماضيه، جزءاً من إدمانه.

راقب أحمد الكتاب وهو يحترق، ويتطاير رماده في الهواء. شعر بأنّ عبئاً ثقيلاً قد أزيح عن صدره. لم يكن الأمر سهلاً، ولم يكن نهاية المطاف. ولكن، كانت هذه بدايةً جديدة. بدايةً لاستعادة السيطرة، وبدايةً لحياةٍ أكثر صدقاً.

عندما عادت فاطمة من زيارة والدتها، وجدت أحمد يجلس في الساحة، ينظر إلى بقايا الحريق. كان وجهه متعباً، ولكن عينيه كانتا صافيتين، وبدت فيهما قوةٌ جديدة.

"لقد فعلتها،" قالت فاطمة، وعيناها مليئتان بالدموع.

أومأ أحمد، وابتسم ابتسامةً باهتة. "نعم. لقد فعلتها. لقد حرقتُ شبح الماضي."

"وأنا بجانبك،" قالت فاطمة، وجلست بجانبه. "سنبني مستقبلاً جديداً، قوياً."

كانت تلك الليلة، بدايةً لمرحلةٍ جديدة. مرحلةٌ ستحتاج إلى صبرٍ، وإلى تضحية، وإلى الكثير من الحبّ. لقد أدرك أحمد أن الإدمان ليس مجرد ضعفٍ مؤقت، بل هو مرضٌ يتطلب علاجاً ومراقبةً مستمرة. ولكن، كان لديه الآن أملٌ حقيقي. أملٌ بأنّ الحبّ، والإرادة، والدعم، يمكن أن ينتصروا على كل الصعاب.

شعر أحمد برأس فاطمة يستند على كتفه، وشعر بدفءٍ يسري في عروقه. لم يكن الإدمان قد اختفى تماماً، ولكنه شعر بأنّ جناحه المكسور بدأ يلتئم، وأنّ الأمل في الطيران مجدداً بدأ يتجدد. لقد كانت هذه بداية رحلةٍ طويلة، ولكنها رحلةٌ تستحقّ أن يخوضها، من أجل نفسه، ومن أجل فاطمة، ومن أجل حياتهما المشتركة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%