الزواج السعيد الجزء الثالث

مرآة النفس وصدق التوبة

بقلم مريم الحسن

كانت رائحة بخور العود تفوح في أرجاء المنزل، امتزجت بنسيم المساء العليل القادم من الشرفة. أحمد، بعد أن تخلص من الكتاب، شعر وكأنّ نسمةً من الهواء النقي دخلت إلى روحه. لكن، كان يعلم أن إزالة السبب الظاهري لا يعني القضاء على المشكلة بالكامل. كان الصراع الداخلي ما زال مستمراً، وكان عليه أن يواجهه بكل قوته.

في الأيام التي تلت حرق الكتاب، شعر أحمد ببعض التحسن. كان يقضي وقتاً أطول مع فاطمة، ويشاركها في حديثها. كان ينتبه إلى تفاصيل حياتهما، ويقدّر وجودها أكثر من أي وقتٍ مضى. لكن، كان يشعر أحياناً بالفراغ، بفقدان ذلك الشيء الذي كان يعطيه شعوراً بالتميز، وبالقدرة.

"كيف تشعر اليوم يا حبيبي؟" سألت فاطمة، وهي تضع كوباً من العصير الطازج أمامه.

ابتسم أحمد ابتسامةً صادقة. "أشعر بالتحسن، يا فاطمة. أشعر بأنّي أخفّ وطأة."

"هذا خبرٌ سعيد،" قالت فاطمة، وبدت عليها علامات الارتياح. "ولكن، هل أنت مستعدٌ لموعدنا غداً مع الدكتورة سميرة؟"

تردد أحمد. كانت فكرة الذهاب إلى طبيبة نفسية لا تزال تثير قلقه. "لا أعرف يا فاطمة. هل هذا ضروري حقاً؟"

"نعم، يا أحمد. الإدمان ليس مجرد رغبةٍ عابرة. إنه مرضٌ يحتاج إلى علاج. والدكتورة سميرة ستساعدك على فهم أسباب إدمانك، وعلى تطوير استراتيجياتٍ لمقاومته."

"ولكن، ألا يكفي أنني تخلصتُ من الكتاب؟" سأل أحمد، محاولاً أن يتهرب.

"هذا كان خطوةً عظيمة، يا أحمد. ولكن، الإدمان غالباً ما يكون مرتبطاً بمشاعر عميقة، وباحتياجاتٍ غير ملباة. الدكتورة سميرة ستساعدك على استكشاف هذه المشاعر، وعلى إيجاد طرقٍ صحيةٍ لتلبية احتياجاتك."

كان أحمد يعلم أن فاطمة على حق. لقد كان يشعر بتلك الحاجة إلى القوة، إلى الإحساس بالسيطرة. لقد كان يرى في الكتاب ملجأً، ولكنه لم يكن الحلّ.

"حسناً،" قال أحمد أخيراً. "سأذهب غداً."

كان موعد أحمد مع الدكتورة سميرة في صباح اليوم التالي. دخل أحمد إلى العيادة، وشعر بالتوتر. كانت الغرفة هادئة، ومريحة، ومليئةً بالنباتات الخضراء. جلست الدكتورة سميرة أمامه، ابتسامتها دافئة، ونظراتها تحمل فهماً عميقاً.

"أهلاً بك يا سيد أحمد،" قالت بصوتٍ هادئ. "يسرني أنك أتيت اليوم. كيف تشعر؟"

بدأ أحمد يتحدث، وبصعوبةٍ في البداية. روى لها قصة إدمانه، وقصة تخلصه من الكتاب. كانت الدكتورة سميرة تستمع بانتباه، دون أن تقاطعه. عندما انتهى، سألته: "ما الذي كنتَ تبحث عنه في هذا الكتاب، يا سيد أحمد؟ ما الذي جعلك تشعر بأنّك بحاجةٍ إليه؟"

فكر أحمد طويلاً. "كنتُ أشعر بأنّي ضائع. أنني لا أملك السيطرة على حياتي. كنتُ أريد أن أشعر بالقوة، وأن أكون قادراً على تحقيق أهدافي."

"وهل شعرتَ بأنّ الكتاب منحك هذه القوة؟"

"نعم. في البداية. ولكن، مع الوقت، بدأتُ أشعر بأنّي أصبحتُ عبداً له."

"هذا طبيعي،" قالت الدكتورة سميرة. "الإدمان غالباً ما يكون هروباً من مشاعر الضعف، أو من الفراغ. ولكن، الهروب لا يحلّ المشكلة، بل يجعلها تتفاقم. الحلّ يكمن في مواجهة هذه المشاعر، وفي إيجاد طرقٍ صحيةٍ لتلبية احتياجاتك."

بدأت الدكتورة سميرة تتحدث مع أحمد عن استراتيجياتٍ لمقاومة الرغبة، وعن كيفية بناء الثقة بالنفس، وعن أهمية بناء علاقاتٍ صحية. كانت كلماتها منطقية، ومقنعة.

"وماذا عن فاطمة؟" سأل أحمد. "هل يمكنني أن أتحدث معها عن هذا؟"

"بالتأكيد،" قالت الدكتورة سميرة. "العلاقات الداعمة، مثل علاقتك بزوجتك، تلعب دوراً حاسماً في عملية الشفاء. يمكن أن تكون شريكاً قوياً لك في هذه الرحلة."

خرج أحمد من عيادة الدكتورة سميرة بشعورٍ مختلط. كان يشعر ببعض الأمل، ولكنه كان أيضاً قلقاً. هل سيتمكن حقاً من التغلب على هذا الإدمان؟

عندما عاد إلى المنزل، وجد فاطمة تنتظره. "كيف كان اللقاء؟" سألت بحماس.

"كان جيداً،" قال أحمد. "لقد تحدثنا كثيراً. وشرحت لي بعض الأمور الهامة."

"وما هي هذه الأمور؟"

"أن الإدمان ليس ضعفاً، بل هو مرض. وأنّ الشفاء ممكنٌ، ولكنّه يتطلب جهداً ووقتاً."

"وهل أنت مستعدٌ لهذا الجهد؟"

نظر أحمد إلى فاطمة، ورأى في عينيها حباً ودعماً لا حدود لهما. "نعم، يا فاطمة. أنا مستعدٌ."

بدأ أحمد وفاطمة في حضور جلساتٍ علاجيةٍ مع الدكتورة سميرة. في كل جلسة، كان أحمد يكشف عن جانبٍ جديدٍ من شخصيته، عن مخاوفه، وعن أحلامه. لقد اكتشف أنّه كان يستخدم هذا الإدمان كقناعٍ لإخفاء هشاشته، وللتهرب من مواجهة ضعفه.

في إحدى الجلسات، سألته الدكتورة سميرة: "ما هو الشيء الذي تخاف أن تخسره إذا لم تعد تحتاج إلى هذا الإدمان؟"

فكر أحمد طويلاً. "ربما… القوة. الشعور بأنّي أستطيع أن أفعل أي شيء."

"ولكن، هل هذه القوة كانت حقيقية؟ أم كانت مجرد وهم؟"

"ربما كانت وهماً،" اعترف أحمد. "ولكنه كان وهماً جميلاً."

"الحياة الحقيقية، يا سيد أحمد، هي أن تبني قوتك من الداخل. أن تكون صادقاً مع نفسك، ومع الآخرين. وأن تعتمد على الحبّ، وعلى الدعم، وعلى قيمك الأخلاقية."

كانت كلمات الدكتورة سميرة بمثابة صدىً لما كانت تقوله فاطمة له دائماً. لقد كان الحبّ، والدعم، والأمان الذي وجده في عائلته، هو القوة الحقيقية التي كان يبحث عنها.

لقد بدأ أحمد يتعلم كيف يواجه مشاعره السلبية بدلاً من الهروب منها. كان يكتب يومياته، ويتحدث مع فاطمة، ويمارس التمارين الرياضية. كل هذه الأمور كانت تساعده على الشعور بالاستقرار، وبالتحكم في حياته.

كانت فاطمة، من جانبها، تبذل جهداً كبيراً في دعمه. كانت تتحدث معه بصراحة، ولكن بلطف. كانت تشجعه، وتثني على جهوده. كانت تشعر بأنّ علاقتها بأحمد تتعمق، وأنّ حبهما يزداد قوة.

"أتذكر عندما اشتريتَ الكتاب الأول، يا أحمد؟" سألت فاطمة في إحدى الليالي. "كنتَ سعيداً جداً بذلك."

"نعم، أتذكر. لقد كنتُ أحلم بأن أصبح كاتباً عظيماً."

"وما

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%